بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

طارق عزيز عندما يترجل الفارس العربي صامدا عزيزا

شبكة البصرة

د. عصام صيام

سبحان الله يا للعجب. طارق حنا عزيز يدعو للجهاد كان ذلك عنوان مقالة مثيرة للكاتب المصري الشهير رئيس تحرير صحيفة اخبار اليوم إبراهيم سعده عقب الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990. الكاتب أيضا شن هجوما لاذعا على كل من رفض تدويل الأزمة العراقية الكويتية، وقال في الراحلين الكبيرين الملك حسين وياسر عرفات أكثر مما قال مالك في الخمر لرفضهما مؤامرة حسني مبارك ضد الأمة العربية بدعوته لتدخل أمريكا عسكريا في الخليج بدلا من الإبقاء على الأزمة في البيت العربي. لم يعرف الكثيرون آنذاك أن نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز ينتمي للطائفة المسيحية وقد لجأ إبراهيم سعدة الذي لم ينج شريف أو وطني من قلمه المسموم إلى ذكره باسمه الثلاثي من باب التهكم والسخرية.

 

آمن طارق عزيز بالعمق العربي للعراق وبهويته العربية الوطنية التي رأى فيها الصخرة الشامخة التي تتحطم عليها كل مؤامرات التقسيم والتفتيت. كان مدركا تمام الإدراك أن تعدد الهويات العرقية والطائفية يمثل تحديا كبيرا لا يستهان به لوحدة العراق وسلامة أراضيه لكنه رأى أن انتماء العراق لأمته العربية الكبيرة بمقدوره أن يكبح جماع أطماع بعضهم في الانفصال، وأن هذا الانتماء هو القادر على أن يوحد كل العراقيين بمختلف طوائفهم.

 

كان طارق عزيز، رحمه الله، فخورا بعروبته وبانتمائه للحضارة العربية الإسلامية شأنه في ذلك شأن الكثير من الفرسان وصناديد الفكر القومي العروبي كيعقوب زيادين وحكيم الثورة جورج حبش وميشيل عفلق وإدوارد سعيد وغيرهم من المسيحيين العرب الذين اعتبروا أنفسهم مسيحيين في الولادة مسلمون في الثقافة والانتماء. سمعت هذا الكلام كما سردت في مقالة سابقة من المرحوم طارق عزيز نفسه عندما التقيته في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1996 عندما كان وزيرا للخارجية. سمعت منه ما يثلج الصدر حول عروبته وعشقه لفلسطين التي رأى فيها أم القضايا ومنبع الفخر والكرامة لكل العرب وحكى لي عن حبه واحترامه للملك حسين وياسر عرفات وللشهيد صلاح خلف. أسرد هذه الشهادة في الراحل الكبير وقد انتقل إلى جوار ربه داخل زنزانته بعدما رفض كل المساومات الرخيصة على عروبته وعشقه للعراق الخاصرة العربية. رفض الفارس العربي أن يخون رئيسه صدام حسين أو أن يشهد ضده. خيروه بين الخيانة وبين الثبات على مبادئه ووفائه لرئيسه السابق فاختار الوفاء ولكأن لسان حاله كان يقول: السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

 

كان بإمكان طارق عزيز أن يطيع جلاديه فيما سألوه، وأن يعيش في منفى أوروبي أو جزيرة نائية البقية من عمره في جو من الراحة والترف، لكنه ضرب أسمى وأرقى آيات الوفاء ورفض أن يشهد ضد رفيق دربه أو أن يدين حكمه ويهاجم سياساته وأثر زرد السلاسل ورائحة الزنزانة على أن يكتب التاريخ عنه أنه خان مبادئه وشهد ضد رئيسه ورفيق دربه. مواقف طارق عزيز كافية أن تؤسس مدرسة في العزة والكرامة والوفاء بغض النظر عن المواقف السياسية للرجل. يجب أن لا نكون بعثيين اشتراكيين حتى نقف إجلالا وإحتراما لهذا الفارس الذي ترجل عزيزا كريما لم يبدل ولم يغير في زمن اصبح الثبات على المبادئ والقيم سلوكا شاذا لا يليق إلا بالضعفاء والفقراء.

 

يجب أن لا نكون ممن صفقوا وهللوا لقرار صدام حسين... بغزو الكويت حتى نحترم رجلا عزيزا مثل طارق عزيز وهو الذي أصر أن يعيش رجلا ويموت رجلا في زمن عز فيه الرجال. رحم الله طارق عزيز إذ أفضى إلى ما قدم بعدما أغاظ سجانيه بصموده وثباته برغم مرضه وشيخوخته. سيبقى أبو زياد رمزا للرجولة في زمن أشباه الرجال.

شبكة البصرة

الاربعاء 23 شعبان 1436 / 10 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط