بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بين الأيديولوجية و العلمانية.. تركيا إلى أين؟!

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

الشرارة التي فجرت الواقع التركي الهش أصلاً، لم تكن بسبب أشجار جميلة معمرة في "بارك غيزي"، ولكن محاولة "أردوغان" محو الأهمية التاريخية لهذا البارك، والذي يُعَدُ رمزاً للنضال التاريخي اليساري في اسطنبول، وليس مجرد بناء متحف لتخليد ذكرى أحد معسكرات جنود المدفعية العثمانية في منطقة "تقسيم" تأسست عام 1806، وليس مجرد بناء جسر ثالث فوق البوسفور، الذي أطلق عليه أسم (جسر سليم الأول)، السلطان العثماني الذي قاد بناء الخلافة العثمانية في المنطقة.. كل هذه الأمور ترفضها المعارضة التركية وترى أنها تمس بهوية الجمهورية التركية التي أسسها "كمال أتاتورك" عام 1923.

لقد أصر "أردوغان" على أن يطلق تسمية (يا فوز سلطان سليم) على الجسر المعلق الذي يرمي إنشاؤه في اسطنبول.. ماذا يعني ذلك؟، يعني التذكير بعودة تركيا إلى زمن السلطان سليم قبل أكثر من 500 عام، حيث الحروب التي خاضها السلطان العثماني في شرق الأنضول قتل فيها عثمانيون وعلويون وأكراد وعرب ومماليك، في مشروع خطط "أردوغان" لإعادة رسم الخريطة الـ(جيو- سياسية) للمنطقة وبصورة بطيئة ومرحلية.. وهذا يدل على توجهه نحو تغليف سياساته بمضامين أيديولوجية.. ومن أجل ذلك أخذ يعمل على :

أولاً- تأسيس نجاحات له في الانتخابات المقبلة عام 2014، وذلك بإجراء انتخابات مبكرة تشمل البرلمان والبلديات فضلاً عن أن اختيار الرئيس الجديد، ليس فخرياً كما هو عليه " غول "، إنما رئاسة لها صلاحيات واسعة.

ثانياً- "أردوغان" يعمل من أجل ترسيخ مشروع النظام الرئاسي ووصوله إلى قصر الرئاسة بصلاحيات واسعة تنعش شرايين الحقبة العثمانية.

ثالثاً- تمثل توجهات "أردوغان" في نظر معارضيه، وهم كثر، انحرافاً عن ما يسمى بـ(الهوية التركية لكمال أتاتورك).

رابعاً- يمارس "أردوغان" أسلوب (أسْلَمَة) مفاصل الدولة العلمانية التركية.. هذا الأسلوب خلق ردود فعل معاكسة تؤكد حقيقة الهوية العلمانية لتركيا.

 

الأيديولوجية الأردوغانية تصطدم بالحريات العامة، على الرغم من إسلامية المجتمع التركي، هنالك قضايا اجتماعية، وهنالك حريات عامة، فمن الصعب ليَ مفاصلها باتجاه أيديولوجية تطبيق الشريعة الإسلامية كما يحصل في مصر، خاصة وإن تركيا في مفترق طرق بين واقعها الإسلامي من جهة وطابعها العلماني من جهة أخرى.!!

فالنجاحات الاقتصادية والنمو الاقتصادي يصب في خانة الأثرياء، أما عموم الشعب التركي فهو يعيش حالة الفاقه.. والبون شاسع بين النمو الاقتصادي في البلاد وبين الرفاهية الشعبية.. والإشكالية تكمن في حزب التنمية والعدالة، حزب أردوغان، الذي فاز بالإنتخابات بنسبة 50%، وهذا يعني أن نسبة الـ 50% الأخرى من المجتمع التركي خارج إطار التنمية والعدالة، حيث التحفظ على المنهج وكذلك على المحصلة، الأمر الذي يضع "أردوغان"- على الرغم من نجاحاته وتنميته الاقتصادية أمام واقع ليس سهلاً طالما أن واقع تركيا على مفترق طرق بين أيديولوجية الحزب وعلمانية الدولة، بين أدلجة المجتمع التركي وعلمنة هذا المجتمع.. فإذا كان "أردوغان" يعتقد بما يصنعه "أحمد داوود أوغلو" وزير خارجيته من جهة ومستشاري حزبه في نهوض عثماني جديد، يبدأ بنظام رئاسي تركي، فإن نسبة 50% من أصوات صناديق الاقتراع ستتزايد بالضد إلى أكثر من 80% في انتخابات عام 2014، وربما لن يصل بالأوضاع إلى ما يصبو إليها حتى ذلك العام.!!

فالديمقراطية لا تتحمل القسر في التسييس الأيديولوجي، كما لا تتحمل ركائز العلمانية التي كرسها "كمال أتاتورك"، ولا تتحمل تركيا أن تبتعد كثيراً في محيطها الإقليمي على أساس العثمانية في ثوب جديد حاولت أن تجعل من قضية العرب فلسطين مدخلاً إلى المنطقة التي تعيش في مستنقع الفوضى الخلاقة.. لأن العلمنة لا تسمح في تسييس الآيديولوجيا، والمحيط الإقليمي القريب لا يسمح بالعثمنة من جديد.. فإلى أين يذهب "أردوغان" بتركياً؟ هل يفجرها من الداخل كما تفعل الأحزاب الإسلاموية في معظم أقطار المنطقة؟!

6/6/2013

شبكة البصرة

الخميس 27 رجب 1434 / 6 حزيران 2013

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط