بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لمناسبة رحيل الاستاذ طارق عزيز..

(جزء مستل من كتاب "من اوراق سعادة السفير" د. سامي سعدون - صادر في القاهرة عام 2010)

طارق عزيز... الإنسان والقائد

شبكة البصرة

د. سامي سعدون

معرفة مشرّفة

بعد مسيرة العمل الطويل مع إنسان وقائد من نمط الأستاذ طارق عزيز. شعرت كم أنا محظوظ بالتشرف بمعرفة هذا الإنسان العظيم والعمل بمعيته، فهو المدرسة التي نهل منها الكثيرون، فكان المعلم والأب والقائد الوطني الأصيل والعربي النجيب، مدرسة في الأخلاق العالية، وفي ثقافته الواسعة، وكفاءته المتميزة، وفي ولائه وأخلاصه ووفائه لوطنه وأمته العربية المجيدة، وفي تعامله الإنساني الرائع والفريد، وهو شجاع لا يجامل في احقاق الحق، وفي التقييم المنصف، وفي العدالة والمساواة بين الجميع، وهو بعيد عن المحسوبية والمحاباة حتى ولو كان الأمر يتعلق بأقرب أقاربه- وأتذكر مرة كنا في زيارة رسمية ليوغسلافيا عام 1980 وفجأة وفي وقت متأخر من الليل جاءنا إلى دار الضيافة أحد أقارب الأستاذ وهو الأخ خالد (أبو وليد) وكان أنذاك دبلوماسياً يعمل في سفارتنا في (براغ) وقد صدر أمر بنقله إلى إحدى البعثات في أفريقيا.. ألح في رؤية الأستاذ طارق لكي يعود في قطار الفجر.. سمعه الأستاذ وكان على وشك النوم التقاه وكان مراده.. أن يتدخل الأستاذ طارق لالغاء أمر نقله لوجود أولاده في المدارس!؟

الأستاذ قال له.. أن هناك سياقاً للتنقلات في الوزارة ولا أعتقد أن د.سعدون وزير الخارجية يظلم أحداً ويخرج عن هذه السياقات فأنصحك بالالتحاق ولا يمكن ان أتدّخل!؟ ونفذ الامر وحتى عندما فشل (ابو وليد) في عبور امتحان اللغة الأجنبية نقله الأستاذ طارق الذي اصبح وزيرا للخارجية (1983 ـ 1991) إلى خارج الوزارة أسوة بكل الفاشلين في الامتحان.

والأستاذ طارق من ناحية يتدخل إذا كان ذلك في المصلحة العامة ولصالح من هو كفوء ومخلص ومتميز في أدائه وعمله، واثناء قيادته لوزارة الخارجية سمح للموظفين باكمال دراساتهم العليا، كما أنه بعث العديد من الموظفين للدراسة والتدريب والتخصص وحتى السفراء شملوا بالتفرغ لتعلم اللغات الأجنبية مع الاحتفاظ بكافة امتيازاتهم!

وللأستاذ طارق فضل في وصول العديد إلى مناصب عليا.. وزراء وسفراء ومدراء عاميين، واكثر من مرة تدخّل للابقاء على سفراء اخطأوا فعوقبوا بالاعادة الى المركزلمعرفته بكفاءتهم ولنجاحهم، ومن مدرسته خرج جيل من الكتاب والباحثين والأعلاميين والصحفيين اللامعين. وكان فوق كل ذلك حليماً مسامحاً فهو لا يعرف الحقد والانتقام حتى مع من حاول الاساءة إليه لأنه لا يفكر إلا في مصلحة البلد.

 

الوطنية والقومية

والأستاذ طارق.. وطني حد النخاع وعروبي حتى قطع النفس، كيف لا.. وهو ابن العراق البار، وابن نينوى العربية التي ترضع ابناءها كما هو شأن كل العراقيين أصلاً- الحب والولاء والأخلاص للوطن والأمة،نعم أنه من عرب الموصل الحدباء، وهل هناك من يتنكر لعروبة أبناء الموصل وولائهم وأخلاصهم لوطنهم وأمتهم؟!!

 

لقد حاول الأعداء المغرضون النيل من الهوية اليعربية لهذا الإنسان العظيم كونه مسيحياً فأدعوا أن اسمه (طارق حنا عزيز) ولم يكن هذا صحيحاً وان كان فانه لايعني شيئاَ ولا يغّير من اصالته ووطنيته، ومع هذا فأنا مطلعّ على جنسيته العثمانية وبقية الوثائق التي تؤكد أن اسمه (طارق عزيز عيسى)، كما أن شقيقه الأكبر (فوزى) وأخته السيدة أم يعرب (أمل) وأسماء ابنائه وبناته عربية ابتداءً من الأخ ابو مريم (زياد) وحتى الأخ (صدام).. الذي ولد وكان السيد الرئيس ضيفاً في بيت الأستاذ طارق عائداُ وزائراً بعد تعرض الأستاذ طارق للمحاولة الاجرامية التي نفذها حزب الدعوة العميل في الجامعة المستنصرية عام 1980،، فجاءه خبر مجىء مولود جديد.. فاستأذن الرئيس.. أن يطلق عليه اسم (صدام) لوجوده في بيت الأستاذ.

وأتذكر أنه في عام 1980 اتصل بى (حميد المطبعى) وكان محرراً في جريدة الثورة وبعد تقاعده فرّغ لجمع وتدوين معلومات عن الرفاق أعضاء قيادة الحزب ضمن حملة للمكتب الثقافي للتوثيق وكجزء من كتابة تاريخ الحزب، قال الأخ حميد.. أريد أن أذهب إلى الموصل لازور (القرية) التي ولد فيها الأستاذ طارق بهدف جمع معلومات عن طفولته ونشأته.. أرجو أن تسأل الأستاذ طارق أن كانت لديه معلومات عن تلك القرية؟! دخلت على الأستاذ طارق في مكتبه وكان مشغولاً بقراءة وتصحيح خطاب السيد الرئيس في ذكرى الثورة فقاطعته لاخبره عما قاله حميد! قال الأستاذ طارق ضاحكاً: من أين اتى حميد بهذه المعلومة، أصلي من الموصل فعلا ولكن أغلب سني حياتي قضيتها في بغداد.

وكونه مسيحياً فهذا ليس مثلبه ولا تمس وطنيته ولا قوميته، وللمعلومات والتاريخ فأن الأستاذ طارق، رغم علمانيته، أكثر علماً واطلاعاً على الأسلام من دعاة الإيمان المزيف، وأنه يبز الكثير من المعممين بثقافته الإسلامية وغزارة معلوماته عن الدين الإسلامي الحنيف كأي بعثي مؤمن بأن روح العروبة الإسلام. وأنه في أكثر من مرة، لسلامة لغته العربية ولاطلاعه ودراسته للقرآن الكريم والاحاديث والتفاسير، كان يصحح ما يذكره الآخرون من آيات ليست صحيحة رغم أنهم مسلمون ومعروفون بانهم متدّيين! مرة عاد من اجتماع للقيادة و طلب مني التأكد من الآية الكريمة (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) قائلاً : سامي تأكد لي.. هل أن الآية تبدأ بـ فأما أو أما،لانها تصدّرت خطاب السيد الرئيس في ذكرى احتفالات ثموز، وعندما عدت إلى فهرس آيات القرآن وجدتها فأما.. وعندها أتصل لتصحيح الاية قائلاَ :..ابو احمد.. تأكدنا والصحيح "فاما" وليس " واما " فارجو التصحيح قبل النشر!؟

ثم يتذكر الكثيرون كلمة الرثاءة ذات المسحة الايمانية الاسلامية التي كتبها الأستاذ طارق ونشرت في جريدة الثورة عند وفاة الأستاذ (أحمد ميشيل عفلق) مؤسس حزب البعث بعد إعلان إسلامه قبيل وفاته (وأنا شخصياً اطلعت على الوريقة التي كتبها المرحوم عفلق بخط يده يقرّ فيها بإسلامه وابدال اسمه إلى (أحمد).

وعند التحاقي بوزارة الخارجية بعد عودتي من أفغانستان عام 1989.. نسبت للعمل في مكتب الوزير وكان وقتها الأستاذ طارق.. استدعاني ذات يوم وكلفني بان اعرف اصل الأمام أبو حنيفه هل هو عربي أم غير عربي؟ أجبت مباشرة.. أستاذ معلوماتي أنه أفغاني الأصل، قال: تأكد من ذلك.. لا أعلم هدفه من السؤال حتى اليوم! سألت أكثر من مصدر وأخيراً حصلت على أحد المراجع الدينية من مكتبة وزارة الأوقاف تؤكد.. أن أصل الأمام ابو حنيفة النعمان.. أفغاني. وخلال عملي لفترة طويلة معه علمت.. أن المرحوم الدكتور (أحمد عبدالستار الجواري) وزير التربية في عهد الرئيس الراحل احمد حسن البكر وهو صديقه الشخصي ومعروف عنهما (التدّين).. كان لا يحبذ ترؤس الأستاذ طارق أو مشاركته مع الوفد العراقي لمؤتمرات منظمة المؤتمر الإسلامي!، ولكنه في النهاية أقتنع بأهلية الأستاذ طارق لحضور مثل هذه المؤتمرات لثقافته الإسلامية وكان الأستاذ طارق للامانة والتاريخ- أحد أبرز من يقومون بصياغة القرارات والبيان الختامي في مثل هذه المؤتمرات.

 

الوفاء والأخلاص

بعد احتلال العراق وتدميره عام 2003 كان دأب المحتلين الاميركان وعملائهم ممن نصبوهم على رأس السلطات في بغداد، أستهداف الإنسان العراقي وقتل إرادته، وفي مقدمة ذلك يأتي تصفية القيادات الوطنية وخيرة أبنائه وعلمائه والاساءة لرجالاته الأصلاء ومنهم الأستاذ طارق عزيز الذي لم يجدوا ما يبرر لهم تصفيته فألصقوا به تهماَ مضحكة منها مشاركته في قرا راعدام التجار المتهمين بخزن الحبوب في ظل حصار لعين عام 1992، أو التدخل في (خطب صلاة الجمعه الاسلامية!!) وما إلى ذلك.. والجميع يعلم..أن الأستاذ طارق كان مشرفاً على السياسة الخارجية بعد قطاع الثقافة والأعلام ولا صلة له لا من قريب ولا من بعيد بالشؤون الاقتصادية أو الدينية ومع هذا حكموا عليه ظلماً بالسجن (22) عاماً ثم بالاعدام رغم كبر سنه واستفحال أمراضه بهدف التخلص منه ومن كل وطني شريف رفض ويرفض خيانة الوطن والعمالة للمحتل! ومن المتوقع انه ستتم تصفيته في سجنه؟

 

وهؤلاء من حكموا على الأستاذ طارق اليوم هم من استهدفوه في أكثر من محاولة إجرامية بالأمس، اذ نجا باعجوبة من حادث تفجير الجامعة المستنصرية الاجرامي الذي نفذه حزب الدعوة العميل في نيسان عام 1980، والذي كسر فيه ذراعه وظلت شظايا الاعتداء في جسده وفيها فقد مرافقه الاخ محمد حسين الراوي (ابو فارس) احدى عينيه فضلا عن عشرات الضحايا من الطلبة، ثم في محاولة أخرى وبعد ايام عند افتتاحه لمعرض فني في صالة العرض في ساحة الطيران. واليوم هؤلاء واسيادهم ملالي ايران لايخفون نواياهم العدائية في استهدافه وكل رجالات العراق من قيادة وطنية وكبار القادة والضباط نزولا الى عامة الشعب ممن دافع عن العراق في صد العدوان الفارسي،والعمل على التخلص منهم،ومن الاستاذ طارق بشك خاص ليس فقط لاخلاصه ووطنيته وحبه للعراق ولامته العربية وإنما لموقفه الصلب الشجاع ضد إيران أبان حرب الثمان سنوات، يضاف إلى ذلك وفاؤه وإخلاصه لوطنه وللقائد،لقد ساوموا الأستاذ طارق، اميركان وعملاؤهم، ممن نصبوهم في السلطة ومنوّه بالحرية واختيار البلد الذي يرغب العيش فيه إذا ما أ يدهم باتهاماتهم واساءاتهم للرئيس صدام فرفض بقوة ووقف إلى جانبه اثناء محاكمته وأمام الملأ.. وقف إلى جانب مبادئه وتعبيراً عن أخلاقه في الاخلاص والوفاء وشيم الرجولة والشجاعة والوطنية الحقيقية.

 

العلاقة مع الرئيس صدام حسين

الجميع يعرف عن تميز علاقة الأستاذ طارق بالسيد الرئيس صدام حسين حيث كان قريباً منه ويوصف بانه اليد اليمنى له وأبرز معاونيه.. وهذا أمر طبيعي لأن الأستاذ طارق من القياديين المعروفين بولائهم وأخلاصهم للوطن والقائد الذي يمثل الوطن والمبادئ.. فحبه للقائد صدام وعلاقته الحميمة به هي من باب أخلاصه ووطنيته فضلاً عن كفاءته وجدارته وتميزه لهذا كان قريباً منه وشعاره.. مصلحة وسلامة الوطن والأمة فوق كل اعتبار.

وهناك حقيقة.. أن الأستاذ طارق من القياديين المحترمين فكان عزيز النفس فضلاً عن شهامته وشجاعته ونزاهته، فعلاقته مع الرئيس الذي كان يخشاه الجميع.. علاقة الرفيق بالرفيق وهو من القلائل (وربما ينفرد بذلك) ممن كان لا يداهن ولا يجامل ولا يتملق ولا يمارى أو يتزلف ولا (يمسح الاكتاف) في علاقته بالرئيس صدام، كان صادقاً وطبيعياً في كل تصرفاته وتعامله، وعندما يتحدث عن الرئيس يقول (السيد الرئيس) أو الرفيق صدام وعندما يخاطبه بـ (سيدي) ولا يردد كما يفعل كثيرون.. القاب الرئيس كأن يقول (الرفيق القائد المنصور بالله) (القائد الضرورة) (السيد الرئيس حفظه الله ورعاه) وما إلى ذلك من ألقاب!

وهذه الحقيقة يعترف بها حتى ممن (لا يحبون) الأستاذ طارق لأسباب شخصية أمثال (حسن العلوي) إذ يظن أن الأستاذ طارق كان السبب في عدم توليه مناصب أعلى (وهذا غير صحيح)إذ أكد العلوي في لقاء تلفزيوني بثته قناة الشرقية أواخر عام 2008 في برنامجه (اعترافات محمد بن الليث) قال أنني لا أحب طارق عزيز ولكنه شجاع وهو لم يتملق أو يداهن صدام حسين؟!

وقريب من هذا ما ذكره (حامد الجبوري) الوزير المخضرم والسفير السابق في شهادته على العصر التي بثت في أكثر من حلقة في قناة الجزيرة الفضائية أواخر عام 2008 مما قاله "أن طارق عزيز لم ينتقدني، كما فعل الأخرون، أرضاء لرغبة السيد النائب صدام حسين عندما أراد ابعادي عن وزارة الأعلام في السبعينات، فقد كان السيد طارق موضوعياً وحديثه عاما دون أن يتناولني بشيء من السوء ارضاء لصدام حسين كما فعل اخرون!! أن القريبين من مصدر القرار ومن الأستاذ طارق يعرفون ذلك حق المعرفة

 

عصامي ونزيه

وهناك حقيقة غير معروفة إلا للعاملين مع الأستاذ طارق بشكل مباشر وهي.. أنه قد يكون الوحيد بين المسؤولين من أعضاء قيادة وحتى الوزراء من لا يستلم استحقاق الموفد بمهمة من (تحويل الدينار العراقي إلى دولار بسعر رسمي 3 دولار للدينار الواحد) وهو حق لكل من يوفد رسمياً إلى الخارج إذ أن هناك مخصصات يومية مقطوعة بالدولار.. فكان الأستاذ (لا يحّول استحاقه) مكتفياً بما ترسله الرئاسة له كمصرف جيب والذي حدد أيام الحصار بـ (1500) دولار لعضو مجلس قيادة الثورة و(1000) دولار للوزير!؟ ومع قلة هذا المبلغ فقد كان كريماً مع بعض مرافقيه وممن يخدم في دور الضيافة والفنادق واثناء السفر. سألته مرة أستاذ.. لماذا لا تسمح لنا بتحويل استحقاقك الشرعي، فأغلب الموفدين يحوّلون أكثر مما يردك من الرئاسة؟ قال: استحقاقي هو الذي يصلني من الرئاسة وهو كاف لا أريد أن أكلف الدولة عملة صعبة أخرى!! وللأمانة عندما كان العراق بخير قبل الحصار كانت عطايا السيد الرئيس لأعضاء القيادة والوزراء مجزية كما كانت يد العراق مفتوحة للجميع يغرف من جوده منه القاصي والداني! وكان الأستاذ طارق يوزع جزءاً كبيراً من اكراميته على كل مرافقيه بما فيه (ستاف Crew) الطائرة الخاصة.

 

والسيد الرئيس يعرف نزاهة ونظافة وعصامية الأستاذ طارق فضلاً عن أنه لا يوجد من يطعن بأمانته ونزاهته حتى من بين من يعاديه.. وأتذكر خلال ندوة وزارة الثقافة والأعلام عام 1977 التي نظمها الحزب في كل دوائر الدولة لانتقاد الظواهر السلبية.. كل ما طرح ضد الوزير الأستاذ طارق من (شخص واحد اصبح سفيراَ فيما بعد!) فقط هو.. أن الأستاذ طارق كان يبذر اموال الدولة بتبديل وتجديد الأثاث والبردات (الستائر) سنوياَ؟!

وقبل أن يجيب الأستاذ طارق تدخل السيد الرئيس (وكان نائبا ً) وحاضراً هذه الندوة قائلاً.. أنا أتفق مع ذوق الأستاذ طارق.. فالتجديد والتغيير مطلوبان وهما يعطيان روحاً واندفاعاً وحيوية ونشاطاً مجدداً بعكس الروتين والرتابة وأضاف.. أن من يطرح هذا الطرح، أنا واثق ولدي معلومات، من أنه أراد أن يسرق (يبوك) من أموال الوزارة بطريقة مشبوهة ولكن الرفيق طارق لم يسمح له.. وبما أن هؤلاء عارفون بنزاهة ونظافة الرفيق طارق التي تقطع الطريق على مخططاتهم لذلك لم يجدوا ما ينتقدونه فيه غير ما طرحوه وهو يحسب له لا عليه.. كانت هذه الحادثة مسجلة باشرطة كلفت في وقتها بتفريغها عندما كنت في السكرتارية الصحفية التابعة لمكتب الوزير.

 

شجاعة ورجولة

ورغم سعة صدره وهدوئه وقدرته على التحمل كان الأستاذ طارق شجاعاً لايهادن في الدفاع عن العراق الاشم شعباً وتراباً وثروات وأنتماءً، وعن الأمة العربية وقضاياها المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وله في ذلك دور مشرف، ليس فيما نشرله من مؤلفات وماكتبه من مقالات ودراسات وبحوث وما سجل له من محاضرات ولقاءات صحفية وتلفزيونية فقط، وإنما في جهاده المتميز ونضاله الدؤوب في المحافل العربية والإقليمية والدولية وبالذات في ظل عصر الهيمنة الأميركية، هذا العصر الذي انحنت أمامه الهامات، فكان الأستاذ طارق أحد أبرز الأصوات وأشجعها في قاعات مجلس الأمن والجمعية العامة في نيويورك وجنيف وفينا وفي عواصم الدول الكبرى، ينتقد ويفضح عدوانية وطغيان (جورج بوش) وإدارته، إضافة إلى قيادته الشجاعة للدبلوماسية العراقية في أحلك الظروف التي مر بها العراق أبان حرب الثمان سنوات مع إيران وأثناء الحصار والعدوان الثلاثيني الغاشم عام 1991 وحتى الاحتلال وتدمير العراق. محاوروه وأغلبهم من أعداء العراق،شهدوا وأشادوا بشجاعته وحكمته وبراعته في الدفاع عن قضية العراق، واتذكر جولات المباحثات الطويلة والتي استمرت سنوات مع اللجنة الخاصة المكلفة بما سمى في حينه (إزالة أسلحة الدمار الشامل في العراق) حيث كان نداً صلباً أمام (رولف ايكيوس) رئيس هذه اللجنة وأعضائها من الـ (CIA) الأميركية والمخابرات البريطانية. وللتاريخ وأنصافاً للحقيقة كان الأستاذ طارق ومن خلال المنابر التفاوضية، شديداً في الرد، ولا يرضى عن أي أساءة للعراق أو لقيادته والالتفاف على قضيته ومحاولات طمس حقوقه والقفز على الحقائق وغمطها وعلى ذلك شواهد عديدة.

 

لقاء جنيف غير المباشر مع الإيرانيين

بعد عام على توقف الحرب الإيرانية العراقية في 8/8/1988، وتحديداً في نيسان عام 1989 وافق الإيرانيون على اللقاء مع وفد عراقي في مفاوضات شرط أن تكون (غير مباشرة) برعاية الأمم المتحدة، وبالفعل جرى اللقاء في المقر الصيفي للمنظمة الدولية في جينف.. حيث جلس الوفدان متقابلين وفي الوسط جلس (خافيير ديكولار) الأمين العام للأمم المتحدة ومعه بعض معاونيه، وعندما تحدث الإيرانيون كانوا يوجهون كلامهم للأمين العام وعندما يرد العراقيون بنفس الطريقة (مباحثات عبر الأمم المتحدة!) وقد كان الأستاذ طارق معترضاً على ذلك ومقترحاً أن تكون المفاوضات بشكل طبيعي ثنائي دون الحاجة إلى وسيط، ولكن الإيرانيين أصروا على أن تكون (غير مباشرة)!. وخلال هذه المفاوضات كان الأستاذ طارق كثيراً ما أفحم الجانب الإيراني الذي كان يترأسه (علي أكبر ولاياتي) وزير الخارجية.. بالحجة والحقائق يقابلها الإيرانيون بالتسويف والمماطلة.. هدفهم اقناع الأمم المتحدة بأن العراق هو من بدأ العدوان، ولكن شروحات ومداخلات الأستاذ طارق وما لدى العراق من ادلة على أن الإيرانيين هم من بدأ العدوان.. وابرزها ان العراقيين اسقطوا طائرة إيرانية مغيرة على بغداد قبل 22/9/1980 تاريخ بدء الحرب بأسبوعين، وقبلها مقاتلة ايرانية مماثلة وظل طياراها محتجزين في العراق حتى عام 1999{على حد علمي إذ لا أعلم بعد ذلك إذ التحقت قبل ذلك في عملي في السفارة في بلغراد} فضلاً عن الاعتداءات التي تعرض لها العراقيون وعوائلهم ممن كانوا يعملون في البعثات والمدارس العراقية في ايران، والقصف الذي أستمر على القرى والمخافر الحدودية العراقية والتهديدات الإيرانية باجتياح العراق تحقيقاً لشعار خميني (تحرير القدس يمر بكربلاء!؟) وفق سترتراتيجة "تصدير الثورة " وعندما أيقن ملالي ايران.. أن لا فائدة في أقناع العراقيين، فكروا بطريقة خبيثة- أخرى لتحقيق مراميهم ضد العراق! وهذه الطريقة شراء ذمة الأمين العام (ديكولار).. وقد نصحنا أحد الوزراء الأشقاء الخليجيين، وكان مقيماً في نفس وقت المحادثات في فندق (الانتركونتنتال) مقر أقامة الوفد العراقي.. بأن نتحرك على (ديكولار) بقوله (حركوا جيبوبكم) كي ينهي المسألة ويقول ان الإيرانيين مذنبون مضيفاً : [الله وكيل أبو زياد.. خشلات {مصوغات ذهبية} زوجة وابنة ديكويلار ومصروفاتهم من هذا الخرج!؟. مشيراً إلى جيب دشاشته] وأضاف.. تحركوا قبل فوات الأوان فاحتمال ان يسبقكم الايرانيون!.. أنه يأخذ ويمكن أن يفعل شيئاً لصالحكم!؟ لم يعلق الأستاذ طارق كان مستغرباً وقال أن الحق معنا وهم المعتدون.

وفعلها الإيرانيون واشتروا (ديكولار) بدليل.. أنه بعد زيارد ديكولار للعراق عشية عدوان عام 1991 على العراق عقد مؤتمراً صحفياً في الأردن (عمان).. تحدث فيه عن لقائه بالرئيس صدام حسين وأنه لم يتوصل إلى نتيجة بخصوص الكويت وأختتم المؤتمر، بشكل عرضي ومفاجئ ودون أن يسأله أحد عن الحرب بين العراق وإيران والتي صارت من الماضي قائلاً: أن العراق في حرب الثمان سنوات هو المعتدي على إيران؟؟

 

لقاء مع رفسنجاني

واثناء العدوان الثلاثيني الغاشم على العراق عام 1991 وعند مرور الوفد العراقي برئاسة الأستاذ طارق بطهران في طريقنا إلى موسكو لمناقشة المبادرة السوفيتية لوقف العدوان.. أصرّ الجانب الإيراني على ترتيب لقاء للأستاذ طارق مع الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني وكان اللقاء منفرداً حيث منعت من الدخول وقد استغرق اللقاء بحدود ساعة واحدة خرج بعدها الأستاذ طارق محمرّ الوجه وعلامات الغضب واضحة قائلاً: سامي أجعل طريق العودة إلى بغداد عبر الأردن وليس طهران.. لا أريد أن أرى هؤلاء..!!

فهمت من خلال إعداد المحاضر.. أن رفسنجاني حاول التشفي بما يحصل للعراق بعد أن فشل في معرفة نوايانا وقدراتنا واستعداداتنا للصمود بعد حمم الاميركان ومعهم 33 دولة.. ليساومنا بعد ذلك!! إذ أسكته الأستاذ طارق بشجاعة رافضاً تهديداته، اذ طالب بتسليم العراق (مجاهدي خلق) او السماح للايرانيين بالدخول لتصفيتهم!! لأنهم على حد قول رفسنجاني (منافقون) فرد الأستاذ طارق هؤلاء دخلاء أما المنافقون فلديكم يمثلهم (الحكيم) وفيلق بدر، والرسول محمد (ص) أجار حتى الكفار فكيف تريدنا أن نطرد مؤمنين دخلاء فغضب رفسنجاني ولم يعقب! وهذا المرقف العراقي الشجاع تكرر في مباحثات بغداد مع (ولاياتي).

 

عزيز وبيكر

وفي لقائه الشهير مع (جيمس بيكر) وزير الخارجية الامريكي في جنيف قبيل بدء العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، وبعد تهديدات (بيكر) بأن أميركا ستعيد العراق إلى ما قبل العصر الصناعي، وأنها ستّغير القيادة العراقية وتنصب حكاماً من أتباعها!أجاب الأستاذ طارق عزيز بكل رجولة وثقة.. نعم انكم تستطيعون تدمير العراق بما تملكون من قوة غاشمة ولكنكم لن تستطيعوا القضاء على العراق فعمره سبعة آلاف سنة قبل الميلاد.. فسيبقى العراق وانتم الزائلون.، كما رفض استلام رسالة بوش الاب للرئيس صدام للغتها غير المؤدبة!.وفي كتابه الذي إصدره (بيكر) عن تلك الفترة وبالذات عن عدوان 1991 أمتدح كفاءة وشجاعة الأستاذ طارق في الدفاع عن قضية بلده وقال.. لقد صدقت نبوءة طارق عزيز فقد بقوا ونحن (يقصد بوش الأب وحلفائه تاتشر وميتران) الذين خسرنا السلطة وخرجنا.

 

لقاءات نيويورك

ومن اللقاءات المتعددة مع أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائميين التي استمرت لعدة سنوات (1991- 2000) والتي رافقته فيها، كان الأستاذ طارق بحق مدافعاَ شجاعاَ وجريئاَ ومتمكناَ رغم أن كل الأجواء عدائية وأن الجميع خائفون أمام طغيان الجبروت الأميركي، فكان يرد بعنف- على مزاعم الأميركان وإذنابهم وبالذات البريطانيين ويفندها ويثبت للعالم أنها اتهامات باطلة، ولكن، لا حياة لمن تنادي!؟ أنهم يعرفون الحقائق ولكن الحكام مرعوبون من أميركا وفي الوقت الذي يقف فيه الأستاذ طارق، منتقداً ومتحدياً الأميركان من خلال المنابر الدولية في نيويورك،كان بعض وزراء الخارجية ورؤوساء دول اشقاء وممن لهم علاقات طيبة مع العراق وشخصية مع الأستاذ طارق.. يتجنبون ملاقاة وفدنا ويتهربون حتى من ألقاء التحية و السلام!!!

وفي نيويورك عقد أكثر من لقاء صحفي وكان دائماً ما يعطي الصحفيين مادة للحديث عن الموقف العراقي شارحاً دون كلل، وفي محاضرة له في معهد نيويورك للدرسات الاستراتيجية حيث قدمه مدير المعهد بطريقة استفزازية إذ وصفه بأنه أبرز معاوني (الدكتاتور صدام حسين) وأن يديه ملطختان بالدم، كما أمطروه بوابل من الأسئلة العدائية، ولكن وبكل هدوء ردّ عليهم مفنداً أكاذبيهم بكل شجاعة ورباطة جأش وجرأة، حتى أن مدير المعهد الذي وصفه بالدموي..! أعتذر بشكل غير مباشر واثنى على براعته وطريقته في الدفاع عن قضيته.. وخرج معنا إلى الباب مودعاً.

 

وفي أول لقاء تلفزيوني مع قناة (CNN) الأميركية في أول زيارة لنيويورك بعد عدوان عام 1991 أستضيف في برنامج شهير يعده أثنان من أشهر مقدمي البرامج السياسية وكان أحدهما هجومياً وبنفس عدائي والآخر اهدأ، ومع هذا دافع الأستاذ طارق ببراعة ورجولة، وفي العادة عندما ينتهي اللقاء.. يأتي التقييم من قبل مقدمي البرنامج فجاء التقييم بما خلاصته: [ نحن نعرف.. أن نظام صدام دكتاتوري حيث نسعى للقضاء عليه، ولكن نظام لديه وزير خارجية بمثل براعة وحنكة ودبلوماسية وثقافة هذا السياسي المحنك والدبلوماسي اللامع طارق عزيز.. جدير بإدارة الرئيس كلنتون أن تفتح حواراً معه]!!؟

 

اللقاء مع أولبرايت

ولعل من اللقاءات الشهيرة.. لقاء الوفد العراقي برئاسة الأستاذ طارق عزيز مع رئيسة مجلس الأمن/مندوبة أميركا (مادلين أولبرايت) عام 1994.. عندما قام بتسليمها أوراق الاعتراف بالحدود الجديدة مع الكويت بناء على مبادرة روسية لرفع الحصار عن العراق، حيث أمرنا الأستاذ طارق بعدم الجلوس عند دخول مكتبها، وكانت أولبرايت تنتظرنا في الباب حيث دعتنا للجلوس فلم نفعل وقام الأستاذ طارق بتسليمها وثائق الاعتراف طالباً منها ان تبر أميركا بوعدها برفع الحصار احتراما لاصدقائهم الروس اصحاب المبادرة.

كانت أولبرايت متأنقة ومبتسمة على غير عادتها، وعند المغادرة تقدم منا صحفي أميركي سائلاً الأستاذ طارق.. هل هناك شيء لفت انتباهكم في أولبرايت؟ قال الأستاذ: لا، كرر الصحفي سؤاله اكثر من مرة مضيفاَ: صدر أولبرايت ألم يجذب أنظاركم؟ أجاب الأستاذ طارق ساخراً : ما الذي يغرينا بالنظر إلى صدر (أولبرايت) هل هو صدر شارون ستون وكان لـ (ستون فيلم مغر جديد) يعرض، وقتها، في صالات نيويورك؟!

بعد العودة إلى مقر الأقامة علمنا.. أن أولبرايت كانت تضع على الجهة اليسرى من صدرها (بروش) عبارة عن أفعى وقد تقصدّت بوضعه بشكل لافت عند استقبال وفدنا لأن أحد الشعراء العراقيين(غزاي درع الطائي) قد وصفها في قصيدة منشورة في جريدة الثورة ببغداد.. بالافعى وذلك قبل اللقاء بها بيوم واحد!! الصحفي الاميركي نشر في اليوم التالي وبخبث وبعنوان بارز صدر أولبرايت لا يغري العراقيين؟!

 

لقاء أنقرة العاصف.. مع تشيللر

وكان اللقاء مع رئيسة الحكومة التركية السيدة (تشيللر) منتصف التسعينات في أنقرة عاصفاً، إذ رد عليها الأستاذ طارق بشدة موبخاً أياها لدفاعها عن موقف أدارة بوش في حصارها وعدوانها على العراق غامزاً أن ذلك لا يخدم العلاقات بين العراق وتركيا وإنما يرضى الأميركان؟!! أراد أن يقول لها.. أنك تحملين الجنسية الأميركية ومن الطبيعي أن يكون موقفك بهذا الانحياز! وقد انفض اللقاء بجو مشحون بالتوتر والزعل. ويبدو أن الأصدقاء الاتراك أدركوا أنه ليس من الصحيح تأزيم العلاقات مع العراق، فجاء السيد (عبدالله غول) وكان وزير دولة، وهو اليوم رئيس تركيا إلى مقر الاقامة وتناول العشاء مع الوفد العراقي في محاولة لتلطيف الاجواء حيث غادرنا أنقرة الى موسكو صباح اليوم التالي.

بعض وسائل الأعلام أشارت إلى الجو غير الودي للقاء، وفي موسكو قال السيد (يفغيني يريماكوف) مستشار الرئيس الروسي أنذاك ومن ثم رئيس الحكومة الروسية، وهو مستشرق روسي ولديه علاقة طيبة مع الأستاذ طارق.. قال مازحاً.. هل هناك رجل يزّعل الجميلة والفاتنة (تشللير).. نعطيك الحق في قسوتك مع (أولبرايت) ولكن لاحق لك فيما حصل مع السيدة الجميلة تشيللر؟!

 

مفكر.. ومبدع

والأستاذ طارق ليس فقط الدبلوماسي البارع والمحاور السياسي المقنع وإنما يعد من أبرز المثقفين والمفكرين والأعلاميين ليس على المستوى العراقي وإنما على المستويين العربي والعالمي، وهو صاحب مدرسة متميزة في كتابة المقال السياسي والافتتاحات والتحليل (أسلوبه السهل الممتنع) إذ قضى عشرات السنين من حياته في العمل الصحفي والأعلامي والثقافي والفكري أذ عمل في الصحافة اللبنانية والسورية والعراقية وعلى يديه قامت مؤسسة (دارالثورة للصحافة والنشر) وهي المؤسسة التي أنجبت اقلاماً عديدة لمعت وأبدعت أعلامياً وصحفياً وفكرياً في أكثر من عاصمة

عربية لأنها مؤسسة قومية لم تقتصر على العراقيين فقط وإنما كانت مفتوحة لجميع الأشقاء العرب، والأستاذ طارق. صاحب فكر ملتزم سخر كل طاقاته لخدمة الأمة العربية وقضاياها المصيرية وله مؤلفات وكتابات وبحوث ودراسات ومشاركات عديدة تصب في هذا المصب.

 

والأستاذ طارق كما هو مجيد في الكتابة باللغة العربية مجيد ومتميز في الحديث والكتابة باللغة الانكليزية وقد كان مثار أعجاب العديد من السياسيين الأجانب لسلاسة لغته وثراء وتنوع ثقافته، وهذا ما كان وراء اعجاب الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتران) في أول لقاء له مع الأستاذ طارق في الاليزيه منتصف الثمانينات إذ عرض، بعد نهاية اللقاء، على الأستاذ طارق.. أن يكون ضيفه يقضي معه عطلته {إجازته الصيفية} في بيته الخاص في الريف الفرنسي ليتطارحا في أمور الثقافة العامة أعجاباً من (ميتران) بشخصيته وثقافته المتنوعة!

وللأستاذ طارق أيضاً، وهذا ما يعرفه المقربون منه، معرفة جيدة بالموسيقي، كما أن له محاولات شعرية جيدة غير منشورة، ولذوقه الرفيع ولمساته المميزة أثرها في قيام صروح ثقافية وفنية وسياحية راقية أمثال (دار الأزياء العراقية) و(مدرسة الموسيقى والباليه) و(معهد الدراسات النغمية) و(الفرقة القومية للفنون الشعبية) و(دار ثقافة الأطفال) و(مؤسسة السينما والمسرح)، ويسجل له أيضاً فضل قيام أهم المرافق السياحية (المدينة السياحية في الحبانية) (البانوراما في سلمان باك) ومن الفنادق التي قامت على يديه وتحت أشرافه مجموعة فنادق (خمسة نجوم) ومجمعات رئاسية استعداداً لمؤتمر بغداد لعدم الانحياز الذي كان مؤملاً انعقاده في عام 1982 لولا الحرب الإيرانية العراقية حيث انعقد في نيودلهي، ومن هذه الفنادق (الرشيد) (المنصور ميليا) و(فلسطين ميريديان) و(عشتار شيراتون) و(بابل اوبروي) و(قصر المؤتمرات) ومجمع الجاردية ومجمع اليرموك ومجمع القادسية لاقامة كبار ضيوف الدولة.

وأتذكر.. أن الشركة المنفذة لفندق (ميريديان) حاولت بمختلف الوسائل. أن تسقط كلمة (فلسطين) ويبقى اسمه (الميريديان) فقط، إلا أن الأستاذ طارق أصرّ مهدداً بالغاء العقد ومقاضاة الشركة فرضخوا وظل اسم (فلسطين ميريديان) مرتفعاً يطل على أجمل شواطئ دجلة الخير؟!

 

كفاءة وذاكرة وعقل منظّم

والمعروف عن الأستاذ طارق أنه كفوء وله ذاكرة قوية وعقل منظم، فهو لا ينسى أي شيء، وكان يثير استغرابي عندما يسأل عن أوراق وملفات كان قد طلب الاحتفاظ بها قبل عدة سنوات ويتذكر أين أمر أن تحفظ؟!! ومن يرجع إلى مؤلفات ومقالات ويحوث وكلمات ومداخلات الأستاذ طارق فيما كتبه أو شارك فيه من مباحثات أو مؤتمرات أو ندوات.. فأنه يلاحظ هذه المنهجية التي تستعرض الوقائع حسب تواريخها وتسلسلها وتدرجها، ففكره منظم، وذاكرته نشطة ولو كتبت له الحياة والخروج من محنته ومنح الوقت الكافي لاستعرض بكل أمانه وموضوعية أحداث السنوات الخمسين لا بل الستين في تاريخ العراق والمنطقة العربية والعالم. وكل هذه الصفات وهذه المنهجية المبرمجة والنزاهة الفكرية والأمانة التاريخية والموضوعية هي ماوراء أصرار أعداء العراق من محتلين وعملائهم على التخلص منه ومن أمثاله من رجالات العراق الوطنيين والشرفاء.

 

أنسانية.. ومروءه

والأستاذ طارق معروف بإنسانيته وأخلاقه العالية وبتواضعه حتى أنه كان يسبق العاملين في مكتبه للسلام عليهم، أما في المناسبات العامة، أعياد وغيرها، فكان وهو عضو القيادة والشخصية العالمية البارزة، يقصد غرفة مدير مكتبه مهنئاً وكذا الحال مع الجميع وهذا ما لا يفعله مدير بسيط!، كما أنه كان يتفقد الجميع ولا يتأخر عن مساعدة المحتاج ولا أذكر أنه سألني أو ردّ لي اقتراحاً بمساعدة أحد العاملين معنا، وفي أيام الحصار الظالم وبعد اشتداد وطأته على أبناء العراق الصابرين، كان الأستاذ طارق، لمعرفته بالمعاناة وعدم كفاية الرواتب والحصص التموينية، عندما يستلم راتبه الشهري يقوم بتوزيع الجزء الأكبر منه بمظاريف مغلقة لأقربائه.. شقيقته وعائلة شقيقه وابن شقيقه، ولا يعرف أي أحد بذلك سواي والأخ أبو فارس (مرافقه) الذي يقوم بأيصال هذه المبالغ شهريا!.

وعندما فقد مرافقه (ابو فارس) عينه في حادث المستنصرية الإجرامي (نيسان 1980) الذي أستهدف حياة الأستاذ طارق.. تكفل بعلاجه وتم أرساله إلى لندن على نفقة الدولة وبمساعدة شخصية من الأستاذ طارق الذي لم يتركه بل، حتى عند أحالته على التقاعد، لم يحرمه من امتيازات عناصر الحماية وكان يشركه في مهمات خارج العراق، وكان في الفترة الأولى يصرف له راتبه من جيبه الخاص وظل الحال حتى نيسان 2003!!

كانت يده على الخير دائماً، مرة قصد المكتب أستاذ فاضل كان زميلاً لي وشغل منصب مدير عام وسفير وانتهى به الأمر أستاذاً في الجامعة المستنصرية.. شكا من عدم كفاية الراتب لحجم عائلته الكبير وأنه لم يعامل بشكل جيد من عمادة الكلية، وعندما اخبرته بذلك.. أتصل بمكتب السيد الرئيس فحصل له على مساعدة بـ (100) ألف دينار ثم كلم السيد وزير التعليم العالي (د.همام) وكان أحد المعاهد بدون عميد فعين عميداً لذلك المعهد، وكان لا يتخّلف عن حضور المناسبات الاجتماعية وبالذات مجالس (الفاتحة) ومرة عاتبني بتألم عندما سمع متأخراً بوفاة (عبد الامير معلة) وكان مديراً للسينما والمسرح ووكيلاً لوزارة الثقافة والأعلام ورئيساً لبيت الحكمة قائلاً- لماذا لم تخبرني لنحضر فاتحته قلت.. أستاذ أنا لم أسمع إلا اليوم ومع الأسف مجلس الفاتحة قد انتهى.

وكم كان متألماً عندما سمع بنبأ مقتل الزميل ابو ايمن (حكمت الهجو) نائب السفير العراقي في عمان، حيث دخل علىّ الأستاذ طارق وكان قادماً من اجتماع للقيادة قائلاً بعصبية وألم.. سامى تدرى قتلوا (حكمت) فزعت وتساءلت باستغراب كيف؟ قال.. قتل بوحشية هو ومجموعة من العراقيين كانوا في بيت أحد العراقيين ثم عرفنا أنه قتل وزوجته بعد أن ذهب بعد الأفطار إذ كان شهر رمضان الفضيل ليسلم جواز سفر لأحدهم وهو صديقه.. فعندما دخل قتل طعناً بالسكاكين.. وعندما تأخر دخلت زوجته تسأل عنه فقتلوها أيضاً. في أول زيارة لنا إلى الخارج، بعد الحادث، مررنا بعمان وكان ضمن المقتولين شقيق رجل أعمال عراقي (صديق) حيث ظن الأخير بأن العراق وراء مقتل هؤلاء.. وعندما التقانا كان الزعل بادياً عليه ولما علم الأستاذ طارق.. قال ما مصلحة العراق في مثل هذه الجريمة البشعة؟ مؤكداً أن ليس للعراق أية صلة بذلك، وبعد مرور سنة وأثناء أحدى السفرات إلى باريس التقينا هذا (الصديق!).. فذكر أن التحقيقات الأردنية اثبتت أن الجناة ليسوا عراقيين!؟ وفي وفاة صديق ورفيق عمره وزوج شقيقته (ابو يعرب) بكى الأستاذ كثيراً وأصرّ على أن يشارك في حمل نعشه ومواراته في قبره، وقد كان حزيناً طلية أيام.

وعندما سجن ابن المرحوم (كاظم جواد) أحد الأدباء والشعراء العراقيين المعروفين والذي كان يدرجة مدير في وزارة الثقافة والأعلام عندما كان الأستاذ طارق وزيراً {وهو بالمناسبة شقيق حازم جواد من قيادات حزب البعث في العراق عند التأسيس واحد قادة ثورة 14 رمضان عام 1963}.. سجن ابنه الذي يحمل ماجستير بامتياز في الفيزياء من أميركا والذي رفض الاغراءات الأميركية بالبقاء والعمل في بلد يعادي العراق!!.. سجن في بغداد لأنه نصب (دش) على سطح داره.. وهو بالمناسبة ابن الشاعرة الفلسطينية المعروفة (سلافة حجاوي) مستشارة الرئيس عرفات في وقتها. تدخل الاستاذ طارق لدى مدير الأمن العامة ولما لم ينفع قصد السيد الرئيس وحصل على أمر بأطلاق سراحه.

وكانت المصلحة العامة فوق كل شيء في قاموس الأستاذ طارق، ذات يوم كان السيد وزير الثقافة والأعلام (حامد حمادي) منزعجاً لتخلف الفنان (كاظم الساهر) عن المشاركة في مهرجان (بابل) الفني منتصف التسعينات قائلاً.. عدم مجيء كاظم سيعرضه الى عدم السماح له بدخول العراق ومنع بث أغانيه!؟ قال الأستاذ طارق، مع أن مشاغله اكبر ومهامه اعظم، ابا رند.. {يقصد وزيرالاعلام} كم كاظم الساهر لدينا؟ ربما لديه ظروفه وأسبابه في عدم الحضور! وقتها لم اسمع ان اي اجراء قد اتخذ بحق الساهر! والذي منعته ظروف البلد انذاك من المجيء ثانية؟! وكان قد أشيع في الشارع العراقي.. أن سبب عدم حضور الفنان كاظم الساهر.. هو تعرضه لمحاولة أختطاف في آخر مرة زار فيها العراق وذلك عند مغادرته براً باتجاه الأردن.

وكان يجير أي أديب أو مثقف أو صحفي أو فنان أو أي مواطن عندما يستنجد به ويرى انه يستحق المساعدة، مما أذكره.. أن الفنانة العراقية الرائعة (هند كامل) قد قبلت في كلية الادارة والاقتصاد عام 1980 وفقاً لمعدلها في الاعدادية وكانت ترغب في أكاديمية الفنون الجميلة لأنها موهوبة وأمها الفنانة المعروفة السيدة (فوزية الشندى) ومع هذا لم يشفع لها في القبول في الاكاديمية، حاولت عن طريق رئاسة الجمهورية في مساعدتها وأخيراً زارتنا في المكتب والتقت مع الأستاذ طارق فتدخل، وكما اعتقد، تم أصدار أمر رئاسي خاص بقبولها في الأكاديمية وأصبحت فيما بعد من الفنانات المرموقات وذات الحضور الجماهيري وقد تزوجت بالمخرج المعروف فيصل الياسري.

وأتذكر وصلتنا رسالة من الفنان المعروف (محمد حسين عبدالرحيم) وهو فلسطيني الأصل ولكنه وعائلته مقيمون في العراق من خمسينيات القرن الماضي.. يستنجد فيها بالأستاذ طارق.. لمساعدته بمنحه موافقة على شراء بيت لعائلته لتورطه ببيع البيت القديم في بغداد، دون علمه بوجود قرار يمنع من لم يولد في بغداد وغير المسجل في إحصاء عام 1957 من شراء أرض أو عقار في بغداد.. الأستاذ رفع طلبه مع توصيه ورجاء الى السيد الرئيس لاستثنائه والموافقة له على شراء بيت، اعتقد أنه تم الموافقة!.

وذات يوم تموزي قائض عام 1979 زار السيد الرئيس صدام حسين موقع (البانوراما) السياحي في منطقة سلمان باك الأثرية، والبانوراما عمل فني ضخم يجسد معركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون على الفرس وطردوا ملكهم الذي كان يتخذ من تلك المنطقة مقراً وسكناً له (حيث ما يزال ايوان كسرى الأثرى شاخصاً هناك)، وحتى كلمة (سلمان باك) هي التسمية الفارسية للصحابي الجليل (سلمان الفارسي)، و(باك) تعني العفيف والنظيف والشريف.. وما أن جلس السيد الرئيس في الكازينو السياحي إلى جانب البانوراما حتى بادر أحد الخدم (النادل) بتقديم زجاجة (سفن أب حار) لسيادته فقال له السيد الرئيس : ابني لماذا المشروب حار؟ قال العامل سيدي فرحتي بسيادتكم جعلتني أجلب الزجاجة دون أن أتأكد من برودتها.. اعذرني سيدي ثم قام بأبدالها.

 

كان مع السيد الرئيس مرافقه وصهره فيما بعد (حسين كامل) الذي أتصل بمدير عام الضيافة في المؤسسة العامة للسياحة ابو خالد (أمير الحلو) مهددّا وواعداً بمعاقبته بسبب فعلة عامله (النادل) وأمره بالمجىء فوراً إلى موقع البانوراما.. يقول أبو خالد.. ذهبت وسمعت من (حسين كامل) كلمات قاسية وخشنة. وخوفاً من الأذى جاء الزميل أمير راجياً الأستاذ طارق الذي كان مشرفاً على الثقافة والأعلام والسياحة باعفائه من مديرية الضيافة وتكليفه بمهمة أخرى تجنباً لمثل هذه الاشكالات.. الأستاذ طارق طمأنه بأنه سيتدخل وينهي الموضوع، وفعلاً.. اتصل وقتها مع (حسين) وأغلق الموضوع!؟!

المخرج المصري (توقيق صالح) هو مخرج فلم (الأيام الطويلة) الذي يمجد نضال حزب البعث وبالذات شجاعة الرئيس صدام حسين ومشاركته بعملية اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم.. بعد انتهاء العمل أهمل المخرج تماماً فيما كرم الأخرون تكريماً مبالغاً فيه.. فالممثلة الناشئة التي مثلت دور السيدة عقيلة السيد الرئيس (ام عدي) قد أغرقت بالذهب والنقود، كذلك بطل الفلم الشاب الغرّ (صدام كامل) الذي أصبح فيما بعد صهر الرئيس هو الآخر كرم بالأموال والهدايا والتي من ضمنها سيارة حديثة وكذا الحال بالنسبة لباقي الممثلين والفنيين إلا المخرج صالح!؟ في زيارته للأستاذ طارق برفقة أمير الحلو أشار بشكل غير مباشر للتكريمات واستغرابه من نسيانه؟! تدخل الأستاذ طارق وكرمه الرئيس التكريم اللائق فضلاً عن الأستاذ طارق الذي ساعده كذلك من نثرية المكتب.

ومن طيبة وكرم وعلو أخلاق الأستاذ طارق وإنسانيته.. أن الرجل الطيب والمؤمن (الحاج حسن) الفراش الخاص بالسيد الوزير (الأستاذ طارق) في وزارة والثقافة والأعلام كان خريج الدراسة الابتدائية وقد شمل بقرار التوظيف لخريجي الابتدائية فأبدلت عناوينهم من عمالية إلى عناوين وظيفية، فأصبح بدرجة (رئيس ملاحظين) إلا أنه بقي في خدمة الأستاذ طارق رافضاً الالتحاق بوظيفيته الكتابية الجديدة قائلاً وعلى مسمع الكثيرين (أنا على وشك التقاعد.. والعمل مع الاستاذ طارق يشرفني ومهما كان نوعه).

 

سجّلْ.. طارق عزيز..

وكان الأستاذ طارق شخصيته محبوبة على الصعيدين العربي والعالمي، وكان حتى الأعداء يحترمونه ويقدرون شجاعته في الدفاع عن بلاده، وكان كثير المساهمات في أبرز النشاطات والفعاليات السياسية والثقافية والفكرية، وكانت رعايته أو حضوره في هذه الفعاليات يعطي لها وزناً وحضوراً متميزاً.. لثقافته الغزيرة ولكفاءته وقدرته على الاقناع وشدّه للمستمع بأسلوبه المحبب وبذوقه الرفيع وحلاوة حديثه.

مرة في مؤتمر للتضامن مع الشعب العراقي والدعوة لرفع الحصار الظالم عنه، عقد مؤتمر للشباب الآفروـ أسيوي في فندق الرشيد عام 1997، وبعد أن انتهى الأستاذ طارق من كلمته وتعقيباته ومداخلاته على كلمات المتحدثين وأجاباته عن الأسئلة.. نهض أحد المشاركين وكان ملثماً على طريقة البرابرة او الطوارق في المغرب العربي، وبعد أن أمتدح الأستاذ طارق وأشاد بكفاءته وثقافته وأخلاصه لقضيته ولكل القضايا العربية أختتم حديثه بقصة طريفة قال.. بعد (أم المعارك) والعدوان على العراق عام 1991.. كثر في ريف بلادنا وفي المناطق الصحراوية تسمية (صدام حسين) إذ راح الناس يطلقون هذا الاسم على كل مولود جديد، الأمر الذي أفزع السلطات فأصدرت أوامرها إلى دوائر التسجيل المدني (الجنسية) بمنع تسجيل أي مولود بهذا الاسم (صدام حسين).. جاء مواطن لم يسمع باوامر المنع. أراد تسجيل اسم وليده باسم الرئيس صدام قال له الموظف.. ممنوع.. اختر اسماً آخر، قال : طيب.. حسين فقط، قال: ممنوع! حاول البدوي أقناع الموظف إلا أن الأخير أمتنع لأوامر عليا؟! فقال البدوي.. طيب بدلا من (صدام حسين) سجّله (طارق عزيز) فضحك من في القاعة.!!

شبكة البصرة

الاثنين 21 شعبان 1436 / 8 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط