بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نداء الجمعة: الاصالة في الاعتدال والوسطية

شبكة البصرة

العلامة السيد محمد علي الحسيني

من الخطأ الفادح التصور بأن مفهوم الاعتدال والوسطية قد ولدا وجاءا کرد فعل على مايجتاح المنطقة والعالم من فکر ديني متطرف يعتمد على الارهاب کوسيلة من أجل تحقيق غاياته وأهدافه، لأن مثل هذا الفهم يجعل من الاعتدال والوسطية يظهران على أنهما طارئتان وليست لهما من جذور او أصول تاريخية ودينية.

التسامح والعفو والرحمة والرفق وغيرها من المفاهيم، مترسخة بقوة في التاريخ العربي الاسلامي وإن الآيات الکريمة والاحاديث النبوية الشريفة والاحداث والمواقف التاريخية التي تجسدها، کثيرة ومتباينة لانرى في هذا الحيز الضيق متسعا لطرحها، بل وان السر وراء إنتشار الاسلام وتقبله من قبل الشعوب والملل المختلفة في العالم (وکما أکد العديد من الفلاسفة والمستشرقين)، إنما کان بسبب روح التسامح والاعتدال والانفتاح في الاسلام وتمکنه من خلال سعة الصدر والحلم والاناة الذي تميز به قادة الاسلام الفاتحون من إستيعاب وإحتواء وکسب تلك الشعوب والملل عن طيب خاطر.

وجه الخطأ الکبير الذي يقع فيه الکثيرون ممن لايحشمون أنفسهم عناء التدبر في خلفيات الامور وسبر أغوارها بحثا عن جذورها، وإن التصور بکون مفهومي الاعتدال والوسطية طارئين، هو من الاخطاء الشنيعة التي لايمکن تبريرها، فمثلما أن التوحيد والنبوة والميعاد مثلا، من أصول الاسلام، فإن الاعتدال والوسطية أيضا هما من اللبنات والمقومات الاساسية لهذا الدين وان إعادة طرحها إنما هو بمثابة العودة الى اللبنات والمقومات الاساسية لهذا الدين، او بمعنى آخر العودة للأصالة في الدين وإعادة إحيائها بما يخدم الامتين العربية والاسلامية ويعينهما على مواجهة الاوضاع والظروف الصعبة الطارئة حاليا.

إنقطاع المسلمين عن الکثير من المفاهيم والقيم الاسلامية السمحة وعدم تدبرهم في الخلفيات الدينية والتاريخية لها، جعلهم يحملون تصورات وفهما خاطئا لها، والحقيقة التي يجب أن يعلمها بل وحتى يتيقن منها کل مسلم ومسلمة هو أن التطرف والغلو والعصبية والانغلاق هي مفاهيم وممارسات طارئة على الاسلام ولاتمت الى تعاليمه الاساسية وروحه السمحة بشيء، واننا نجد أن أهم واجب ومهمة لکل مسلم ومسلمة حاليا هو توضيح هذه الحقيقة وإثبات بأن التطرف والارهاب والغلو هو بمثابة الزبد الذي يذهب جفاءا، وان الاعتدال والوسطية والتسامح هو ماينفع الناس فيمکث في الارض، ولاغرو من أن مثل هذا الطرح فيما لو تم الترکيز فيه وبصورة واسعة من شأنه أن يحجم ويحدد من تحرکات ونشاطات المتطرفين والارهابيين ويجعلهم محاصرين في مساحات ضيقة ومحددة بحيث يتلاشون ويضمحلون في نهاية الامر رويدا رويدا.

طوال الاعوام المنصرمة منذ حملنا لرسالة الاعتدال والوسطية وسعينا لنشر مفاهيمها السمحة لأقصى نقطة، واجهنا شر وعداء المتطرفين والارهابيين الذين سعوا لإخماد صوتنا وإيقاف مسيرتنا وإرعابنا، لکننا ولأننا آمنا بأننا نجسد الحق والصواب وندعو الى الروح السمحة والطيبة للاسلام الحنيف، فإننا لما صمدنا وقاومنا والحمدلله کثيرا نجد اليوم هذه الرسالة تلقى الکثير من الآذان التي تتشوق للتنصت والاستماع لها، وعندما نقارن بين اليوم وبين البدايات فإننا نجد فرقا کبيرا شاسعا لصالح الاعتدال والوسطية ويقينا بأننا سنجد في القادم من الزمان بعون الله هذا البون يتسع ويتسع حتى لايبقى فيه من مجال للتطرف والارهاب، وقل أعملوا فسيرى الله عملکم ورسوله والمؤمنون.

* الامين العام للمجلس الاسلامي العربي في لبنان.

الجمعة 2015/07/31

شبكة البصرة

الجمعة 15 شوال 1436 / 31 تموز 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط