بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المستنتج من ما كتب عن تاريخ الرفيق الشهيد المجاهد طارق عزيز السياسي (5)؛

شبكة البصرة

أبو علي الياسري
العراق المحتل بالإمبراطورية الفارسية/النجف الاشرف

في هذه الحلقة سيكون المستنتج من حلقتنا هذه ما نشرته شبكة (البصرة) في (5 حزيران 2015) لرئيس تحرير مجلة (الصوت العربي الحر) الأستاذ الفاضل (إبراهيم علوش مع الأستاذ طارق عزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء، عضو مجلس قيادة الثورة، وسابقا وزير الخارجية في مبنى رئاسة الوزراء في بغداد يوم 29 أيلول/سبتمبر 2002، والذي غطى محاور متنوعة وكما يلي :

 

س/62: الصوت العربيّ الحرّ: الأستاذ طارق عزيز، قرار إعادة المفتشين كان قراراً لا ينسجم مع مصلحة العراق ومصلحة العرب، بمعنى أنّه كان من الواضح أنّ المفتشين منهم من اعترف أنه عميل، وكان يتآمر مع الصهاينة والأمريكيين، وهناك أرشيف صحفي في هذا المجال. كما أنّ العراق كان يطلب أن تُربط عودة المفتشين برفع الحصار وبتسوية ما [لكل وضع] أسلحة الدمار الشامل في المنطقة. بالرغم من ذلك، وجدناكم قد وافقتم على قرار عودة المفتشين.طبعا هذا حدث بعد أيام معدودة من تغيير بعض الدول العربيّة لموقفها وقولها أنها مستعدة أن تشارك بالعدوان لأن "ليس لديها خيار آخر" أو ما شابه. هل تعتقدون أنّ قبولكم بالقرار سيؤدي إلى لجم العدوان أو أن هكذا قرار سيؤدّي إلى عدم اعتداء الولايات المتحدة وبريطانيا والصهاينة على العراق؟ أم أنه تأجيل للعدوان وكسب للوقت وكشف للأوراق أكثر، حتى بالنسبة للذين يدّعون أنّ العراق كان لديه أسلحة دمار شامل؟.

طارق عزيز: نحن ليس لدينا أوهام حول نوايا الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، كحركة عالمية وككيان في الأرض المحتلة. ليس لدينا أوهام. ولكن، في أيّ معركة تخوضها، لا بدّ أن تتخذ الخطوات التي تقلل من عدد الأعداء أولاً، وتساعدك على أن تكسب أصدقاء. نحن حللنا الموقف تحليلا عميقا.التأييد للعدوان الأمريكي في العالم وفي المنطقة محدود جداً. ليس هنالك طرف عربيّ أو أجنبيّ، عدا الكيان الصهيوني، وعدا الحكومة البريطانية، مشخّصة في بلير ومجموعته، [عدا هؤلاء] لا أحد يريد هذا العمل العدوانيّ العسكريّ على العراق. الكل يخشون النتائج التي سيترتب عليه.

 

س/63: الصوت العربيّ الحرّ: خاصة وأنهم يطرحون علنا مسألة إعادة رسم خرائط المنطقة.

ج: طارق عزيز: نعم، بالضبط. لذلك، نحن قلنا أننا إذا اتخذنا هذه الخطوة، فإننا سنقوّي موقف الذين لا يريدون العدوان، ويجعلنا في وضع سياسيّ مريح...مريح. إننا نتخلص من الضغوط، لأنّ الضغوط بدأت تأتينا من كل حدب وصوب: "يا إخوان، أرجوكم، تحمّلوا عودة المفتشين حتى تتجنبوا الحرب". نحن نعرف أنّ هذا القرار قد لا يوقف الحرب أو يوقف العدوان. نعرف ذلك. ومع ذلك أخذنا هذا القرار. ولكن الآن نستطيع أن نقول أنه في حالة حصول العدوان، سيكون الموقف السياسي المعادي للعدوان أقوى مما لو حصل دون اتخاذنا قراراً كهذا.هناك ضعفاء بسهولة يلقون اللوم على العراق. يقولون: "العراق متعصّب... العراق متشدد... لا يسمع النصيحة... الخ...". وهذا الموقف يأتيهم ذريعة للتنصل من واجباتهم، سواء كانوا عرباً أم أجانب. نحن لدينا أصدقاء أجانب من المفترض أن يتحملوا مسؤولياتهم، القانونية أولاً، وفق القانون الدوليّ، ويتحملوا مسؤولياتهم إزاء بلد كان صديقاً لهم، مثل روسيا. فيأتي الضعيف في روسيا ويقول: "نحن نصحنا العراقيين ولكنهم كانوا معاندين. لم يتصرفوا بالحكمة المطلوبة، وبالتالي، نسكت عن العدوان". هذه خسارة، أما العدوان فمن المحتمل أن يقع. وإذا لم يقع، فلصمود العراق أولاً، لشعور المعتدي بأنّ مغامرته ستكون باهظة التكاليف. وأنا أقول لك، تحليلي الشخصي أنّ العدوان مقرّر منذ زمن، ولكنّهم يؤجلون ساعة الصفر، إذا صحّ التعبير، لأنهم كلما تعمّقوا في دراسة الحالة العراقية، كلما وجدوا مصاعب أكثر أمامهم، ويحاولون أن يعالجوا هذه المصاعب، ولكنّهم لا يحققون نجاحاً.سأعطيك مثالا جوهرياً: جورج بوش ربط العدوان على العراق بتغيير النظام. ولكنهم، عندما يبحثون عن كيفية تغيير النظام، يكتشفون أنّ هذا الهدف إما مستحيل، أو على أقل تقدير باهظ التكاليف، ومعقّد جداً وغير مقنع لمن يشترك معهم. حتى البريطانيين، وأنا لا أقتنع بما يقولونه، ولكنهم يقولون أننا استطعنا الآن أن نقنع بوش بأنّ العمل العسكريّ ضدّ العراق يجب أن لا يكون شعاره تغيير النظام. وهذا يأتي، باعتقادي وتصوّري، لأنّ البريطانيين أكثر معرفة بالوقائع والحقائق من هذه الإدارة الغبية في أمريكا. هي عدوانية، ولكنها في الوقت نفسه هي إدارة غبية، ولا تعرف الحقائق، سواء في العراق أو في الوطن العربيّ.هذه هي الأسباب التي جعلتنا نأخذ هذا القرار. في الوقت نفسه، نحن سنسعى لأن نوضّح موقفنا يوميا للعالم. عندما سيأتي المفتشون، سيقومون بأنشطة، ربما سيقومون بأنشطة سيئة...

 

س/64: الصوت العربيّ الحرّ: هذا أكيد...

ج: طارق عزيز: لكننا سنفضحها. ليس بمذكرات إلى مجلس الأمن، كما كنا نفعل في السابق، وإنما سنكشفها أما الرأي العام العربيّ والدوليّ. وهناك الكثير الآن من المهتمين الذين سيراقبون الموقف بشكل دقيق جداً.

 

س/65: الصوت العربيّ الحرّ: لكن أستاذ طارق، أريد أن أقول لك شيئين من المؤكد أنّك تعرفهما، ولكنّي أحب أن أسمع تعليقك عليهما. أولاً، هناك قانون صادر عن الكونغرس الأمريكي عام 1998 ينصّ حرفيا، وهذا الكلام في 1998، على ضرورة تغيير النظام واتخاذ الإجراءات المالية والتنظيمية اللازمة للقيام بذلك. ثمّ هناك الورقة التي صدرت عام 1996 بعنوان Clean Break التي تتحدث عن الأمر نفسه. أعتقد أنّ المصالح الإستراتيجية للإمبريالية والصهيونية في هذه المرحلة، أصبحت تقتضي تفكيك هذه المنطقة، وهم يقولون ذلك علناً، فلم يعد هذا مجرد تحليل..

ج: طارق عزيز: بالضبط...

 

س/66: الصوت العربي الحر: إذن، هل تعتقد أنّ هذه الإجراءات [عودة المفتشين] حتى لو أجّلت العدوان، في النهاية، ستنهي الصدام مع الإمبريالية؟.

طارق عزيز: لا، أنا قلت لك، نحن ليس لدينا أوهام. ولكن في أي معركة تخوضها يمكن أن تقدّم بعض التنازلات غير الجوهرية من أجل كسب موقف سياسيّ. عودة المفتشين إلى العراق لن تزعزع نظامنا. لن تؤدي إلى تخلينا عن كل الاستعدادات اللازمة لمواجهة العدوان عندما يقع. ولكنها ستعطينا فرصة سياسية أفضل من الوضع الذي كنا عليه قبل اتخاذنا هذا القرار.

نحن ليس لدينا أوهام، وأنا تحدثت في الندوة* أنّ الهدف [الأمريكي في المنطقة] هو سايكس- بيكو جديد، بدءاً في العراق، وانتهاء بدول أخرى، ومنها الأردنّ، ومنها السعودية، ودول أخرى في المنطقة. والمعادلة، حتى مع سايكس- بيكو [القديم]، التي اشتغلت لمصلحة الكيان الصهيونيّ والإمبريالية على مدى القرن الماضي، لم تعد اليوم تشتغل لمصلحة الهدف الإمبرياليّ والوجود الصهيونيّ في فلسطين. لقد أصبحت تشكل نوعا من الخطر، رغم ضعف الأنظمة المحيطة ب "إسرائيل" والأنظمة التي عقدت اتفاقيات مع "إسرائيل". رغم حالة الضعف فيها، هذه الحالة أصبحت تشكّل خطراً. فاليوم مثلاً، عدد العرب الذين يحملون شهادات عليا أكثر من عدد سكان "إسرائيل"، ولا يحمل كل سكان "إسرائيل" شهادات عليا.

هذا تحوّل نوعيّ. صمود العراق وصمود المقاومة الفلسطينية، الانتفاضة الفلسطينية، خلق تحوّلاً نوعياً سياسياً ونفسياً لم يكن موجوداً في السابق. الآن، المواطن العربيّ يثق ثقة عميقة بأنّ مقاومة الإمبريالية والصهيونية ممكنة، وأنها لن تؤدي إلى فنائه.

نعم، هناك تضحيات وشهداء، ولكنّ هذا لن يؤدي إلى فناء الأمة. في عام 1990/1991، كان كثيرون يتصوّرون أنّ أمريكا عندما تقوم بالعدوان على العراق أنّ العراق سيفنى، ولن يبقى عراق على وجه الكرة الأرضية. صمود العراق أثبت أنه ستكون هناك تضحيات وخسائر، ولكنّ بإمكان العراق كبلد وكشعب وكقيادة أن يبقى.

 

س/67: الصوت العربيّ الحر: ما دمنا متفقين على مبدأ أنّ الإمبريالية والصهيونية لها مصالح استراتيجية تقتضي القيام بالعدوان، بغضّ النظر عن التوقيت، فإنّ هذا يطرح مسألة استعداد العراق للضربة. ما أريد أن أقوله هو أنّ خوض مواجهة تقليدية مع قوى متفوقة تكنولوجياً ونووياً وعسكرياً قد لا يمثل الطريقة الأنسب لخوض مواجهة في هذه الحالة. يعني، هناك من يشير إلى تجربة جنوب لبنان ومخيم جنين مؤخراً، وغيرها، للتأكيد على مبدأ أنّ خوض المعارك مع قوة متفوقة تقليدياً يكون باستخدام وسائل غير تقليدية، مثل حرب العصابات والعمليات الاستشهادية. فما هو تعليقك على ذلك؟.

ج: طارق عزيز: نحن سنقاتل داخل بلادنا. ولن نقاتل المعتدين في الأرض المكشوفة. أحدهم قال إنّ الفيتناميين كان لديهم غابات، فقلت نحن لدينا مدن، ومدننا هي الغابات.

 

س/68: الصوت العربيّ الحرّ: غابات إسمنتية Jungles of Concrete؟!.

ج: طارق عزيز: تمام! ونحن أعلنا هذا. حتى السيد الرئيس صدام حسين قال نحن سنقاتلهم في المدن. هم هدفهم تغيير النظام. لا يستطيعون أن يغيّروا النظام بالرموت كونترول، بالصواريخ والطائرات. نعم يستطيعون أن يوقعوا خسائر في الأبنية والمنشآت، ولكن، لا يستطيعون أن يزعزعوا النظام بالطائرات والصواريخ.

إذن، لا بدّ، إذا أرادوا فعلاً أن يحققوا هدفهم، وهدفهم الكامل هو تقسيم المنطقة والسيطرة على النفط، لا بدّ أن يحتلّوا الأرض. عند ذلك، ستبرز نقاط القوة عندنا، ونقاط الضعف عندهم.

 

س/69: الصوت العربيّ الحرّ: سؤال يطرحه عدد من المؤيّدين للعراق خارج العراق يتعلّق بموضوع الديمقراطية. طبعاً، نحن ندرك أنّ الولايات المتحدة تستخدم خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية كحجة للتدخل سياسياً وعسكرياً في أماكن مختلفة من العالم، وليس فقط في العراق. ولكن، بين القوى الموجودة خارج العراق، من العراقيين، نجد أنّ هناك نوعين: هنا النوع المتعاون مع ال CIAوغيره، وهذا النوع لا يطلب أحد عاقل من العراق أن يتعاون معه، ولا أعتقد شخصياً أنّ الخيانة هي مجرّد وجهة نظر، وهذا رأي الكثيرين، من يضع يده في يد الCIA كائناً من كان، ليس صاحب وجهة نظر، بل خائن. ولكن، هناك بالمقابل بعض القوى الموجودة في سوريا، على سبيل المثال، من العراقيين، وأماكن أخرى... يعني نلتقي مع بعض العراقيين الذين يقولون ويعتبرون أنهم أيضا ضدّ الإمبريالية وضدّ المخططات الأمريكية على العراق، ولكنّ علاقتهم مع النظام في العراق ليست علاقة جيدة. ألا تعتقدون أنّ مثل هذه القوى يجب أن تُعطى فرصة للمشاركة في صدّ العدوان على قاعدة العداء للأمريكان؟ وليس مطروحاً هنا بالطبع الفهم الليبرالي للمسألة. وألا تعتقدون أنّ المطلوب هو القيام بمبادرات باتجاه هذه المجموعات، مثل المبادرات التي تمت باتجاه قوى معادية للعراق سابقاً، مثل الأنظمة في السعودية والكويت التي خاضت عملياً عدواناً ضدّ العراق؟ [السؤال يدور حول] مسألة تماسك الجبهة الداخلية على قاعدة العداء للأمريكان: هل تفكّرون بهذا الاتجاه؟ أو هل تفكّر القيادة العراقية بهذا الاتجاه؟.

ج: طارق عزيز: منذ عام 1991 وحتى اليوم، كنا مستعدين للحوار مع أي شخص أو أية مجموعة تريد أن تتحاور معنا. أنا شخصياً أجريت حوارات مطولة مع شخصيات ماركسية وقومية وإسلامية. هنالك مشكلة لا بدّ أن أتحدّث عنها بصراحة. عندما يتحدّث معك أحد هؤلاء، إذا أراد أن يأتي إلى العراق، أو أن يعود إليه ويعمل مع العراق ومع بقية العراقيين، من موقعه هو وبحجمه هو، فالباب مفتوح له، ولا نجبره على أن يكون بعثياً وأن يتطابق معنا مائة بالمائة. ولكن، لأسباب أغلبها ذاتية، يأتيك شخص معارض، وطنيّ، لا شكّ في ذلك، ومعه مجموعة من الأشخاص، ويطلب توازنا في القوى هو لا يملكه. ولكن، عندما يأتي ويطلب أن يكون شريكاً للحزب في صنع القرار، وهو لا يملك قدرات التنفيذ وتحمل المسؤولية نفسها التي يملكها الحزب، يكون هذا طبعاً طلباً غير عقلانيّ. يعني، الآن مثلاً عندما نأخذ قراراً بمقاومة الإمبريالية، نستطيع أن نضع مليون مقاتل بعثيّ في الساحة، هو يستطيع أن يضع عشرين نفراً أو خمسين أو مائة أو ألفاً. ولكنّه يريد بذلك أن يأخذ سلطات صدّام حسين نفسها، وهو باني بلد وثورة ومجتمع وحزب. هذه مغالاة سياسية ذات طبيعة نرجسية. هذه هي الإشكالية.

 

س/70: الصوت العربيّ الحرّ: يعني هم يضعون ذلك كشرط للعودة والتعاون؟

ج: طارق عزيز: كلا، يوجد قسم لا يضع شروطاً، وهؤلاء عادوا واشتغلوا في البلد، كل واحد حسب موقعه، في الجامعة، في الصحافة، في الفن.

 

س/71: الصوت العربيّ الحرّ: ولكن لا يوجد عندكم إشكال من حيث المبدأ، رسمياً؟.

ج: طارق عزيز: لا، ليس لدينا إشكال، فنحن لا نخاف من شيء. نحن الآن كحزب، فلنفترض أنّ نظامنا تحوّل إلى نظام ليبراليّ. طبعاً، هذا مجرّد افتراض. لو دخلنا الانتخابات، فنحن واثقين بأننا سنحصل على أكثر من ثلثي المقاعد في البرلمان. ليس لدينا إشكال، فحزبنا حزب كبير، صار له 34 سنة في السلطة، وقد خدم العراق. والعراقيون الذين أعمارهم من خمسين فما فوق، يعرفون ماذا فعل حزب البعث في العراق، وكيف كان وضع العراق المعاشيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والصناعيّ والزراعيّ في عام 1968، وكيف هو اليوم. هذا إنجاز الثورة. لذلك المواطن في القرية وفي الحيّ، سيختار البعثيّ الذي يترشّح لتمثيله.

س/72: الصوت العربيّ الحرّ: لكن، هل لديكم مشاريع بهذا الاتجاه في المستقبل؟.

ج:طارق عزيز: نعم، هذا ممكن. أيضاً، الديمقراطية يجب أن تنمو نمواً تدريجيا، ولكن شرطها أن تنمو في ظروف سلمية.

يتبع رجاءا..

شبكة البصرة

الاربعاء 30 شعبان 1436 / 17 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط