بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المستنتج من ما كتب عن تاريخ الرفيق الشهيد المجاهد طارق عزيز السياسي (6)

شبكة البصرة

أبو علي الياسري
العراق المحتل بالإمبراطورية الفارسية/النجف الاشرف

س/73: الصوت العربيّ الحرّ: نعم، يذكر هنا أنّ أمريكا نفسها في ظروف الحرب...

ج: طارق عزيز: خلينا نشوف أمريكا: لم تقع عليها حرب، بل وقعت أحداث 11 أيلول، فخلقت جواً من التخويف والهاجس الأمني، بحيث قلّصت كل الحريات التي كانت تتفاخر بها على العالم. في كل الحروب... في الحرب العالمية الثانية، حزب العمال والمحافظين في بريطانيا شكّلوا حكومة واحدة بعد أن أبعدوا كل خلافاتهم الاجتماعية والسياسية والطبقية وغيرها، في سبيل مواجهة الحرب مع ألمانيا النازية.

هذه حقائق ذهبية في العالم. أما أن يأتي أحدهم في ظرف نحن نواجه فيه عدواناً محتملاً، ليطالبنا بصيغ وتطبيقات ليبرالية، فإنّ هذا غير ممكن.

ولكنّ، هناك حقيقة، عندما يسمون النظام في العراق بأنّه نظام ديكتاتوريّ أو فاشيّ أو نازيّ، نحن نعرف أنّ الحزب النازيّ فاز بالانتخابات في ألمانيا، أي أنه كان هناك حرية للأحزاب، ولما استلم السلطة، ألغى الأحزاب الأخرى وبقي وحده يحكم ألمانيا. هذا هو الديكتاتور. يعني، جاء في نظام ديمقراطي، وفي صيغ ديمقراطية، ثمّ ألغى الديمقراطية. أوغستو بينوشيه جاء بانقلاب عسكريّ على نظام ديمقراطيّ منتخب من الشعب.

حسن، النظام العراقيّ خلف لمن؟ النظام العراقيّ الذي [يمثله] حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ والرئيس صدام حسين، جاء بعد نظام الرئيس عبد الرحمن محمد عارف.

الرئيس عبد الرحمن محمد عارف كان هو وعشرة من الضباط يحكمون البلد فقط، ثم جاء حزب البعث، أولاً هو حزب وليس عشرة أشخاص، ولديه عقيدة وبرنامج. ثانياً، إذا حسبت عدد الذين يساهمون في صناعة القرار السياسيّ، سواء من الحزب أو النقابات أو الاتحادات أو من المجلس الوطنيّ ومجالس الشعب في القرية أو المدينة، ستجد أنّ عدد الذين يساهمون في القرار السياسيّ أصبحوا ملايين. هذا تطور ديمقراطيّ. نعم، هو ليس تطوراً ليبرالياً متكاملاً، ولكنه تطور ديمقراطيّ. وهذا يمكن أن يستمر أكثر. في النقابات مثلاً، الحزب لا يقدّم قائمة باسم الحزب، مع أنه يستطيع أن يفرض قائمة. ففي نقابة المحامين أو الأطباء مثلاً، لدينا أغلبية بعثيّة، فلو نزلت قائمة فقط من البعثيين لفازت بالأغلبية، ولكننا لا ننزل قائمة. يترشحون كأفراد فقط حتى نعطي مجالاً للمستقلّ أيضا أن يفوز لكفاءته الشخصية. وهذا تطور...

 

س/73: الصوت العربيّ الحرّ: حتى النموذج الليبراليّ ليس بالضرورة النموذج الأكثر ديمقراطية في العالم...

ج: طارق عزيز: النموذج الليبراليّ ديمقراطيّ فقط في الشكل، ولكن في الواقع من الواضح أنّ الذي لا يمتلك المال ولا يسيطر على وسائل الإعلام التي يأتي بها المال، لا يفوز، ولو كان من أكثر الناس كفاءة وإخلاصا.

 

س/74: الصوت العربيّ الحرّ: وبالتالي، نحن نتحدّث عن ديمقراطية حقيقية...

س/75: الصوت العربيّ الحرّ: موضوع آخر يتعلّق بالوضع الفلسطينيّ. يُروّج في بعض الأوساط بأنّ ما حدث لأبي نضال كان محاولة من العراق أن يتخلّص من آثار أو أشياء يمكن أن تدينه. طبعاً، أنا أعرف، كما تعرف أنت، أنّ أبا نضال شخص قتل الكثير من الفلسطينيين، ومئات من جماعته، وأنه شخص قام بجرائم كبيرة بحق الشعب الفلسطينيّ وضد أفراد إما أن يكون قد اختلف معهم بالرأي، أو ضد أفراد وطنيين وثوريين. ولكن بالرغم من ذلك، ما هو ردك على الادعاءات هذه؟

ج: طارق عزيز: ردّي أولاً أنه لم يكن هناك تركيز من قِبَل القوى التي تهدد العراق على شخص أبي نضال. أنت تعرف. التركيز الآن هو على المناضلين في فلسطين. أبو نضال كان في وقت من الأوقات اسمه يتردد كناشط في الحركة الفلسطينية، ولكن انتهى أبو نضال، وفي عملية الصراع العربيّ- الصهيونيّ، لم يعد له دور منذ أكثر من عشرين عام. إذاً، هو لم يكن قضية، ولم يكن هناك طلباً من أمريكا يقول: إما أن تسلّموا أبا نضال أو أن نضربكم. كلا. لم يكن هذا هو الوضع. أبو نضال أبعد من العراق عام 1983، بقرار من القيادة، لأنه بدأ يشتط، ونحن واجهناه. وأنا من الذين واجهوه. قلت له: أنت الآن تقتل من تكرهه، حتى ولو كان وطنياً، وحتى ولو كان فلسطينيا.

 

س/76: الصوت العربيّ الحرّ: وكان ردّه على ذلك أنه اتهمك شخصياً ببعض القضايا.

ج: طارق عزيز: اتهمني أنا شخصيا، وأنا واجهته، بتوجيه من القيادة، بالحقائق. نحن ساندنا كل القوى الفلسطينية، ولا نزال نساندها. ولكن كنا دائما ننصحها ونصرّ على المحافظة على وحدة الشعب الفلسطينيّ وعلى وحدة المنظمات الفلسطينية. لم نشجع انشقاق واحد في أيّ حركة فلسطينية. أما أن تقتل أفراداً، لمجرّد أنك غاضب منهم ومختلف شخصياً معهم، هذا ما لا نرضه. الشيء الآخر هو أننا كنا في حالة حرب مع إيران. أبو نضال قام بعمليات في بلدان كانت صديقة لنا أثناء الحرب. وهذا خرق لمنطق الأخوّة والعمل المشترك ودون مسوّغ. فعندما يقوم بعملية في فرنسا، فرنسا ليست عدوة له حتى يقوم بعملية في فرنسا تصيب فرنسيين ولا تصيب الموساد. لذلك قلنا له: "يكفي، أخرج". رجع بشكل متخفّي. نحن فوجئنا بوجوده. المخابرات الأردنية قالت لنا أنّ أبا نضال موجود في العراق، فقلنا لهم أنّ هذا غير صحيح. ثمّ تبيّن أنه جاء إلى العراق بجواز سفر مزوّر واختفى. لم نقم بشيء. عرفنا أنه موجود وقلنا له أهلاً وسهلاً كمواطن عربيّ أتيت للعيش هنا، فابقى في بيتك ولا تقم بأي نشاط يخلّ بأمن وسياسة البلد. ولكنه لا يستطيع. فقد أصبح لديه هوس obsession بالعمل الضار. يعني وُجِدت في بيته كمية من المتفجرات وأجهزة وغيره، فلمن كل هذه المتفجرات؟ وضدّ من؟ إذا كنت تريد أن تقاتل الكيان الصهيونيّ، تفضل، هذه فلسطين مفتوحة، اذهب وقاتل فيها. فإذن، صار سلوكه مهدداً للأمن الوطني والقومي دون أي غاية. الكفاح ليس نظرية تشبه [نظرية] الفن للفن. الكفاح هو سياق لتحقيق هدف. إذا كان العمل المسلّح والقتل والاغتيالات ليس لها هدف، فهذا عبث. لذلك، عندما لم يلتزم بتوجيهات وتعليمات الأجهزة المختصّة، واستمرّ بتصرّفات هوجاء، قررنا إحالته إلى المحاكمة، فانتحر. هذا هو ما حصل. والإمبريالية لم تشكرنا "لأننا خلصنا من أبي نضال"، لأنه لم يكن يهددهم أصلاً.

 

س/77: الصوت العربيّ الحرّ: طبعاً موقفكم واضح، وموقف حزب البعث واضح في حقّ دولة العدو بالوجود، وأنا أقرأ لك شخصياً تصريحات يرى المرء فيها وضوح موقفكم من كل الاتفاقات السياسية والتنسيق الأمنيّ مع العدو الصهيونيّ. بالرغم من ذلك، وعلى خلفية هذا الموقف السياسيّ، كيف يترجم هذا إلى دعم سياسيّ للسلطة الفلسطينية؟ الجميع يقدّر موقف العراق في فلسطين على مستوى شعبي كما في حالة مساعدة عائلات الاستشهاديين، ولكن على مستوى سياسيّ، كيف نوازن بين رفض التسوية [وبين] التنسيق مع قوى تسووية؟ ألا يحتاج هذا إلى تفسير؟

ج: طارق عزيز: هنا، لا بدّ أن نكون دقيقين، وأن نتعامل مع هذا الموضوع بالريشة الدقيقة، وليس بالقلم العريض. نحن لم نعترف بالسلطة الفلسطينية رسمياً، ولم نتعامل معها كسلطة، ولكن نحن أبقينا صلاتنا مع ياسر عرفات بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس دولة فلسطين المعلنة في الجزائر، وكزعيم لحركة فتح فقط. أيّ وزير في السلطة الفلسطينية استقبلناه، اعتبرناه ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس للسلطة. هذا من ناحية الشكل. من ناحية الموضوع، نحن لم نقدّم أيّ دعم للسلطة الفلسطينية، ولكنا استمرينا بدعم المؤسسات الفلسطينية، وهي ليست رسمية تماماً. في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى المساعدات التي قدّمناها إلى الشعب الفلسطينيّ مباشرة والمعروفة، صارت هناك حاجة ماسة [للمساعدات] من قِبَل بعض أطراف السلطة. قالوا لنا: ليس لدينا رواتب، فأعطيناهم بعض المبالغ. قالوا إنّ لديهم عجزاً كبيراً جداً في ميزانية التعليم، فقدّمنا لهم مساعدة لميزانية التعليم، لحدّ الآن. في مناسبة أخرى، قال وزير الإسكان الفلسطينيّ أننا [العراق] ندفع مبالغ للذين هدّمت بيوتهم، ولكنّ وزارة الإسكان الفلسطينية ستقوم أيضا بإعادة بناء بعض مساكن عدد من الفلسطينيين، فتعاونّا معهم. وهذا هو الأمر.

 

س/78: الصوت العربيّ الحرّ: سؤال أخير فكريّ. سمعتك في افتتاح ندوة "الفكر القوميّ العربيّ بداية قرن ونهاية قرن" في بيت الحكمة في صباح يوم 28/9/2002، واستمتعت بمحاضرتك. ولكنّك أشرت إلى مسألة في محاضرتك تتعلق بالصراع الطبقيّ، بالتحديد انتقدت أولئك الذين حاولوا في الماضي أن يطرحوا الصراع الطبقيّ كبديل لقضية الوحدة والعمل من أجلها. ما أريد أن أسأله [هو]: هل نستطيع أن نفصل فعلاً ما بين الاثنين؟ الإمبريالية عندما أتت إلى وطننا وقسمته وضعت ضمن حدود كيانات سايكس- بيكو، وتعاملت أساساً، مع عائلات إقطاعية. ومن رحم هذه العائلات الإقطاعية، خرج الكمبرادور، وهم الوسطاء الاقتصاديون بين الغرب وبيننا، يصدّرون المواد الخام ويستوردون السلع. ثمّ نشأت لدينا أشكال أخرى من الكمبرادور، مثل الكمبرادور السياسيّ، الذي يسترزق من خلال القيام بدور سياسيّ إقليميّ لمصلحة الإمبريالية. ثمّ هناك الكمبرادور الثقافيّ، الذي يسترزق من خلال القيام بدور ثقافيّ لمصلحة الإمبريالية.وإذا أخذنا الإصلاح الزراعيّ، أو تأميم النفط، على سبيل المثال، لوجدناهما محاولة لاحتواء الشرائح الاجتماعية الداعمة للإمبريالية محلياً، بقدر ما هما حاجة قومية وخطوة وحدوية. فكيف نستطيع أن نفصل ما بين الصراع الطبقيّ والوحدة، إذا كان وجود الإمبريالية في بلادنا يقوم على شرائح اجتماعية مصالحها الاقتصادية ترتبط بالغرب، وتنشر على الهامش دعاية فكرية وسياسية تكسب من خلالها؟ فهل نستطيع أن نفصل ما بين الاثنين؟.

ج: طارق عزيز: أولاً أنا بعثيّ. والبعثيّ هو اشتراكيّ. والاشتراكيّ ينحاز إلى الطبقات الكادحة ضد الطبقات المستغِلة. ولا يكون المرء اشتراكياً إلا إذا كان مؤمنا بذلك. ولكنّ المعركة الحقيقية في الوطن العربيّ، كانت وما تزال هي معركة التحرر الوطنيّ. في معركة التحرر الوطنيّ، ليس الصراع الطبقيّ هو الهدف الأساسيّ. ولكن إذا، في خلال معركة التحرر الوطنيّ ضد الإمبريالية وضد الكيان الصهيونيّ، في خضمّ هذه المعركة، إذا ظهرت فئات أو طبقات متحالفة مع الإمبريالية، نعم نضعها على قائمة الأعداء. لكن، إذا كان هناك تاجر أو أيّ شخص ثريّ أو إقطاعيّ، رغم أنه لم يعد هناك إقطاع في بلادنا، هو ليس عدواً للحركة الوطنية، فإننا لا نعتبره عدواً لمجرد أنه ثريّ.

أنا هنا لا أتبنّى الماركسية بمعناها المطلق، ولكن أتبنّى المفهوم الاشتراكيّ الثوريّ القوميّ. كل من يقف مع الحركة الوطنية الثورية المعادية للإمبريالية والصهيونية، هو حليف.

 

س/79: الصوت العربيّ الحرّ: ولكن، ألا ينتج عن ذلك أنّ الشرائح الاجتماعية التي تشعر أنّ مصالحها مهددة من هذه الاشتراكية ستقف ضدها؟.

ج: طارق عزيز: إذا وقفت ضدها نقاتلها. أنا لا أتحدّث عن شريحة بالمعنى الطبقيّ، بل عن أفراد، أيّ فرد يمكن أن يكون غنياً ولكن وطنياً مخلصاً [في الوقت نفسه].

 

س/80: الصوت العربيّ الحرّ: هذه قضية أخرى بالتأكيد...

ج: طارق عزيز: الوطنيّ الثريّ أنا لا أعتبره عدواً ولا أحاربه، ولكن إذا كانت هناك فعلاً طبقة... في بلادنا، لا توجد طبقات بالمعنى الصرف الذي تحدّثت عنه الماركسية، إنما يوجد أفراد وشلل وشرائح. وبين هذه الشرائح يوجد وطنيّون مخلصون لبلادهم يساعدون الحركة الوطنية، بقدر ما يستطيعون. وبينهم أيضاً خونة يربطون مصيرهم ومصالحهم بالإمبريالية والصهيونية. هؤلاء نعرفهم ونعرف تركيبتهم ونحاربهم. وهذا ما فعلناه في العراق. ونحن الآن، البرجوازية الوطنية التي تشتغل في الإطار الوطنيّ في ظل النظام الاشتراكيّ لا نحاربها، بل نساعدها في بعض ميادين العمل الخاصّ. ولكن كل من يقف ضدّ الاشتراكية، أو يتواطأ مع الإمبريالية، نحاربه.

يتبع رجاءا..

شبكة البصرة

الخميس 1 رمضان 1436 / 18 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط