بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ذكريات الهزيمة المرة... والسؤال الذي ما زال معلقا

شبكة البصرة

السيد زهره

تمر هذه الايام ذكرى اكثر الايام مرارة وايلاما في تاريخنا المعاصر.. الخامس من يونيو وهزيمتنا الثقيلة.

اظن ان كل الذين عاصروا تلك الايام السوداء من يونيو 67 في مصر وكل الدول العربية، لديهم ذكريات مريرة اشد ما تكون المرارة والالم، لن تبرح ذاكرتهم ولا وجدانهم مهما مرت السنين.

اقول هذا لأنه على الرغم من انني كنت في تلك الايام طفلا في المرحلة الابتدائية، فانني ما زلت اتذكر تفاصيل ما جرى في تلك الايام ومرارتها وكأنها حدثت بالامس فقط. وما زلت حتى هذه اللحظة كلما تذكرت ما جرى اشعرر بغصة ف يالحلق وبحزن اسود يلف النفس والروح يرفض ان ينزاح.

اذكر كيف كان الكل في قريتنا طوال ذلك اليوم الخامس من يونيو، متسمرين بسعادة غامرة بجوار اجهزة الراديو لمتابعة الاخبار. لم يكن التنلفزين قد دخل القرية بعد. اما سبب السعادة، فذلك ان الراديو كان يذيع كل بضع دقائق اخبارا عظيمة تتعلق بأعداد طائرات العدو الاسرائيلي التي تسقط. وما زلت اذكر بالذات الرقم 84 لعدد طائرات العدو التي سقطت، وكيف انفجر الكل في الهتاف والتهليل فرحا.

ما زلت اذكر جيدا انه طوال يوم 5 يونيو واليوم التالي، كان امر واحد فقط يشغل بال الكل، هو.. متى سندخل تل ابيب؟.

كان الكل في انتظار ان يذيع الراديو هذا الخبر بالذات.. خبر دخول قواتنا الى تل ابيب. لم يكن سبب هذا هو الانتصارات التي يزفها الراديو فقط، لكن لأنه قبل الحرب، كان قد ترسخ في يقين الكل انه حين تندلع الحرب، فالنصر فيها حتمي، وسقوط تل ابيب حتمي.

ما زلت اذكر انه حتى يوم 8 يونيو، لم يكن احد يعرف ما حدث فعلا. لم يكن يخطر ببال احد ابدا حقيقة ما حدث.

لم يكن هناك مصدر للأخبار الا الاعلام الرسمي وبالأخص الراديو على اعتبار انه الذي ينقل الاخبار على مدار اليوم.

اذكر جيدا في تلك الايام ان البعض كانوا يقولون انهم سمعوا في اذاعة البي بي سي اخبارا سيئة، واننا هزمنا، وان طائراتنا تم تدميرها كلها. لكن احدا لم يكن على استعداد لأن يصدق ما تقوله هذه الاذاعة المعادية.

حتى عندما عرف الناس الحقيقة المرة والهزيمة الثقيلة، لم يقل الراديو هذا صراحة. قال فقط ان قواتنا انسحبت الى شرق قناة السويس، وان عبدالناصر قبل وقف اطلاق النار. كان هذا كافيا كي يدرك الكل الكارثة المروعة.

منذ تلك اللحظة التي سمع فيها الناس هذا الكلام، تحولت البيوت الى مآتم بمعنى الكلمة. في بيتنا مثلا، لم نكن نكف عن البكاء، فقد كان اخي الكبير مشاركا في الحرب في سيناء ولا نعرف طبعا ما جرى له. وقد عاد بعد اسابيع في حالة يرثى لها.

بالنسبة لي، فان مشهدا آخر من مشاهد الهزيمة لا يبرح وعيي وذاكرتي ابدا،وقد سبق وكتبت عنه منذ سنوات طويلة.

قريتنا تقع على الطريق بين مدن القناة والقاهرة. بعد الهزيمة بايام، كانت طوابير من العربات العسكرية تحمل الجنود العائدين تمر بالطريق. لا يمكن ان انسى نظرة الانكسار والحزن على وجوه الجنود. ولا يمكن ان انسى كيف كان اهل القرية يتسابقون كي يقدموا للجنود الماء والطعام. ولا يمكن ان انسى كيف كنا نصطف نحن تلاميذ المدارس على الطريق لنحيي الجنود، وكيف كنا نجمع افرع شجر واوراقا خضراء ونلقيها عليهم. ولا اعرف ما الذي اوحى لنا بذلك. كان ما حدث في قريتنا هو احد تجليات عظمة الشعب المصري واصراره على الصمود.

الهزيمة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية وضياع للأرض. الهزيمة تركت شرخا وجرحا غائرا في النفس والروح، وتركت آثارا مدمرة ما زلنا ندفع ثمنها حتى يوما هذا.

ولهذا، صحيح اننا تجاوزنا الهزيمة عسكريا، ورددنا الاعتبار لأنفسنا وجيشنا بانتصار اكتوبر 73 العظيم، لكننا لم نمح الهزيمة ولم نتجاوز آثارها. والذين يقولون مثلا ان ما تعاني منه مصراليوم في ظل حكم الاخوان المسلمين وايامهم السوداء، هو في جانب اساسي منه نتاج للهزيمة، لا شك محقون. وهذا موضوع يطول الحديث فيه.

الأمر الغريب انه رغم مرور هذه السنين بعد الهزيمة، فان سؤالا ما زال معلقا لا نعرف الاجابة عنه.. لماذا وقعت الهزيمة؟.. ماذا كانت اسبابها بالضبط؟

صحيح.. كتب الكثير عن هذه الاسباب. عبدالناصر مثلا اعترف في خطاب التنحي الشهير بمسئوليته الشخصية. وهو بالطبع المسئول الأول. وكتب الكثير عن المؤامرة الغربية على نظام عبدالناصر. كما قيل الكثير عن فشل قيادة الجيش المصري. وهذا كله صحيح بهذا القدر او اذاك. لكن حتى الآن، لا نعرف اجابة لأسئلة حاسمة كثيرة، من قبيل، ما هي بالضبط الثغرات واوجه القصور في بنية نظام عبدالناصر التي قادت الى الهزيمة؟.. ما هي على وجه التحديد التفاصيل والوقائع التي ارتبطت بسوء التقدير السياسي والعملي؟.. لماذا بالضبط لم تدرك القيادة السياسية حقيقة ميزان القوى العسكري والثغرات الموجودة؟.. عشرات الاسئلة ما زالت معلقة من دون اجابة.

الذي حدث انه لم يتم في أي وقت تشكيل لجنة تحقيق جادة في اسباب الهزيمة وخلفياتها بالضبط.

وما زلنا بحاجة الى معرفة اجوبة لأسئلة الهزيمة المعلقة. الامر لا يتعلق هنا بحدث تاريخي مضى وانتهى امره، وانما يتعلق بكارثة تاريخية ما زلنا نعاني من نتائجها وتبعاتها، ويتعلق باسباب للهزيمة لا بد ان نعرفها اذا كان لنا ان نرشد مسيرة أي نظام سياسي مستقبلا.

هذه مسئولية المؤرخين وعلماء السياسة الذين يجب الا يغلقوا هذا الملف، بل ان يسعوا الى بحث وتدقيق كل جوانبه واسراره.

شبكة البصرة

الجمعة 28 رجب 1434 / 7 حزيران 2013

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط