بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مذكرات السيد باقر إبراهيم الشيوعي العقلاني :

المتذوب في قفص التنظيم والمتصوف في ظلام العزلة

الحلقة الرابعة

شبكة البصرة

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا

وعلى كلٍ، هي مرحلة تريخية مديدة خضبتها دماء القادة الشيوعيين وكوادره من الروس والسوفييت، ولونتها أشلاء ملايين الفلاحين قبل أنْ تستنفد موجبات الزراعة الجماعية، مثلما سادت بنمط جلافتها البيروقراطية والوحشية على كل حيثيات الكومنترن التي أعقبت مرحلة الأممية الثالثة. التي كان فيها الولاء المطلق لوطن الطبقة العالمية المتمثلة بجمهورية روسيا الاِتحادية، وذلك ما نصت عليه تعليمات الحزب الشيوعي السوفيتي الفكرية والسياسية. وكان أهم مميزات تلك المرحلة التاريخية الستالينية إنْ صح التعبير صلابة القائد الحزبي الشيوعي في المواقف السياسية في مختلف البلدان.

ومَنْ يتتبع الشعارات المختلفة، والهتافات المتنوعة التي تم رفعها آنذاك يستطيع، والـ"التأليه غير العادي" لـ"لعبقري" ستالين، يتمكن أنْ يستوعب مضمون المقولة التي تضمنتها المادة (الخامسة والسادسة لبرنامج الأممية الشيوعية)، ويتلمس الى أي مدى كان يجري تطَّبيقها بكل جلاء ووضوح، ولم تختلف في تطبيقها أية جهة تنظيمية عن الأخرى وبمختلف بقاع العالم : عبر شعار مضمونه "الدفاع عن الوطن الأم"، وسنرى هذا أوضح عندما نقلب صفحات وثائقهم المختلفة :

تقول المادة الخامسة من برنامج الشيوعية الأممية : ((وبما أنها (أي روسيا) هي أرض دكتاتورية الكادحين، وهي التي تبني الاشتراكية وتعمل لها، وهي أرض تنجز فيها الطبقة العاملة عظائم الأمور وجسامها، وهي أرض اتحاد العمال والفلاحين الذين يسيرون جنباً إلى جنب تحت راية الماركسية في الاتحاد السوفييتي، فلذا تصبح روسيا قاعدة لكل الحركات التي تقوم بها الطبقة المضطَهدَة، ومركزاً للثورة الأممية، وإنّ الكادح قد وجد لأول مرّة في تاريخ البشرية بلاداً هي حقيقةً بلاده، ولذا تصبح روسيا السوفييتية مركزاً لجذب كل كادحي العالم)). {راجع الكتاب الأول من سلسلة التراث القومي : قراءات في الفكر القومي العربي، القومية العربية : فكرتها ومقوماتها، نصوص لمجموعة مؤلفين والكتّاب، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان، الطبعة الأولى، تموز / يوليو عام 1993، ص 168. وورد النص المُستَشهَد به ضمن دراسة السيد إبراهيم شوكة : لماذا أنا قومي، المنشورة في العام 1948}.

أما الكاتب المحقق والمدقق السيد حنا بطاطو الذي لم ينتقص من موضوعيته أو حجيته أحدٌ ما، فيقول تقويمه عن السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي : فهد ما يلي : "اِختار أن يضم إلى لجنته المركزية الأولى رجالاً لم يكونوا أبداً في الحزب قبل ذلك، وليست لديهم أية فكرة ضبابية جداً عن الشيوعية"، [ص149]، أي سيادة الروح الفردية في إنتقاء القادة الحزبيين لمجرد أنهم يتوافقون مع مزاجه وينسجمون مع زعامته، كما أنه وصف رفاق الأمس بأنهم "ماكرين وخونة ومنبوذين"، [ص 153]، ورسم فهد "الحقائق والنتائج على طريقته للحط من قيمة القائد الظاهري لجناح فتي منافس"، [ص 154]، وعليه فقد : "تابع فهد الإمساك بيديه بكل أزِمة السلطة الحقيقية، وأبقى عيناً يقظة تراقب كل ما يحصل في الحزب. وصارت القرارات الهامة لا تصدر إلا عنه وحده"، [ص 164]، ووصف المتمردين على قيادته بـ"المرتدين والمخربين"، [ص 157]، و"الاِنتهازيين"، [ص162]، وشن حملة واسعة على "التصفويين"، [ص 247]. {راجع الكتاب الوسوعي الموسوم بالعراق للسيد حنا بطاطو، الكتاب الثاني المعنون : الحزب الشيوعي، ترجمة : عفيف الرزَّاز، إصدار مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى، بيروت / لبنان عام 1992، وأرقام الصفحات مذكورة بجوار النصوص المستشهد بها.

 

ـ 3 ـ

وفي أية حال، فإنَّ تقويم المواقف السياسية لفهد على ضوء القضية الوطنية العراقية بما أنها قضية تحرر وطني، هي المعيار الرئيسي في التقويم وليس الأساسي في اللحظة التاريخية الراهنة، ولذلك، يمكن أخذ موقفه السياسي من الغزو البريطاني الذي حدث للعراق في العام 1941 معياراً للتقويم الفكري والسياسي لشخصيته القيادية، إذ اِعتبر ذلك العدوان العسكري الملمباشر، بعد عام واحد على الغزو، إنَّ العدوان العسكري الإستعماري وإرجاع أركان السلطة الهاشمية / السعيدية إلى كرسي السلطة والحكم، كان كل ذلك مجرد عملية تحرير للعراق من القوى النازية، والمقصود بهذا التعبير المكتنز بالذم والمبالغة حد الإختراع عن سياسة الآخرين، ثورة مايس التحررية الذي شنقت القوات البريطانية قادتها البواسل.

جاء موقفه السياسي ذاك في مقالة اِفتتاحية لجريدة الحزب المركزية الذي يتضمن الأفكار التالية : ((فإنَّ حزبنا ينظر الى الجيش البريطاني، الذي يحارب النازية الآن، كجيش تحرير، وبكلمات أخرى، فإن دعمنا للجبهة الديمقراطية العالمية الموحدة يعني أن نكون الى جانب الإنكليز... ولذلك فإنّ علينا أن نساعد الجيش البريطاني في العراق، بكل طريقة ممكنة، وأن نسهّل خصوصاً نقل المواد المواد العسكرية بواسطة السكك الحديدية، وأن نراقب المتآمرين والمخربين ونحترِس من حوادث مماثلة لما حصل مؤخراً من نسفٍ لقطار الحلة....)).

لذا أصلى الحزبُ الشيوعي الحركةَ وقادتها بألفاظه النقدية المعهودة، وتعبيراته السياسية المألوفة : ((وبحلول موعد اِنعقاد كونفرانس الحزب الأول (آذار / مارس 1944) صار للسكرتير العام، فهد، أن يدين الحركة : [أي حركة اِنتفاضة 1941]، باِزدراء واصفاً إياها بكونها ((مغامرة متهورة))، لتصفها صحيفة الحزب الرئيسية بعد ذلك بعقد من الزمن بأنها ((فاشية)) و ((مجرمة))، و((لم يكن باِستطاعة الشيوعيين في حزيران (يونيو) 1941 أن يغيروا جذرياً تقييمهم للحركة الوطنية من دون الإهانة إلى المشاعر الشعبية أو المخاطرة أن يصبحوا منبوذين))، وهي الحركة التي كانت ضحية لعدوان أجنبي اِستعماري غادر، من جهة أولى، وترجمة عملية لطموح وطني وقومي مشروع وفق كل المقاييس الوطنية والمعايير القومية والأفكار الإنسانية، من جهة ثانية. {المصدر السابق}.

صار الاِستعمار البريطاني المُحتل للعراق عسكرياً تواً، منقذاً محرراً :

الماضي يقول بلسان وقلم السيد فهد ـ سكرتير الحزب الشيوعي العراقي ومؤسسه :"إنَّ الاِحتلال البريطاني للعراق يُسمى تحرير البلاد، وحماية السكك الحديدية {الذي جرى توظيفها لصالح بريطانيا طوال فترة الحرب، {وفقاً لما يقوله مديرها العام الإنكليزي المولِّد والنشأة والولاء} تعَّد من مهام قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي في تلك المرحلة التاريخية، الذين ينبغي لهم محاربة ((المخربين))، وهي نفس مضمون المواقف السياسية التي يجري اِتخاذها اليوم من جرائم المعتدي الأمريكي على الدولة العراقية، وعلى حياة الشعب العراقي، ويُنفذ برنامجها السياسي بهمةٍ ونشاط وحمية، فهل ترتضي القاعدة الحزبية الوطنية العراقية بتكرار قيادته لأخطاء الماضي في حاضر اليوم بذرائع الدكتاتورية، أم إنَّ حُجُب التضليل السياسي والفكري أسمك من الرؤية الماركسية اللينينية للمفاهيم الوطنية والتقدمية!؟.

وبهذا الصدد أيضاً يكتب مؤلِّف غير صاحب الكتاب الموسوعي ((العراق))، المطبوع عربياً بأجزائه الثلاث أي غير السيد حنّا بطاطو... يكتب التالي :

((موقف آخر سجَّله الحزب الشيوعي على نفسه في هذا السياق، فقد أيد حركة رشيد عالي الكيلاني في مايس 1941 م، وبعد إنتهاء الحركة، راح الحزب يؤيد الإنكليز الذين قمعوا الحركة، وأخذ الشيوعيون يعملون بجهد لتأييد جبهة الحلفاء بإعتبارهم تضم الإتحاد السوفياتي وتحارب النازية، واِعتبروها جبهة ديمقراطية ضد الفاشية، وراحت صحافتهم تدعوا لتأييد هذه الجبهة.

وأتذكر بهذا الخصوص، إنّ عبد الله مسعود القريني عضو المكتب السياسي للحزب، كتب مقالاً في تلك الفترة بعنوان (تشرتشل العظيم) {وزير المستعمرات سابقاً، والذي اِقترح ضرب الفلاحين العراقيين بالغازات السّامة، أيام ثورة العشرين التحررية، باِعتبارهم أُناساً متخلفين، ورئيس الحكومة البريطانية إبّان الحرب العالمية الثانية} وهو تبنٍ كبير للسياسة الإنكليزية، وقد أثارت هذه المواقف المتناقضة المرحوم السيد جعفر أبو التمَّن الذي اِنتقد بشِّدة مواقف الشيوعيين في حديث له مع عبد الله مسعود حيث قال : ((من موقفكم ذلك الأهوج ـ يقصد تأييد الشيوعيين لحركة مايس 1941 م بدون تحفظ ـ إلى موقفكم هذا الأعوج ـ يقصد تأييدهم للحلفاء الغربيين ـ كتبتُ لكم في نفسي صحيفة سوداء، وخاصّة أنت يا عبد الله)).

ويقول المؤلِف حسن شبَّر الذي كان يشغل موقعاً قيادياً في حزب الدعوة العراقي، قبل توزع هذا الحزب على أحزاب وشظايا تنظيمية عدة... يقول : ((أنَّ مسعود قد روى لي هذه الحادثة)).

يتبع

شبكة البصرة

الخميس 4 شعبان 1434 / 13 حزيران 2013

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط