بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بيت فوريك... فلوجة فلسطين

شبكة البصرة

بقلم : ثائر حنني

فلسطين المحتلة

أطلق هذا الوصف والتسميه على بلدة بيت فوريك الفلسطينية تيمنا ببلدة الفلوجة العراقية حيث هناك أوجه شبه كبيره وسمات متعددة تجمع بين البلدتين, فعندما تألقت الفلوجة أثناء الغزو الأمريكي للعراق الشقيق حيث انطلاقة الشرارة الأولى للمقاومة ضد الاحتلال الأمريكي مما شكل دافعا للكتاب والباحثين للغوص في تاريخ تلك البلدة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ النضالي المشرف للعراق وعلى مر التاريخ وفي محفل تصديه وتعرضه لغزوات كثيره , فوجدوا ببلدة الفلوجة رمزا للمقاومة الشرسة لكل الغزاة وعبر كل المراحل التي تعرض فيها العراق للغزوات البربرية والتترية

ولو امعنا النظر وأبحرنا في تاريخ بلدة بيت فوريك لوجدنا شبها كبيرا وعميقا في الوجه النضالي للبلدتين الفلسطينية والعراقية. ففي أعماق التاريخ وأثناء تقليب صفحات المؤرخين وجدت بيت فوريك حاضره وبقوه في مقاومة الفرنجة الصليبيين اللذين قاموا بأجلاء سكانها وترحيلهم إلى قرية كفر مالك القريبة من رام الله كأجراء عقابي لأهل البلدة وردا على مقاومتهم للغزو الصليبي حسب ما ورد في كتاب للدكتور المؤرخ سعيد البيشاوي الذي تناول في كتابه المذكور الحديث عن الفلاحين في جبال نابلس في العهد الصليبي.

وفي متابعة أخرى لتاريخ بيت فوريك رصد في العهد التركي مقاومة باسله لسياسة التتريك التي انتهجها السلطان مصطفى أتاتورك حيث صدور عدد من أحكام الإعدام بحق عدد من مواطني البلدة مما يؤشر على حجم المقاومة لتلك السياسة.

وفي عهد الانتداب البريطاني لفلسطين كانت جبال بيت فوريك مسرحا لمعارك ثورة أل 36 ضد الانتداب وسماحه بهجرة اليهود إلى فلسطين ودارت معارك عنيفة في تلك الجبال مع المستعمر البريطاني بقيادة أبو عبدالله السيلاوي الذي تمكن ومقاتليه من أسقاط مروحيه عسكريه للعدو.

وبعد جلاء الانتداب وإعلان سيطرة العصابات الصهيونية على أجزاء كبيره من الأراضي الفلسطينية وخضوع الضفة الغربية للوصاية الأردنية التي لم تسلم قواتها المسلحة من التقريع والنقد واتهامها بالتقصير في حماية فلسطين من قبل أهالي البلدة ونشطائها السياسيين الموزعين في انتمائهم الحزبي بين الحزب الشيوعي وحزب البعث وحركة القوميين العرب اللذين طاردتهم المخابرات الأردنية ولاحقتهم من بيت إلى أخر وصادرت منشوراتهم ونشراتهم وألقت القبض على العديد منهم وزجت بهم بالمعتقلات الصحراوية.

وفي الوقت الذي تعرضت فيه فلسطين للنكسة وهزمت الجيوش العربية بما فيها الجيش الأردني أمام تقدم قوات الاحتلال الصهيوني وما ارتكبته تلك القوات من مجازر بشعه بحق الفلسطينيين وبحق الجيوش العربية المنهزمة وخصوصا الجيش العراقي الذي احتضنت السهول المجاورة لأراضي بيت فوريك العدد الأكبر من شهدائه وهم بالمئات أضافه للشهداء المدفونين في جنين وقلقيلية... وأمام هول تلك المجازر والضحايا الملقاة على جنبات الطرق لم يفزع شباب بيت فوريك من هول المنظر واخذوا على عاتقهم مقاومة الاحتلال واستعادة الكرامة العربية المهدورة في فلسطين حيث توزع شبابها على التنظيمات الفلسطينية المسلحة وخصوصا حركة فتح بقيادة ياسر عرفات المتخفي أصلا في بيت فوريك وجعل منها قاعدته الثورية لأطلاق شرارة الثورة الفلسطينية المسلحة هذا بالإضافة لمجموعات مسلحه أخرى تابعه للجبهتين الشعبية والديمقراطية والتي خاضت معارك ضاريه مع جنود الاحتلال في جبال وتلال القرية مما دفع العدو لحشد كل طاقاته ومكاناته العسكرية الهائلة في مواجهة شباب وأهالي القرية اللذين سقط منهم العشرات بين شهيد وجريح ودفعت من بقي منهم حيا لعبور نهر الأردن إلى الضفة الشرقية منه للالتحاق مجددا بقواعد الثورة الفلسطينية المنتشرة هناك وليواصلوا من هناك مشوار الثورة والكفاح على طريق النصر ودحر الاحتلال.

وفي عقد السبعينات خفت صوت الرصاص الفوريكي قليلا ليعود مجددا في مطلع الثمانينات من خلال مجموعات مسلحه تابعه لجبهة التحرير العربية والتي نفذت عدد من العمليات الفدائية وزرعت الألغام الأرضية في الطرق المؤدية لبعض المستوطنات المجاورة للبلدة وعبوات ناسفه في تل أبيب وقد القي القبض على معظم أفراد تلك المجموعات حيث بلغ عدد المعتقلين منهم عشرون شابا.

وفي أعقاب عملية الاعتقال تلك حدث تطور نوعي للمقاومة في بيت فوريك حيث اتخذ شبابها من الحجارة سلاحا جديدا لمقاومة المحتلين وكذلك تسيير المظاهرات الشعبية المزينة بالأعلام الفلسطينية تشييعا لشهداء البلدة ومناديه بأسقاط الاحتلال و كذلك المسيرات الحاشدة التي أثارت استهجان واستغراب وسائل الأعلام الغربية والتي خرجت تأييدا للعراق في تصديه للعدوان الإيراني ورفعت فيها صورا لصدام حسين في الوقت الذي لم تخرج فيه مسيرة واحده في كل أرجاء الوطن العربي بهذا الشكل وخصوصا في مطلع الثمانينات حيث حالة الضبابية في الموقف من العراق في ذلك الوقت..وقد تواصلت مظاهر الانتفاضة في بيت فوريك بين الأعوام 1982-1987م وبظهور وتواجد علني لكل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية وجبهة التحرير العربية والفلسطينية وحزب الشعب والنضال الشعبي والتي تعرضت جميعها لحملات اعتقال واسعه شملت المئات من المنتسبين لتلك التنظيمات وبذلك تكون بيت فوريك سباقة في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الشعبية العارمة والتي انفجرت في وجه الاحتلال ومحطة ومركز إشعاع ثوري لباقي مدن ومخيمات وقرى فلسطين المحتلة.

وبعد أن وضعت الانتفاضة الأولى أوزارها وانطفئ أوارها ودخلت القضية الفلسطينية مرحلة التسوية السياسية متوجة باتفاق أوسلو مما شجع بعض المواقع الفلسطينية لألقاء الزهور والورود على جنود الاحتلال ظنا منهم بإشاعة مظاهر السلام أبت بيت فوريك على نفسها إلا الاستمرار في التصدي لجنود الاحتلال بالحجارة وكل أشكال المقاومة حتى اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي هي الأخرى كان لبيت فوريك نصيب كبير في إذكائها ورفدها بالدم الفوريكي الطاهر حيث قام اكثر من عشرون شابا بتفجير أجسادهم وسط جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه ملحقين به افدح الخسائر في الأرواح والممتلكات إضافة لعدد أخر من الشهداء اللذين سقطوا في اشتباكات مسلحه ومواجهات بالحجارة بحيث تجاوز عددهم الثلاثون شهيدا في الانتفاضة الثانية تحديدا وهذا الرقم قياسيا بالمقارنة مع عدد سكان القرية الصغيرة والكبيرة بفعلها النضالي مما افزع الاحتلال وجعله يتخبط ويعقد اجتماعه الوزاري الأمني المصغر لمناقشة الوضع المتأزم في بيت فوريك والوصول للأسباب الحقيقية التي جعلت من كل شباب البلدة مشاريع استشهاديه وفي هذا السياق اهتدوا للصحفي الإسرائيلي المعروف (روني شكيت) الذي كلف من قبلهم لاستكشاف الدوافع الكامنة للعنفوان الثوري الذي يتحلى به شباب بيت فوريك والخروج بتقييم دقيق وتحقيق شامل بموضوعة المقاومة الشرسة وأسبابها وتميزها عن باقي مدن وقرى فلسطين.

ورغم كل الظروف وعبر كل المحطات السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية سيستمر شباب بيت فوريك اللذين يتحلون بالأخلاق الثورية البناءة ومن بعدهم الأبناء وعلى ذات الخطى التي سار عليها الأجداد في المقاومة والكفاح الوطني..ولا زالت مكبرات الصوت التي تعلو مآذنها تصدح بمواصلة المشوار النضالي حتى تحرير فلسطين كل فلسطين من نهرها لبحرها..وقد استحقت تلك البلدة وبجداره وبلا منازع وصفها وتسميتها بفلوجة فلسطين ودرة الوطن ومعينه الذي لا ينضب.

حزيران-2013

شبكة البصرة

الثلاثاء 2 شعبان 1434 / 11 حزيران 2013

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط