بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

طارق عزيز الذي عرفته: نموذج للعروبي المتشرِّب ثقافة أمته المسلمة

شبكة البصرة

ليث الشبيلات

ما تخيلت يوما أن تتطور علاقتي كمواطن بسيط بالزعيم التاريخي الشهيد صدام حسين وأركانه العظام، من أمثال فقيدنا الجديد طارق عزيز، إلى مثل هذه الدرجة التي أنا فيها اليوم.

كنت وحتى المراحل الأولى من حياتي السياسية أنفر منه ومنهم وأعتقد أنهم، مثلهم مثل باقي الزعامات، غارقون ظاهرياً فقط في الشعارات الوحدوية والكلام عن النزاهة والعفة، خصوصا وأن شدة الرئيس وسهولة إيقاع الإعدام بمن يخالفونه وطغيان الدولة الأمنية كان وما زال مما لا يمكن لمطالب بالحريات السياسية، مثلي، أن يرضى عنه، إلى أن بدأت تحضيرات الغزو الغربي والعربي العميل للعراق.

فكان القرار صعبا للغاية على الكثيرين منا! أنسكت على غزو أجنبي على أرض عربية وإسلامية لأن حكمها فردي أم إن أولوية مقاومة الغزو تتقدم على أية أولية أخرى؟ فاتخذت الغالبية الساحقة منا قرار الوقوف مع العراق في المحنة الجديدة لأن المعركة أصبحت معركة وجود لا معركة مطالب وحقوق.

وعجباً كيف تتغير المواقف السياسية، بعضها بسبب تغلب أولوية مبدأ على مبدأ آخر، والبعض الآخر بسبب النفاق المفضي إلى الميل مع الرياح الهابة. ففي الوقت الذي كنا فيه نختلف بشدة مع الرئيس صدام حسين وطارق عزيز ورفاقهم كان الملك حسين الراحل غارقاً في محبة عميقة حقيقية لا يشك بها بشخصية الرئيس صدام، حتى أن الرئيس مضر بدران وهو الذي ما زاغ عن حب العراق لحظة، وهو الذي ركب سيارته في أول يوم قصف لبغداد يوم 16 كانون الثاني من عام 1991 وفاجأ زملاءه العراقيين بوجوده بينهم في بغداد لدعمهم، قال لي بعد ذلك بسنوات: لقد أتعبنا الملك ونحن نحاول انقاذ الأردن من الغضبة الدولية قائلين له: يا سيدي إن الوضع الدولي لا يحتمل سماعك مصراً على إطلاق ألقاب الإعجاب بالرئيس صدام مثل الفارس والبطل وغيره.

أما نحن فقد غيَّرنا غزو العراق. وأما الملك فقد صمد أمام الضغوط الهائلة لبضعة سنوات قبل أن تضطره شدة الضغط الدولي، وضعف جدية الضغط المعارض المحلي لكي ينحني للعاصفة.

فلنذكر بأن الشعار الجاد "ارفعوا الحصارالرسمي الأردني عن العراق" الذي أصررنا دون نجاح على المعارضة ان تتبناه بدلا من الشعار غير الجاد و"الفالصو" الذي في ظاهره الرحمة ومن قبله العذاب "ارفعوا الحصار عن العراق" والذي لم يكن يزعج حكومتنا المطبقة للحصار، لم تقو المعارضة على حمله وتهربت منه بل واتهم بعضهم أهدافنا من ورائه. رغم أننا عندما طرحناه مع ثلة من النشطاء تسبب في استنفار الدوائر ابتداء من الديوان الملكي مرورا بالرئاسة وصولا إلى المخابرات. وأرسل رئيس الوزراء نائبه صديقنا المهندس علي السحيمات الذي التقيناه في عزاء فقيدنا في اليومين الماضيين لمفاوضتنا على التخلي عنه إذ قال لجمعنا إن هذا شعار يتهمنا!

فأجبناه: بالضبط هذا هو المقصود!

بالنتيجة أصبحنا مرة أخرى على طرفي نقيض مع النظام ولكن بتبدل المواقع.

وبهذه المناسبة يجدر بي أن أذكر المستوى الخلقي الرفيع جدا للرئيس صدام حسين وقد حاصرته بنذالة جموع الزعامات العربية قبل الأجنبية، إذ لم أسمع منه أية كلمة مسيئة لا للملك الراحل الذي كان يحبه رغم كل شيء ولا يذكره إلا بأبي عبدالله، ولا لأي زعيم عربي آخر غير جدير لا بالمحبة ولا بالاحترام، رغم أنني حظيت بجلستين منفردتين طويلتين جدا معه (3 ساعات 3 ساعات) إحداها بحضور فقيدنا الراحل الفارس طارق عزيز..

وفي مثل هذه الجلسات مع أي زعيم آخر تتوقع أن ترى من هو في مقام طارق عزيز مصطك الركب مكررا رأي رئيسه فقط، ولكن ليس طارق عزيز! ولا طه يسين رمضان! ولا العديد من أركان صدام حسين.

كان أبو زياد يشارك في الحديث والرأي بنبرته المعهودة على قدم المساواة في جلسة طويلة مع رئيسه ورفيقه وضيفهما الأردني. أخلاق رفيعة تلك الأخلاق، فنحن الواقفون مع العراق كانت أدبياتنا توسع الزعامات العربية المشاركة بالغزو أو الساكتة عنه شتماً، ولكن أبا عدي وأبا زياد وأبا نادية لم يتلفظوا حتى في جلساتنا الخاصة بأية شتيمة أو وصف تحقيرلأي من الزعماء العرب. ولم يذكر أبو عدي حتى خصمه اللدود الرئيس حافظ الأسد، الذي وصل به الأمر لوضع سورية (البعثية) في تحالف عسكري مع الغزاة الفرنجة المستعمرين في حفر الباطن، بأي وصف جارح. تلكم بعض أوصاف أولئك الرجال نتركها لمن هو مؤهل ليحكم على مثل هذا المستوى من الرجالات وليس للرويبضات.

عندما اشتدت الأزمة وبان أن الحرب لا مفر منها قال لي أبو زياد: وما يضرنا؟ لقد تعودنا في شبابنا على النضال وعلى السجون ويريدوننا أن ننحني لنتفادى ذلك. لكننا مستعدون للعودة إلى ذلك مرة أخرى، وهكذا كان فقد صدق في قوله "سنثبت ولن نتغير. نحن البعثيين بخاصة والعراقيين بعامة بوصلتنا تحرير فلسطين وإقامة الوحدة العربية ونحن ندفع ثمن هذا المبدأ راضين صابرين".

أعلمني مرة بأن رئيساً أردنياً، لن أذكر اسمه، نصحه بضرورة إبداء مرونة مع العدو الصهيوني فأجابه أبو زياد "يا فلان كلما خاض العرب حرباً مع الصهاينة خضناها كعراقيين معكم منذ العهد الملكي لم نتخلف يوما وقدمنا الشهداء، وفي كل مرة توقعون فيها هدنة أو تفاوضون كنا لا نشارككم ذلك. يا فلان أتريد منا البعثيين بعد هذا العمر أن نفعل اليوم ما لم يفعله نوري السعيد؟!".

لم يكن طارق عزيز ورفاقه نكرات زينات مملكات حول زعيمهم الشهيد، كانت عند كل واحد فيهم الشخصية والإرادة والفهم ما يؤهله أن يحكم مجموعة دول لا دولة واحدة. عروبيون أوفياء، أصحاب مروؤة وشهامة، كشفت محنة الاحتلال معدنهم الصافي. لم ينهر أي منهم طاعنا في رئيسه طلباً للنجاة. لم يكن بينهم وبين العيش الراغد خارج العراق سوى كلمة نذالة واحدة لم تكن في قاموسهم. كانوا يجلسون على ثروات الأمة العربية في العراق، هكذا كانوا يؤمنون: يؤمنون أنها ثروة الأمة الموجودة حصة وافرة منها في العراق، وليست ثروة العراق فحسب.

أمناء على ثروة أمتهم الحبيبة، لم يستطع المحتلون الأنذال وصبيانهم العرب أن يجدوا حساباً حراما واحدا لأي منهم. ليس لدى معظم عائلاتهم اليوم ما يعينهم على شظف العيش. فبئس القوم نحن المجتمعين هنا وفي أية بقعة عربية ندعي الوفاء لمبادئنا ولأصدق من حملها من الرجال والنساء، إن نحن لم ندفع ضريببة ادعاءنا الوفاء بالسؤال الملح الجاد عن أحوال عائلاتهم.

طارق عزيز كان يبز عمالقة السياسة الخارجية الدولية من أمثال غروميكو وكيسنجر ومحمود رياض، لا بل لا تجد له نظيرا في مسؤولي خارجية الدول العظمى اليوم، يتوقف قلبه عن الحياة في سجون لسقط متاع الأمة ومصارفها الصحية في الوقت الذي يتسلق فيه أقزام كراسي المسؤولية الخارجية في معظم الوطن العربي!

حدثتني الشخصية الوطنية المناضلة الدكتور سطام الكعود أن حظه من زنازن كوبر كان رقم 26 والتي كانت قرب زنزانة فقيدنا العظيم ورقمها 25 وكانوا لا يتشاوفون ولكن تصلهم الأصوات. ولما عرض على الأستاذ طارق أن يتحدث إلى التلفزيون بحديث يدين فيه الحزب وينتقد صرف المبالغ الكبيرة للمجاهدين الفلسطينيين وعائلات شهدائهم بأموالٍ المواطنون العراقيون أولى بها تسرب خبر رفضه في السجن. وكان نزلاء الزنازين القريبة يسمعون أبا زياد يتحدث وكأنما يتحدث لنفسه عندما يسمح له بالمشي في الممر قائلاً "لقد تخطيت السبعين سنة وأنا على وشك الموت وستبقى فلسطين قضية الحزب المركزية وسنبقى ونموت على ذلك". ولن ينس أبناء الأمة ما شاهدوه من تصوير بقوله "لقد تشرفت بالخدمة مع الرئيس القائد صدام حسين" متحدياً فيه رئيس المحكمة الذي يحاول إسكاته.

وفي الختام فإن من أرق ما يجب أن يعرف عن الرجل الفذ العملاق طارق عزيز تشربه العميق بثقافة أمته التي عاش من أجل نهضتها ولغتها ورسالتها الخالدة: رسالة القرآن. فقد كان يسمع من زنزانته قراءة رفاق له يسمح لهم بالجلوس مدة قصيرة من الوقت على طاولة غير بعيدة عن زنزانته يمضون تلك الفترات في قراءة القرآن. فكان صوته يجلجل معترضا على طريقتهم في القراءة مناديا: "شنو هالقراءة؟ أما تعلمتم التجويد؟ هذا إدغام! هذا إقلاب! أين ذهبتم ب "يرملون" (أحرف الإدغام)؟ أين كنتم أثناء الحملة الإيمانية؟!

ذلك هو طارق عزيز، العزيز على قلب كل عربي مناوئ للاحتلال الفرنجي أو للهيمنة الإيرانية التي رقصت وما زالت ترقص التانغو مع المحتل الأميركي في تبادل للأدوار مريب. نذكره في سفر العمالقة، ولو تعلمنا منه الثبات على المبدأ لكفانا.

كان شرفاً كبيراً لي أن تعرفت عليه عن كثب مما جعل مصابي فيه أعمق.

وجهات نظر 18/6/2015

شبكة البصرة

الخميس 1 رمضان 1436 / 18 حزيران 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط