بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في رسالة الى المفوض السامي لحقوق الإنسان

رهانز فون سبونيك، يعبّر عن صدمته لموقف السلطات العراقية ويطالب الأمم المتحدّة التدخل لتسليم جثمان السيد طارق عزيز دون اي شروط

شبكة البصرة

الأمير زيد بن رعد الحسين

المفوض السامي لحقوق الإنسان

الأمم المتحدّة، جنيف

عزيزي الأمير زيد بن رعد الحسين،

أكتب اليكم كمساعد للأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في العراق (سابقاً) للتعبير عن صدمتي أنه بعد وفاة السيد طارق عزيز، وزير الخارجية السابق ونائب رئيس وزراء العراق في 5 حزيران/2015، تواصل حكومة العراق رفض الافراج عن جثمانه لدفنه، وقد قيل لي، ان الحكومة تصرّ على أن عائلته يجب أن يوافقوا على عدم عقد أي مراسم جنائزية للسيد عزيز إذا كانوا يرغبون في استلام جثمانه.


لقد سُجن طارق عزيز بداية في أبريل 2003 بعد ان سلّم نفسه طوعاً إلى عهدة قوة الاحتلال الأمريكي. ولم تبدأ محاكمته إلاّ بعد خمس سنوات في عام 2008. وقد اُعتبر احتجازه خلال الفترة السابقة احتجازاً تعسفياً طبقاً لرأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2006. وكانت حالته، دون ادنى شكّ، في تناقض مع المادتين 9 و 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (
ICCPR) على نحو ما أكدّه الفريق العامل. وعندما جرت المحاكمة إتضح انها غير عادلة بصورة خطيرة جدّاً. فلم يُعطى السيد عزيز لا سبل الحصول على دفاعٍ قانوني ولا القدرة على الوصول إلى الأدّلة المقدّمة ضدّه. كانت نزاهة النظام القضائي تخضع لضغوطٍ كثيرة ولم يكن هنالك جهد لمعالجة هذه المشكلة التي سبقت المحاكمة.

 

بعد محاكمته والحكم عليه لاحقاً في عام 2008، تدهورت حالة طارق عزيز في السجن بشكل حاد حيث كان يعاني من مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم واضطرابات أخرى. وبكل بساطة تجاهلت السلطات طلبات عديدة من أسرته من أجل إطلاق سراحه حتى يتمكن من العيش أيامه الأخيرة مع اهله. ومع سلفي في بغداد (دينس هاليداي) ناشدنا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جيمس بيكر، (الذي كان قد شارك مع طارق عزيز في رئاسة مفاوضات جنيف 1991 عن العراق)، من اجل دعم دعوات المعاملة الإنسانية لنظيره السابق. ومما يؤسف له ان بيكر رفض التصرّف كرجل دولة.

وكنت آمل ايضاً في أن نسمع صوت البابا دعماً لزميله المسيحي طارق عزيز الاتصال التالية مع وزير خارجية الكرسي الرسولي، ولكن بقي الفاتيكان كتم الصوت. وكشفت محادثتي الهاتفية، قبل أربع سنوات، مع رئيس جمهورية العراق جلال طالباني عن تعاطفه مع ندائي للعفو عن عزيز، لكن في النهاية لم يحدث شئ.

 

في يوم 4 يونيو عام 2015، اعلمنا زياد (ابن السيد عزيز)، قبل يوم من وفاة والده، أن والدته قد زارت زوجها في سجن الناصرية في جنوب العراق. في وقت الزيارة، كان السيد عزيز يعاني من التهاب رئوي، وفقد كل الوظائف الحركية، لم يعدّ قادراً على المشي من تلقاء نفسه، وكان غير قادرٍ على السيطرة على سوائل الجسم. ان الإستمرار بسجنه وبمعزل عن أسرته على الرغم من حالته الصحيّة الخطيرة يجب النظر اليه على انه معاملة قاسية وغير إنسانية.

 

كان طارق عزيز، خلال فترة وجوده في الحكومة العراقية، زعيماً عراقيّاً صاحب كلمة، مثيراً للإعجاب. أستطيع أن أتذكر من وقتي الخاص في بغداد وفي مناسبات عديدة عندما أظهر طارق عزيز التزامه العميق لرفاه شعبه، ولهذا السبب كان على استعداد للتعاون مع الأمم المتحدة للحدّ من الآثار الكارثية لعدم كفاية الاستجابة الإنسانية لمجلس الامن الدولي. ولا بدّ ان القادة العراقيين (الحاليين) كانوا على علمٍ بذلك، أو قد سمعوا به في اقلّ تقدير. لهذا السبب وحده، كان على حكومة العراق أن تُظهر بعض المروءة، لكن للأسف اختارت عدم القيام بذلك. كان يجب أن يتم منح طارق عزيز الرعاية الصحية المناسبة وإعطائه الفرصة ليقضي ايامه الأخيرة بين عائلته.


السيد المفوض السامي،

أنا أعارض بشدة استمرار احتجاز جثمان السيد طارق عزيز من قبل الحكومة العراقية. لقد رزح سنواتٍ عديدة في السجون العراقية ويستحق أن يُدفن بسلام وكرامة. لقد اُضطّرّت عائلته ان تنتقل إلى الأردن منذ فترة طويلة، ويودّون دفنه في البلد الذي هو موطنهم الآن، وكذلك بناءً على طلب الفقيد. ولهذا السبب أنا أكتب لكم لأطلب منكم التدخل مع رئيس الوزراء العبادي وحكومته للافراج عن جثة السيد طارق عزيز فوراً وتسليمها إلى عائلته دون شروط.

إن الإحتفاظ بجثمانه، أو منع العائلة من اقامة مراسم الدفن المناسبة لرب أسرتهم، لا يمثّل انتهاكاً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية - والعراق دولة طرف فيه فحسب، بل هو افلاس اخلاقي حادّ.
أنا ممتن لكم للنظر في طلبي الذي يكرّر ايضاً رغبات عميقة من عائلة السيد طارق عزيز خلال لحظات الحداد هذه.

 

السيد المفوض السامي،

اسمحوا لي في النهاية أن أشير بشكل عام إلى الوضع الراهن فيما يتعلق بالاحتجاز التعسفي وعدم مراعاة الأصول القانونية في العراق. إن حالة السيد طارق عزيز لم تكن إلا مثالاً واحداً على ذلك. فلا تزال الاعتقالات التعسفية شائعة في العراق ويستمرّ حرمان المعتقلين من حقوقهم الأساسيّة. وتسمح المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب الاعتقال المتكرّر للشخص دون أي مبرّر او وجود دليل على جريمة ارتكبها. وفي كثير من الأحيان يُحرم المعتقلون من الحصول على المعلومات المتعلقة بسبب إلقاء القبض عليهم، ولا يتسلّمون إخطارات بموعد المحاكمة ولا يتاح لهم الحصول على تمثيلٍ قانوني ملائم. وغالباً ما يتعرّضون أيضا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة لانتزاع الاعترافات التي تُستخدم بعد ذلك كدليلٍ ضدّهم. هذه الممارسات، التي تتعارض مع المادتين 7 و 8 و 10 من العهد الدولي فضلاً عن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (CAT)، تمثل مشكلة واسعة الانتشار في النظام القضائي العراقي.

 

وأود أن اطلبّ من مكتب المفوض السامي مواصلة التحقيق في هذا الوضع المقلق في العراق والتأكدّ على الحكومة العراقية بأنه يجب أن تفي بالتزاماتها الدولية.

مع احترامي وأطيب التمنيات،

 

الدكتور هانز غراف فون سبونيك
رئيس مركز جنيف الدولي للعدالة
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في العراق (سابقاً)

شبكة البصرة

الخميس 24 شعبان 1436 / 11 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط