بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ناصر سابا يكتب عن الغالي طارق عزيز ودمشق...
صفحات مطوية من تاريخه (2 2)؛

شبكة البصرة

من حقه علينا أن نذكر باختصار شديد مساهماته الأساسية بعد انقلاب الزمرة الشباطية العسكرية على الحزب، حيث اتخذ موقفاً صلباً وصادقاً وصريحاً في إدانة الانقلاب هو ورفاقهُ الأستاذ كريم شنتاف وسعاد أديب ووليد السامرائي وآخرين وكان في الحقيقة له دور مميز خاصةً في تشكيل نواة مكتب الاتصال القومي ضمَّ إلى جانبهِ الرفيق محمد سليمان (السودان) والرفيق مسعود الشابي (تونس) وقد نسقنا معهم العديد من النشاطات والاتصالات المثمرة بالتوافق طبعاً مع الأمين العام الدكتور منيف الرزاز. ومن جهة ثانية كان لموقفه وكتاباته والشروحات التي نقلها إلى الرفاق في العراق أثراً بالغاً في تصليب مواقف الحزب بالعراق من هذا الانقلاب والعمل على إدانتهِ وقد كلَّفه هذا الموقف غالياً؟! ولم يأبه إلى الصعاب والنتائج. وقد ساهم في التمهيد عبر الرفيق وليد السامرائي في مجيء الوفد الذي أرسلته القيادة القطرية في العراق في حينها، بمجيء الرفيقان عبد الخالق السامرائي وخيري الراوي إلى دمشق ومقابلتهم الشهيرة مع قيادة الانقلاب والنقاش الحاد الذي جرى مع صلاح شديد حيث طلبوا منه مقابلة القيادة القومية في السجن للاطلاع على وجهة نظرهم بعد أن استمعوا إلى وجهة نظر الانقلابيين وعلى رأسهم صلاح شديد ولم يوافق؟! لاشك بأن مساهمات ومواقف الأستاذ طارق عزيز كان لها الأثر البالغ في التقييم والوصول إلى الحقيقة وفضح النفاق والتزوير والمزايدات اليسارية الطفولية التي أطلقتها الزمرة الشباطية العسكرية. لقد توفقنا في حينه وبالتنسيق معه لتأمين زيارة لأحد أفراد الوفد إلى السجن والالتقاء بالقيادة القومية والاستماع إلى وجهة نظرهم بدون علم قيادة الانقلاب. وكان لهذا اللقاء المباشر الأثر البالغ في نقل الحقائق كما هي إلى قيادة الحزب في العراق. ذاق الإنقلابيون ذرعاً من نشاطات الرفيق طارق ودوره فقد تم توقيفه هو وسعاد أديب وزكي الخوري (فلسطين) ومسعود الشابي وآخرين وأودِعوا في سجن القلعة بدمشق لينالهم غضب هؤلاء الزمرة ونقلهم فيما بعد إلى سجن تدمر الصحراوي المعروف، وعلى أثر ذلك بدأت رحلة عذاب للعائلة خاصة والدته وزوجته أم زياد بعد دخوله السجن ذهبت زوجته أم زياد إلى بغداد لتقيم هناك مع والدته أم طارق، وبالمناسبة كانت أم فاضلة وامرأة قديرة، وقوية الأعصاب وقد صبرت مع زوجته أم زياد وذاقوا الأمرَّين في زياراتهم للأستاذ طارق في السجن لان السفر والمجيء من بغداد إلى دمشق مرهقة وبعد العناء وطول السفر يبدأ الانتظار من اجل الحصول على إذن الزيارة من وزارة الداخلية وكان مدير مكتب السيد الوزير!! الذي يتلذذ في تعذيبهم بناءاً على توصية معلمه!!! يبقيهم خمسة عشر يوماً في الانتظار لإعطائهم الإذن حقاً كانت هذه العذابات بحد ذاتها تشكل مأساة يدفعها الأهل كما السجين حيث يعاني المناضلون الشرفاء الذين نذروا أنفسهم في سبيل الحق والدفاع عن قضايا أمتهم...

في حادثة طريفة كانت هناك لقاءات ما بين أمهات المعتقلين وخاصة في حال تواجد أم الأستاذ طارق حيث كانت امرأة مميزة بحق وكان معها أيضا أم رفيقنا سعاد أديب التي كانت لا تتقن اللغة العربية لأنها من أصول كردية وأمي وأم رفيقنا سمعان وحضر إلى بيتنا في حينه أيضا والد رفيقنا زكي الخوري من الأرض المحتلة فلسطين وهو رجل دين، فقالت له أم طارق: "يا أبونا رايح جاي على الكنيسة ما تصلي للشباب حتى الله يفرجها عليهم" وقف الخوري لبرهة و أجابها : "والله يا أم طارق ادعي لهم ليل نهار وهم على لساني ولم يغيبوا عن خاطري لحظة واحدة ولكن ما من مجيب!!!، معك حق تعتبي علي ولكن الله له حكمة في ذلك".... فقالت الأمهات لأم طارق "الكاهن عليه الدعاء والباقي على الله" فقالت أم طارق "إذا ما بدنا نفش خلقنا بالكاهن على مين نقدر أن نعتب ونعاتب أو نعترض"

بقي الرفاق في سجن تدمر حتى تم الإفراج عنهم في 10 حزيران 1967 إثر الهزيمة التي قادها نظام 23 شباط والتي تعتبر اكبر هزيمة في تاريخ العرب. جلس بعدها في دمشق فترة قصيرة والتحق بالأهل في بغداد وهناك بدأ مرحلة نضالية مع رفاقه حتى قيام ثورة 17 30 تموز1968. لقد كُتِبَ الكثير ويعرف العرب والعراقيين والعالم نشاطات ومواقف الأستاذ طارق خاصةً على المستوى الدبلوماسي كنجم لامع عرفته المحافل الدولية كما هي العربية. اثر الغزو والعدوان الثلاثي الأمريكي الصهيوني الفارسي على العراق وما تعرض له العراق نتيجة ذلك، عرفت من الأستاذ المرحوم منصور الأطرش وما حدث مع الأستاذ طارق عزيز عند محاولاته اللجوء مجدداً في عام 2003 إلى سوريا وتم إرجاعه من الحدود السورية العراقية اعتقاداً منه بأن نظام الأسد يمكن أن يقبل بدخوله أو تسهيل عبوره إلى أي بلد آخر ومحاولته هذه مشروعة لأنه يدرك حجم الحقد وروح الانتقام الذي ينتظره من حكام إيران وأدواتهم الذين جاؤوا مع الاحتلال. فكانت هذه إشارة واضحة للدور الذي لعبه النظام السوري تجاه القيادة الوطنية في العراق... إن المسائل التي يعرفها أبو زياد والمؤتمن عليها ذات أهمية بالغة للغاية. وازعم بأنه كان صريحاً ودقيقاً وأميناً في نقل كل شاردة وواردة تخص اتصالاته للرئيس ويعرف جيداً لا بل متأكداً بأن الخيارات أمامهم شبه معدومة وفق السياسة المتبعة والتي يدافعون عنها أو على الخصوص تجاه القضية الفلسطينية كما هي بناء العراق القوي المقتدر والحامي للأمن القومي العربي، والاستقلال السياسي الحقيقي، مسائل يصعب ومستحيل التنازل عنها من قبل الرئيس صدام حسين ورفاقه طارق عزيز وحكماً القيادة الحزبية اختاروا ذلك وفاءاً لبلدهم العراق ولامتهم العربية. رجال بهذه المواصفات لا تغريهم لا الثروة أو الأبهة أو الجاه أو السلطة لأنهم نذروا أنفسهم لخدمة قضايا أمتهم. أدركوا منذ البداية بأن مصيرهم محتم إلا إذا حدثت أعجوبة ويعرفوا أيضا بأن هذا ليس زمن العجائب، لم يصرح الرفيق طارق عزيز أمام أي إنسان ليس خوفاً أو تزلفاً أو أي قصداً آخر سوى انه قد اعتبر هذا قدرهم وقدر الذين يحملون الراية، وهذا سر من أسرار صموده البطولي في وجه المحتلين وأذنابهم.

انه بحق خلاصة لحضارات مابين الرافدين وتفاعلها مع الحضارة العربية الإسلامية. خسرنا وجهاً عربياً عراقياً أصيلاً مزيجاً من الوطنية الصادقة والعروبة الإنسانية والفكر التنويري المستند إلى خلاصات العصر. إنسان يتمتع بصفات يصعب أن تجتمع في شخص واحد، فالدماثة والمحبة والتواضع والفهم العميق ودقة التحليل وسعة الصدر والأخلاق العالية، رحم الله أبا زياد واسكنه فسيح جناته

باريس في 26/6/2015

شبكة البصرة

الخميس 8 رمضان 1436 / 25 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط