بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الرسالة المفخخة

قراءة موضوعية في رسالة "الخميني" التي قتلت "محمد باقر الصدر"

شبكة البصرة

بلال الهاشمي

عندما بدأت تحركات ومواقف "محمد باقر الصدر" تثير الريبة تم وضعه تحت الرقابة والمتابعة، كإجراء أمني أقل ما يكون في دولة تحاول أن تحافظ على أمنها ووحدة شعبها من التهديد الطائفي القادم من وراء الحدود، وقد كانت مواقف "الصدر" معلنة وواضحة خصوصاً في تأييده لثورة "الخميني"، التي رفعت شعار "تصدير الثورة للدول المجاورة"، معتمداً في هذا الثبات والموقف المعلن على أتباعه ومرجعيته ولقب آية الله، الذي منحه حصانة من حبل المشنقة، وفي خضم الأحداث الجارية في تلك الفترة الحرجة أرسل "الصدر" تلميذه وأقرب المقربين له "محمود هاشمي الشاهرودي" إلى إيران ليكون ممثلاً عن مرجعيته وحلقة وصل بينه وبين "الخميني"، ولم تمضي فترة قصيرة على وصول "الشاهرودي" إلى إيران حتى سربت وكالة الأنباء الإيرانية خبراً مفاده أن "الصدر" ينوي مغادرة العراق نتيجة الضغوطات التي يتعرّض لها من قبل السلطة!!، ونسب الخبر لمراسل الوكالة في "شيراز"!!، وعلى ضوء هذا الخبر، أرسل "الخميني" برقية للصدر عبر البريد العادي، وكذلك أذاعتها إذاعة طهران الناطقة باللغة العربية، والناشطة ضد الحكومة العراقية، وهذا نص الرسالة...

"سماحة حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد محمد باقر الصدر دامت بركاته، علمنا أن سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق بسبب بعض الحوادث، إنّني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف مركز العلوم الإسلامية، وإنّني قلق من هذا الأمر، آمل إن شاء الله إزالة قلق سماحتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

لو دققنا في الرسالة وتوقيتها وطريقة ارسالها سنرى أنها رسالة مفخخة غايتها نسف "محمد باقر الصدر"، فهي تحمل بين طياتها حكماً بالإعدام لا يقبل التأخير.

أولا.. توقيت الرسالة

كان توقيت الرسالة في فترة حرجة جداً، فقد كانت أنظار الأجهزة الأمنية مسلطة على "محمد باقر الصدر" على مدار الساعة، يعدون حتى أنفاسه، ومن المؤكد إن "الخميني" كان على علم بكل التفاصيل، على أقل تقدير أن "الشاهرودي"، الذي وصل لإيران قبل أيام قليلة، قد نقل صورة مفصلة عن وضع "الصدر"!!.

 

ثانياً.. طريقة أرسال الرسالة

أمر "الخميني" بإذاعة الرسالة عبر الإذاعة العربية، بحجة عدم وصول الرسالة في البريد العادي!!، دون أن يراعي ظروف "محمد باقر الصدر" وأمنه، خصوصاً في تلك الفترة، وهكذا فعل لا يفسر إلا بأمرين، (إما) أن يكون تحدياً من "الخميني" للحكومة العراقية، وهذا طيش وأستهانة غير مبررة، (أو) هي خطوة لفضح الصدر أمام الأجهزة الأمنية، والأمر الثاني هو المرجح، لسببين:

السبب الأول.. لم يسبق "للخميني" أن تواصل مع أتباعه داخل إيران عندما كان في المنفى بهذه الطريقة العلنية، رغم وجود إذاعة ناشطة ضد إيران تبث من النجف، خصصتها له الحكومة العراقية (البعثية)!!، لأنه بكل تأكيد يريد أن يحمي جماعته من أجهزة "الشاه" الأمنية!!.

السبب الثاني.. نقلت إذاعة طهران الناطقة باللغة العربية تسجيل صوتي منسوب إلى "محمد باقر الصدر"، يرد فيه على رسالة "الخميني"، جاء في التسجيل..

"آية الله العظمى، السيد المجاهد، الإمام الخميني (دام ظله)، أستمعت إلى برقيتكم التي تعبر عن تفقدكم الأبوي لي، وإني إذ لا يتاح لي الجواب برقياً لأني مودع في زاوية البيت لا يمكن أن ارى أحد أو يراني أحد، لا يسعني إلا أن اسأل المولى سبحانه وتعالى أن يديم ظلكم مناراً للأسلام ويحفظ الدين الحنيف بمرجعيتكم القائدة، كما اسأله تعالى أن يتقبل منا العناء في سبيله، ويوفقنا في الحفاظ على عقيدة الأمة، فليست حياة أي انسان بقدر ما يعطي لأمته من وجوده وحياته وفكره، وقد أعطيتم من وجودكم وفكركم للمسلمين ما سيظل على مدى التاريخ مثلا عظيماً للمجاهدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

أذا كانت حجة "الخميني" بإذاعة رسالته الموجه للصدر هي عدم وصولها بالبريد العادي فما هو سبب إذاعة رد "الصدر" على الرسالة؟!، مع العلم أن "الصدر" رد على الرسالة بمكالمة هاتفية تم تسجيلها ومن ثم إذاعتها!!.

 

ثالثا.. مرجعية الصدر

بدأ "الخميني" رسالته مخاطباً "محمد باقر الصدر" بـ"حجة الأسلام والمسلمين"، رغم أن الصدر مرجعاً دينياً له مقلدين ويحمل لقب "آية الله"، وقد أتهم البعض "الخميني" بمحاولة تهميش مرجعية "الصدر"، التي بدأت تتسع قاعدتها بفترة قصيرة لتعبر الحدود إلى إيران مع "الشاهرودي"، والمتوقع أن يكون للصدر حضور قوي أيضا في الشارع الشيعي اللبناني لقرابته من "موسى الصدر" (المختفى قبل أكثر من عام)، والمعروف إن "الخميني" لا يريد له منافسا مثل "محمد باقر الصدر" على الساحة الشيعية، فهو يريد أن يستفرد بالقرار السياسي والفتوى الشرعية، كما إن آل الصدر من أصول عربية، ومرجعية من آل الصدر قد تعرب الحوزة العلمية والمؤسسة الشيعية التي احتكر قيادتها رجال دين فرس، أما السيد "الحسني الصرخي"، وهو مرجع ديني ينادي بتعريب المرجعية الشيعية، يرى أن "الخميني" أراد نسف مرجعية "الصدر"، ليرفع عنه الحصانة التي تبعده عن حبل المشنقة، أي عكس (الحيلة) التي أنقذت رقبة "الخميني" من حبل المشنقة عام 1963 عندما حكم عليه القضاء الإيراني بالإعدام، فقد أرسل المرحوم "كاظم شريعتمداري" (قتله الخميني بعد وصوله للسلطة)، رسالة إلى الشاه "محمد رضا بهلوي" يخبره إن "الخميني" مرجع تقليد لا يجوز الحكم عليه بالإعدام، مع العلم أن "الخميني" لم يكن مرجع تقليد!!، وليس له رسالة علمية تؤهله لأن يكون مرجعاً!!، فاستبدل الشاه حكم الإعدام بالنفي إلى تركيا، الجدير بالذكر أن "الخميني" في تأبينه لـ "محمد باقر الصدر" بعد تنفيذ حكم الإعدام ذكره بـ "آية الله"!!!!.

 

رابعا.. موضوع الرسالة

مغادرة "محمد باقر الصدر" للعراق مجرد إشاعة مصدرها مراسل وكالة الأنباء الإيرانية في "شيراز"، مما يدل على أن القضية مفبركة من قبل الإعلام الإيراني، لصالح جهة معينة، والغرض إيصال رسالة إلى الأجهزة الأمنية العراقية، تشير إلى أن "الصدر" ينوي تكرار تجربة "الخميني" بالتحشيد وقيادة ثورة داخلية من الخارج، وحتى يتم تأكيد الخبر للجهة المقصودة وجه "الخميني" رسالة تتحدث فقط عن هذا الموضوع!!، وعن هذا يقول "محمد رضا النعماني" في كتابه (الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار)، أن "الصدر" تفاجئ، فلم يكن في نيته مغادرة العراق!!، ولو توقفنا عند هذه النقطة سنرى بوضوح أن مفاجئة "الصدر" لم تكن بسبب الإشاعة نفسها، لماذا يتفاجئ من خبر كاذب لاقيمة له!!، لكنه بلا شك لم يقتنع بكونه موضوع عابر أو مجرد خبر مسرب، وإلا لأختصر "الخميني" الطريق وأستفسر من "الشاهرودي"، الذي وصل قبل أيام معدودة إلى إيران مبعوثاً من قبل "الصدر"!!، ومن المؤكد أن "الصدر" لم يجد تعليل منطقي لهذه القضية، أو أنه رآى فيها غاية إيجابية تفسيرها لدى "الخميني"، ولهذا تركها معلقة دون أن ينفيها أو يؤكدها في رده على رسالة "الخميني".

 

خامسا.. الصدر ما بين النية وتوجيهات الخميني

جاء في رسالة "الخميني" قوله.. "علمنا أن سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق"، وهذا النص يحتوي على إشارات غاية في الأهمية، سيأخذها المراقبين بنظر الأعتبار، فالخبر الذي يتناقله الإعلام ليس بالضرورة أن يكون صحيح، لكن عندما يتحدث عنه شخص مثل "الخميني"، فأن الخبر سيكون أكبر من مجرد إشاعة التقطها الإعلام وبثها، خصوصاً وإن "الخميني" في رسالته قال (علمنا) ولم يقل (سمعنا)، كما سمع الاخرين من الإعلام، ويظهر من هذا القول أن هناك مصدر آخر لهذا الخبر غير الإعلام، قد يكون شخص قريب من "الصدر" مثل "الشاهرودي" الذي وصل لإيران مؤخراً، وهذا ما أرد "الخميني" أن يلفت الأنتباه له، ليؤخذ الأمر بجدية من قبل الحكومة العراقية، وحتى يلف حبل المشنقة حول رقبة "الصدر" بعقدة لا تحل ذكر "الخميني" في رسالته.. "إنّني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف"، وكأن "الخميني" يريد أن يثبت أن "الصدر" يأخذ توجيهاته منه.

باحث في الشؤون الإيرانية والتاريخ الصفوي

alhashmi1965@yahoo.com

6/آب/2015

شبكة البصرة

الاربعاء 20 شوال 1436 / 5 آب 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط