بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ما لا تتوقع وروده في نص الإتفاق النووي الأميركي- الإيراني

شبكة البصرة

علي حسين باكير

معظم النقاش الذي يدور اليوم حول نص الاتفاق النووي إنما يركّز على الخطوط العريضة والقضايا الأساسية الكبرى التي يعتقد المشككون أنّها ليست بالصرامة التي قال أوباما بنفسه أنه يحرص عليها، وقد تبين أنّ كثيراً من هذه القضايا الأساسية تتناقض حقيقة مع الوعود التي قطعتها إدارة أوباما سابقا، وهي لا ترقى حتى للمعايير التي قامت بتحديدها بنفسها للإتفاق المقبول والجيد.

المثير للإهتمام أنّ مراجعة نص الإتفاق تضعك أمام الكثير من التفاصيل الصغيرة المدفونة على شكل ألغام قابلة للإنفجار خلال أي مرحلة من مراحل الإتفاق. وبمراجعة سريعة لنص الصفقة التي تقع في 159 صحفة، سيجلب إنتباهك الكثير من القضايا التي لم يكن أحد يتصوّر ورودها في نص الإتفاق، لعل أهمّها على الإطلاق ما يلي:

1) إجراءات إيران الواردة في الإتّفاق "طوعيّة"!

الإتفاق ينص في فقرة من سطرين ترد مباشرة بعد إنتهاء المقدّمة التي تبلغ خمس صفحات، على ما يلي "إيران....ستتّخذ الإجراءات الطوعيّة التالية (يذكر التقرير فيما بعد الاجراءات التي تتضمن مواضيع التخصيب والابحاث والتطوير والتخزين ومفاعل أراك واجراءات الشفافية وبناء الثقة...الى آخر ما ورد في الاتفاق) ضمن السياق الزمني المفصّل في نص (JCPOA) وملحقاته". وقد وردت كلمة "الاجراءات الطوعيّة" مرتبطة بإيران في خمس حالات على الأقل.

لست خبيراً قانونياً بالتأكيد، لكن ما معنى أن يرد في نص الإتفاق وبالخط العريض مثل هذه الجملة التي تقول أنّ الإجراءات طوعيّة! لا يبدو أنّ هناك خط فاصل بين الإجراءات الملزمة لإيران والإلتزامات المفروضة عليها من جهة، وبين الإجراءات الطوعية. والحقيقة من خلال نص الإتفاق وعبر ما ورد في هذه الفقرة، فإن الإجراءات التي من المفترض أنها إلزاميّة تُعرّف على أنّها طوعيّة!

ألا يتيح ذلك لإيران مثلاً في مرحلة من المراحل التراجع عن/أو تعليق/أو تأخير تطبيق بعض أو كل إلتزاماتها؟ ماذا إذا قالت إيران فيما بعد أنّها تتعرّض للإكراه من أجل تنفيذ أو متابعة تنفيذ هذه الإجراءات وأنّ ذلك عمل غير مبرر أو غير قانوني على إعتبار انّه من المفترض أنّ هذه الإجراءات طوعيّة؟ ألا يعني موضوع "الإجراءات الطوعيّة" أنّ إيران لا يمكن أن تكون في حال من الاحوال في وضع تخرق فيها إلتزامات مفروضة عليها في نص الإتفاقية على اعتبار أنّها إجراءات طوعيّة!

 

2) مصطلحات مائعة وتعابير مطّاطة

الإتفاق يتضمن عددا كبيرا من المصطلحات المائعة غير المحددة والتي يمكن تفسيرها بأوجه مختلفة ويمكن التذرع بها أيضا في حالات مختلفة لإيقاف إلتزامات الأطراف أو تعليقها أو تعطيلها أو تأخيرها دون أن يكون هناك إجراء حقيقي فوري لمعالجتها لأنّها أمور إستنسابيّة.

ومن الغريب جداً في إتفاقية تقول إدارة أوباما أنها جيّدة، أن يرد هذا الكم الهائل من المصطلحات المطّاطة. نستطيع ان نجد مثلا "النوايا الحسنة"، "الاحترام المتبادل"، "بشكل عام"، "اجراءات طوعية"، قضايا/منشآت "ذات الصلة"، "الاجواء البنّاءة"، حل "مرضٍ"....الخ. أمّا كلمة "تفتيش" على سبيل المثال والتي من المفترض أنّها مهمة جداً لم ترد سوى ثلاث مرّات وبشكل سطحي غير متعلق بفحوى المضمون النووي، ولكننا سنعرف فيما بعد لماذا لم ترد كما كنا نتوقع.

 

3) لا يمكن لأميركا إعادة فرض العقوبات المفروضة على إيران بعد رفعها!

تقول النقطة رقم 26 تحت عنوان "العقوبات" في السطر السابع، ما يلي "الإدارة الأميركية بما يتّسق مع دور الرئيس الأميركي والكونغرس سوف تمتنع عن إعادة إدخال أو إعادة فرض العقوبات المحددة في الملحق الثاني والتي أوقفت تطبيقها بموجب هذا الإتفاق......الإدارة الأميركية بما يتّسق مع دور الرئيس الأميركي والكونغرس سوف تمتنع عن فرض عقوبات نووية جديدة". وطبعا هذا النص يتناقض كلياً مع مفهوم (snap back) وإعادة فرض العقوبات على إيران لاسيما الشطر الأول منه، ويمكن في أفضل الأحوال أن يؤسس لحالة نزاع وتتذرع إيران به لإيقاف تنفيذ إلتزاماتها كما سيرد.

 

4) الاتفاق يمكّن إيران من إيقاف تنفيذ ما يترتب عليها من إلتزامات!

الفقرة نفسها المذكوره أعلاه تقول "إيران ستتعامل مع إعادة إدخال أو إعادة فرض العقوبات المحددة في الملحق الثاني أو مع إعادة فرض عقوبات نووية جديدة على أنّها أرضيّة أو سبب لإيقاف تنفيذ إلتزاماتها بموجب الإتفاق كلياّ أو جزئيا".

أيضا في مكان آخر من الإتفاق وتحت عنوان "آلية حل النزاع" في النقطة رقم 36، هناك نص على أنّه إذا حصل نزاع أو إختلاف وتم إحالته الى اللجنة المخوّلة بحث النزاع، وإذا ما تم إستنفاذ كل الإجراءات المنصوص عليها لحل الخلاف ومع ذلك لم يقتنع الطرف المشتكي بهذه الجهود أو بالحل الذي تم تقديمه، يمكن له بموجب النص الوارد في الإتفاق أن يعتبر أنّ الأمر يشكّل أرضيّة لأن "يوقف تنفيذ إلتزاماته كليّا أو جزئياً و/أو يبلغ مجلس الأمن بأنّه يعتبر أن الموضوع -الذي تسبب بالنزاع- يشكّل حالة خرق خطيرة للإتفاق"!

 

5) لن يسمح بمفتشين أميركيين على الاطلاق!

ورد في الإتفاق تحت عنوان "التكنولوجيا الحديثة والتواجد طويل الامد"، النقطة 67، الفقرة الرابعة ما نصّه "إيران سترفع من عدد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى حدود ما بين 130 و150 فردا خلال الأشهر التسعة الأولى من تاريخ تطبيق الإتفاق، وستسمح بشكل عام بتعيين مفتشين من الدول التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إيران بما يتماشى مع القوانين والأنظمة". ولنا ان نتساءل هنا أيضا عن معنى "بشكل عام"، وهل إيران منخرطة في عملية إختيار جنسية المفتّشين وكيف لهذا أن يساعد حقيقة في ضمان عملية التفتيش شفافة ونزيهة؟

 

6) أميركا ستحمي البرنامج النووي الايراني من أي عملية تخريب خارجية!

ورد في القسم تحت عنوان "السلامة النووية، واجراءات الوقاية والأمن" في النقطة رقم 10 في الفقرات الثانية والثالثة ما يأتي:

- "التعاون في دورات التدريب وورشات العمل لتقوية قدرة إيران على منع/الحماية من/والرد على التهديدات الأمنية النووية للمنشآت والأنظمة النووية، الى جانب إتاحة أمن نووي فعّال ومستدام وأنظمة حماية مادّية" (يعني للمنشآت).

- "التعاون من خلال التدريب وورشات العمل لتقوية قدرة إيران للحماية ضد/والرد على التهديدات الأمنيّة النووية بما في ذلك التخريب، بالإضافة الى إتاحة أمن نووي فعّال ومستدام وأنظمة حماية مادّية".

بموجب هذه الفقرة هناك إلتزامات على الولايات المتّحدة وآخرين بحماية ليس البرنامج النووي الإيراني فقط وإنما المنشآت الفعلية أيضا والأجهزة من أي عملية تخريب بما فيها الخارجية سواء عبر القصف الصاروخي أو الهجمات الإلكترونية.

عندما سُئِل وزير الخارجية جون كيري في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في 23/7 عمّا إذا كانت هذه الفقرة تعني وجود إلتزامات أميركية بالدفاع الفعلي و"الحسّي/المادي" عن برنامج إيران النووي ضد أي عملية تخريب خارجية من قبل خصوم إيران أو ممن لم يعجبهم الإتفاق أو يوافقوا عليه، سواء (إسرائيل) أو أي دولة في العالم، والرد على عمليات التخريب التي قد تصيب البرنامج النووي الايراني، لم ينف كيري هذا الأمر، أراد التهرّب منه لكن انتهى به الامر ليؤكد المفهوم وبشكل أكثر تفصيلا ليتضمن "الحماية من الهجمات الإلكترونية" ايضا! اذ قال كيري "الهدف هو الحصول على ضمانات طويلة الأمد بينما ندخل عصر الحروب الإلكترونية التي تعتبر مثار قلق من الجميع....إذا كنت ستحصل على قدرات نووية، فمن الواضح أنّك تريد أن تكون قادراً على أن تكون متأكدا من أنّ هذه القدرات النووية- محميّة بشكل مناسب"!

 

7) إيران ستفتش نفسها بنفسها!

ترد كلمة (IAEA) "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" 117 مرة في نص الإتفاق للدلالة على أهمّية ومحوريّة الدور الذي تلعبه المنظمة لاسيما في موضوع التفتيش والمراقبة الذي يعدّ جوهر فكرة ضمان عدم حصول أي عمليات غش وخداع، وللتأكد من أنّ كل شيء يسير على ما يرام.

لكن الإتفاق النووي لم يذكر أنّ هناك إتفاقاً سرّياً تم التوصل إليه بموازاته بين كل من الوكالة وإيران لاسيما فيما يتعلق بالإجابة على ماضي إيران النووي والإشتباه بالبعد العسكري لبرنامجها. الإتفاق السرّي المضمون، والذي تبيّن أنّه لا يحق لأحد الإطلاع عليه بما في ذلك الكونغرس الأميركي، علم عدد من أعضاء الكونغرس (مايك بومبيو، وتوم كوتون) بشأنه بالصدفة عندما كانوا في إجتماع في فيينا مع مسؤول من الوكالة أكّد لهم أنّ مضمونه سرّي ولا يحق لأحد الإطلاع عليه.

في جلسة الإستماع لجون كيري أمام لجنة الشؤون الخارجية في 23/7، فجّر السيناتور جيمس ريتش قنبلة عندما كشف أنّ جزءاً من الإتفاق السرّي والذي يتضمن أيضاً التعامل مع موقع "بارتشين" العسكري الايراني ينص على أنّ الإيرانيين سيقومون بأنّفسهم بأخذ عيّنات من الموقع ويسلّموها الى الوكالة الدولية للطاقة الذرّية لفحصها. بمعنى آخر، الإيرانيين سيفتشون أنفسهم بأنفسهم!

تفاجأ المستمعون بهذا الكلام، فسأل السيناتور بوب مينديز الوزير جون كيري في نفس الجلسة "هل صحيح بأنّ الايرانيين هم من سيأخذ العيّنات من بارتشين"؟!، وكان جواب كيري بانّ هذا الموضوع جزء من إتفاق سرّي بين الوكالة وإيران.

 

8) القيود على نشاطات إيران الصاروخيّة لم تعد ملزمة!

النص الذي سأنقله الآن لم يرد في الإتفاقية وإنما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر في 20/7/2015 للمصادقة على الإتفاق النووي الأميركي- الإيراني، وهو بهذا المعنى مرتبط أيضا بالاتفاق. يقول القرار 2231 في الملحق (ب) في الفقرة رقم 3 "إيران مدعوّة الى عدم القيام بأية نشاطات متّصلة بالصواريخ الباليستيّة المصممة لكي تكون قادرة على حمل رؤوس نووية بما في ذلك وسائل الإطلاق كتكنولوجيا الصواريخ البالستيّة، حتى مرور 8 سنوات على تبنّي الاتفاق النووي أو حتى اليوم الذي تقدم فيه الوكالة الدولية للطاقة الذريّة تقريرا تؤكّد فيه الإستنتاج الأوسع إذا ما تم ذلك قبل الحالة الاولى".

لكن وفقا لقرار مجلس الأمن السابق رقم 1929 الصادر إستناداً الى الفصل السابع في العام 2010 في الفقرة رقم 9 والمعنيّة بنفس الموضوع والتي تم بموجبها فرض الحظر على أنشطة إيران الصاروخيّة، فان الصياغة كانت على الشكل التالي "لا يجوز لإيران أن تقوم بأي نشاطات متصلة بالصواريخ الباليستيّة المصممة لكي تكون قادرة على حمل رؤوس نووية بما في ذلك وسائل الإطلاق كتكنولوجيا الصواريخ البالستيّة، وعلى الدول أن تتخذ كافة التدابير اللازمة لمنع نقل التكنولوجيا أو المساعدة التقنية إلى إيران المتعلقة بمثل هذه الأنشطة".

الفرق في الصياغة بين الفقرة الأولى (الجديدة) التي تتضمن "دعوة" وبين الفقرة الثانية (القديمة) التي تتضمن"منعاً" واضحٌ جدا، فالاولى لغتها غير ملزمة وهي تقوم على دعوة، بينما الثانية قاطعة في المنع ويترتب على خرقها تبعات قانونية ايضا.

الجزيرة 3/8/2015

شبكة البصرة

الاربعاء 20 شوال 1436 / 5 آب 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط