بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمة المحرر الأسبوعي لموقع طليعة لبنان

8 آب 1988 يوم أغر في تاريخ العرب

شبكة البصرة

بعد أيام قليلة، تحل الذكرى السابعة والعشرون لانتهاء الحرب العربية-الفارسية، وليس الحرب الإيرانية-العراقية كما درج الإعلام على تسميتها.

 

هذه الحرب التي استمرت في سياقاتها الميدانية ثماني سنواتوأكثر من بدء تحضير مناخاتها، هي معركة قومية بامتياز، لأنها كانت صراعاً بين مشروعين، مشروع قومي عربي كان العراق رافعته السياسية، ومشروع فارسي متجلبب برداء الدين المشدود إلى عصبية المذهبية.

 

وعندما وضعت تلك الحرب أوزارها، لم يكن كثيرون يعرفون أهمية الانجاز الكبير الذي حققه العراق في تصديه للمشروع الفارسي. لا بل أن كثيرين ذهبوا إلى تحميل العراق مسؤولية التسبب بتلك الحرب، وبعض آخر ذهبوا إلى تصوير العراق وكأنه رأس حربة لتحالف عربي-خليجي دولي ضد ما سمي ثورة في إيران.

 

وإذا كانت الأمور قد التبست على كثيرين من حسني النية وسيئيها ممن اندهشوا بحجم الحدث الإيراني، إلا انه كان يجب ان لا تلتبس على الذين واكبوا المسار السياسي للتغيير الحاصل وخاصة من العرب، وهم يسمعون بأعلى الصوت وصف الخميني للقومية العربية بأنها رديف للصهيونية، وان العرب هم قوم الجاهلية.

 

قد لا يحتاج المرء لإبراز كثير من الأدلة لاثبات ان حركة التغيير بإيران غير معنية بالصراع مع العدو الصهيوني بل يكفي التوقف عند فضيحة إيران غيت، لتبين ان من يحصل على السلاح من عدوٍ يفترض انه وجودي بالنسبة اليه، لا يمكن ان يقدم على تسلح منه ومهما بلغت قساوة الأمور عليه. وأما وان الامر قد حصل، وهذا لم يكن إلا بعضاً مكشوفاً من جبل مستور، فإن لاحق الايام أثبت ان التسليح الاسرائيلي للنظام الإيراني لم يكن حدثاً عرضياً فرضته معطيات الحرب، بل جاء في سياق تقاطع مشروعين كل واحد منهما يجد مداه الحيوي وامنه السياسي في العمق العربي.

 

وكما أن اي انتصار عربي على العدو الصهيوني في مجرى الصراع المفتوح معه، يصيب مقتلاً فيه، فإن الانتصار العربي في الحرب العربية الفارسية، اعتبره رأس النظام ومرشده مقتلاً لمشروعه عند ما وصف قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي الداعي لوقف الحرب بأنه اصعب عليه من تجرع كأس السم، وهو بقبوله فإنما تجرع هذه الكأس.

 

تلك الحرب التي فرضت على العراق ظناً من النظام الإيراني انه سينتصر فيها استناداً إلى الزخم المعنوي والتعبوي الذي تولد عن سقوط نظام الشاه، جاءت نتائجها بعكس ما ابتغاه الخميني ونظامه وكل الذين شدوا أزره ومدوه بالسلاح والتقنيات الحربية.

 

لقد خرج العراق من تلك الحرب والمكلفة طبعاً اكثر قدرة واقتداراً، وهذا لم يرح كل الذين لا يريدون للأمة العربية ان تثبت وجودها وتدافع عن حقوقها، وقبل ان يجف حبر التوقيع على اتفاقيات وقف اطلاق النار والانهاء الرسمي للحرب في 8/8/1988، بدأت رحلة الاعداد لحرب جديدة هدفها ضرب العراقالذي اثبت انه قاعدة ارتكازية للمشروع القومي العربي، ولضرب النتائج التي تمخضت عن الحرب مع إيران. وهذا الذي تعرض له العراق منذ وضعت تلك الحرب أوزارها، ما هو إلا تنفيذاً لما تقرر في الغرف السرية التي توجه السياسة العامة للتحالف الصهيو-استعماري والمتقاطع مع كل القوى التي تستبطن عداء قومياً للعرب وخاصة النظام الإيراني الجديد الذي استبدل رداء بآخر.

 

هذا الذي يشهده العراق اليوم، وانفلات الدور الإيراني من عقاله، لا يحصل في عالم افتراضي، وإنما تدور أحداثه على أرض الواقع العربي من العراق في مشرق الوطن إلى آخر بقعة في مغربه. وعندما يقول ويؤكد من هم في المواقع المقررة في هرم النظام الإيراني بأن بلادهم باتت تسيطر على أربعة عواصم عربية وان بغداد ستعود عاصمة للامبراطورية الفارسية كما كانت في الماضي. فهذا إن دل على شيء فإنما يدل بأن فارس تزعم انها صاحبةحق تاريخي في الأرض العربية، وما تقوم به له ليس إلا استرداداً لهذا الحق التاريخي. وإذا كان النظام الإيراني الحاكم منذ حصول التغيير، يرتكز في سياسة على مفهومية ولاية الفقيه، وأن كل ما يقوم به ما هو إلا تنفيذاً لأمر إلهي، فهل هذا يعني، أن فارس تعتبر أن أرض العرب هي أرض موعودة لها؟ إذا كان كذلك يشكل قناعة راسخة لديها ويبدو كذلك، فبماذا تختلف عن الزعم الصهيوني بأن فلسطين هي أرض موعودة "لبني إسرائيل".

 

وإذا كان النظام الإيراني الحالي يقدم نفسه على انه مرجعية دينية سياسية لقوى مجتمعية تأخذ بالأحكام المذهبية للمذهب الحاكم في إيران، فبماذا يختلف هذا عن موقف "اسرائيل" بأنها وطن قومي لكل يهود العالم؟؟

 

وإذا كان النظام الإيراني، يعمل على تخريب بنى المجتمع العربي، واثارة النزاعات المذهبية والطائفية فبماذا يختلف باستهدافاته الاساسية عن الهدف الصهيوني والذي لا يرى أمناً إسرائيلياً متحققاً إلا بقدر ما يكون الواقع العربي مجزأ ومفتتاً وتعيش مكوناته المجتمعية في حالة تناحر دائم؟

 

ان هذه الأبعاد المتشابهة في استهدافاتها الاساسية لا تترك مجالاً للشك بأن ما قام به النظام الايراني وما يقوم به انما يكمل بنتائجه ما تهدف قوى التحالف الصهيو- استعماري لتحقيقه حتى ولو لم تجمعهما غرفة عملية واحدة:فكيف اذا كان التنسيق العملاني قائماً تحت حجة مواجهة الارهاب وقوى التكفير السياسي والديني وكل المعطيات تدلل ان هذه القوى ما نمت وكبرت الا في ظل رعاية دولية واقليمية لها وفي ظل توفير بيئات ملائمة لأنشطتها من خلال رفع مستوى الخطاب المذهبي والطائفي واستحضار قواه في الصراع المتفجر في اكثر من ساحة عربية، وبما أدى إلى زيادة الشرخ بين المكونات المجتمعية ودفع هذه المكونات للاصطفاف قسراً في إطارات مذهبية بغية رسم حدود سياسية بينها، وبالتالي اعادة صياغة الاوضاع السياسية للساحات المتفجرة بالاستناد إلى افرازات الصراع الذي يراد ابرازه بعناوينه المذهبية وعلى حساب الخطاب الوطني الجامع.

 

بعد 28 عاماً على يوم 8/8/1988، والذي كان يوم اعلان الانتصار العربي في الحرب العربية الفارسية، بعض ما يزال يتعامىعن الحقائق الموضوعية والابعاد الفعلية للمشروع الفارسي، وبعض آخر، ادرك ولو متأخراً، بأن العراق لم يكن يدافع عن نفسه وحسب بل كان يدافع عن الامة العربية وعن الأمن القومي العربي ومعه ثبت انه يوم اسقط العراق اسقطت معه مناعة الجبهة العربية وحدث الاختراق الذي تحول اجتياحاًوصل حتى الشواطىء المتوسطية جغرافياً إلى عمق النسيج البشري مجتمعياً.

 

على هذا الأساس، فإن الذين انخرطوا في الحملة المعادية ضد العراق بعد الثامن من آب/1988، عليهم ان يعترفوا بأن موقفهم مدان، وان خطأهم لا بل خطيئتهم هي قاتلة وانهم باشتراكهم في الحرب على نتائج الحرب مع ايران، انما كانوا يدكون أسفيناً ليس في بنيان العراق الوطني وحسب بل في بنيان الأمة القومي. وعليه فإذا كان الرجوع ان الخطأ فضيلة، فالاعتراف بهذا الخطأ لا بل الخطيئة فضيلة مضافة، وان من كان يساوره الخوف من نتائج الحرب مع ايران، عليه ان يعيد حساباته، بأن الخوف لم يكن مبرراً، ونتائج الحرب لم تكن خطراً عليهم بل كانت خطراً على المشروع الفارسي التوسعي، وان المدخل لاعادة تفعيل الموقف في مواجهة المشروع الصهيوني. وتكفيراً عن تلك الخطيئة عليهم ان يعتبروا الحرب مع ايران وبما اسفرت عنه من نتائج انما هي قادسية متجددة، وعلى ذلك يبنى للانطلاق لصياغة علاقات قومية جديدة، تمهد لاستنهاض قومي جديد، وتعيد للأمة اعتبارها في استحضار للمرحلة التي اعقبت انتصار العرب في القادسية الأولى.

 

من هنا، يجب على كل من لم يذق طعم السم الفارسي او ذاق بعضه، ان يعيد الكأس لمن تجرعه أولاً، وألف باء ذلك، اعتبار يوم انتصار العراق في القادسية الثانية، يوم عربي أغر على الأمة ان تحتفي به وتستحضره بكل معانيه لأنه لو لم تُسقط النتائج السياسية لذلك اليوم، لما حصل الفراغ في واقع الأمة ولما اندفعت القوى المعادية لملء هذا الفراغ وبما جعل العرب يعيشون تحت وطأة انعدام الوزن

 

ان الامكانية ما زالت متاحة، وان الاعتراف بأهمية هذا اليوم وبكل دلالاته النضالية هو الانتصار للمشروع الوطني المقاوم في العراق الذي يتصدى لقوى مشروع التحالف الصهيو-اميركي والمتقاطع مع مشاريع المتكئات الاقليمية بكل مواقعها وتعبيراتها والمشروع الفارسي اساساً فيها.

 

ان الدعوى لإسناد المشروع الوطني في العراق، هو أضعف الايمان لاعادة الاعتبار لموقف العراق يوم خاض صراعاً مع فارس، وبدون هذا الاحتضان لا يمكن وأد المشروع الايراني بكل تحالفاته وتقاطعاته، والحقيقة التي يجب ان يدركها الجميع، هو ان المشروع الطائفي لا يواجه بمشروع مثيل له وان اختلفت منطلقاته وادواته بل يواجه بمشروع وطني مفتوح على افقه القومي.

شبكة البصرة

الثلاثاء 19 شوال 1436 / 4 آب 2015

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط