بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أزمة نقص المياه في العراق.. آثار كارثية وغياب الحل القريب

شبكة البصرة

مصطفى العبيدي

تتفاعل أزمة نقص المياه في العراق والانخفاض المستمر في مناسيب نهري دجلة والفرات وسط تحذيرات المختصين من اقتراب إعلان البلاد دولة منكوبة وما يترتب عليه من آثار مدمرة على الحياة في البلاد.

يشهد العراق في الوقت الحاضر أزمة نقص حادة في مياه الأنهار تتصادف مع موسم أمطار شحيح خلال العام الماضي مما ترك أثرا سلبيا على قطاع الزراعة واستخدام المياه في الشرب والمجالات الأخرى كالصناعة. هذا الوضع دفع الخبراء إلى اطلاق تحذيرات مؤداها أن العراق سيعلن دولة منكوبة اذا ما استمرت السياسات المائية الحكومية على حالها.

ويشير الخبراء إلى أن أسباب أزمة نقص المياه في العراق ليست وليدة هذه الأيام بل هي نتيجة طبيعية لسياسة توزيع غير عادل لمياه نهري دجلة والفرات من دول المنبع (تركيا وإيران وسوريا) وتحويل مجرى بعضها وغلقه عن المرور إلى العراق، إضافة إلى سوء استخدام المياه وغياب الترشيد في الاستهلاك. وتشير الدراسات إلى تقلص كميات مياه النهرين نتيجة إقامة دول المنبع المزيد من السدود للتحكم بالمياه وخزنها وتحويل مسار أنهار أخرى بدون العودة إلى العراق وبدون مراعاة الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الدول المتشاركة في الأنهار.

فبالنسبة إلى إيران، فقد استغلت ظروف الفوضى التي مرت على العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 ووجود حكومات عراقية ضعيفة وصديقة لها، فعمدت إلى توسيع مساحة المناطق التي تسيطر عليها سواء في شط العرب أو في تغيير مجاري الأنهار المشتركة وقطع العديد منها عن العراق مثل الكارون والكرخة في البصرة والكلال في واسط، مما تسبب في أضرار فادحة للعراق في المجالات الملاحية والزراعية وزيادة الملوحة في مياه الشرب.

وقد وصلت دعوات الإغاثة من الكارثة إلى المرجعيات الدينية، إذ حذر ممثل المرجعية الشيخ عبد المهدي الكربلائي، في احدى خطب الجمعة من تقارير تشير إلى وجود انخفاض في الإيرادات المائية ونقص شديد في السدود والخزانات مما سيؤدي إلى شح واضح في الموارد المائية.

وأشارت ندوة خاصة بنقص المياه في العراق، إلى ان هناك آثارا اقتصادية وزراعية وسياسية سلبية تترتب على العراق عند اكتمال سد اليسو التركي، فعلى الصعيد الاقتصادي سيؤثر اكتمال السد بشكل مباشر على تقليص مياه نهر دجلة من 21 مليار متر مكعب في السنة إلى 9.7 مليار متر مكعب في السنة وهذا يشكل تأثيرا واضحا على الجانب الزراعي والمشاريع الصناعية وتوليد الطاقة الكهرومائية. ويؤدي نقصان كل واحد مليار متر مكعب من المياه، إلى تجميد مساحات زراعية تقدر بنحو 625 ألف هكتار، فضلا عن تحويل ثلاثة ملايين دونم في وسط وجنوب العراق إلى أراض جرداء من مساحة الأراضي الزراعية البالغة 22 مليون دونم.

وإضافة إلى قطع الانهار وإقامة السدود وخفض كميات المياه من دول المنبع، فإن العراق واجه تحديا جديدا، تمثل باستخدام تنظيم الدولة المياه كسلاح في المعركة مع الحكومة والشعب العراقي.

أما عن الآثار المترتبة على نقص المياه، فقد حذرت المحافظات التي تعتمد على الأنهار من تأثيرات متعددة الأوجه على الاقتصاد العراقي. فقد حذرت النائبة العراقية شروق العبايجي من موت ومجاعة تهدد قرى وأهوار على ضفاف نهر الفرات في جنوب البلاد جراء شح المياه وتلوثها.

وأطلقت محافظة ذي قار في جنوب العراق تحذيرا من تداعيات تلوث المياه الناجم عن انخفاض مناسيب نهر الفرات، مشيرة إلى ان الانخفاض الحاصل في الإطلاقات المائية انعكس عليها بصورة مباشرة وأثر بشكل كبير على السكان المحليين وعلى الواقع الزراعي والبيئي. وأشارت إلى ان أكثر من 35 قرية كبيرة في أهوار الناصرية لحقتها الأضرار من انحسار المياه. كما تعرض مربو الجاموس لخسائر مادية كبيرة نتيجة تعرض قطعانهم للهلاك والأمراض مما اضطرهم إلى النزوح القسري من مناطقهم إلى المحافظات والمناطق المجاورة. وحذر خبراء مما وصفوها بـ أقسى موجة جفاف تتعرض لها مناطق أهوار الجبايش بعد انخفاض الإطلاقات المائية إلى أكثر من 70 سم عن معدلاتها في العام الماضي وارتفاع الملوحة إلى 7000 جزء في المليون.

وفي ظل تعمق أزمة نقص المياه وتشعب أسبابها وارتباطها بالوضع السياسي والأمني السائد في المنطقة، فيبدو أن الحلول لن تكون سهلة التحقيق. وقد جرت محاولات خجولة للتأثير على دول المنبع لتغيير سياستها تجاه العراق، ومنها استغلال حكومة حيدر العبادي لعلاقة نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي مع الحكومة التركية الذي قام بزيارة إلى تركيا وأعلن خلالها الاتفاق مع تركيا على زيادة ضخ كميات أكبر من مياه الفرات. كما أعلنت محافظة البصرة أنها قررت إرسال وفد إلى إيران لاقناعها بإعادة نهر الكارون الذي قطعته عن البصرة. ولكن الخبراء يتفقون على أنها محاولات محدودة التأثير نظرا لعدم تعامل الحكومة العراقية بجدية وحزم مع دول منابع الأنهار وعدم تمكنها بسبب مشاغلها الأمنية والاقتصادية في اللجوء من المحاكم والمنظمات الدولية المعنية للحصول على حقوق العراق في هذه الثروة الطبيعية. وبالتالي لا يبدو أن ان امكانية حل هذه الأزمة واردة على المدى القريب، إلا اذا تصاعد ضغط المحافظات المتضررة والمرجعيات الدينية على الحكومة من أجل التحرك لوقف الكارثة.

القدس العربي 1/8/2015

شبكة البصرة

الاحد 17 شوال 1436 / 2 آب 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط