بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أين هي القيم والثقافة الديمقراطية؟!

شبكة البصرة

السيد زهره

كما نعلم، على امتداد السنوات الطويلة الماضية، لم يكفوا في أمريكا عن القاء الدروس علينا حول الديمقراطية وكيف يجب ان تكون في دولنا، وكيف ان نموذجهم في الديمقراطية مثالي يجب ان نقتدي به.. وهكذا.

فعل هذا المسئولون الأمريكيون وأيضا المحللون والمنظمات الأمريكية المختلفة.

ولم تتورع أمريكا عن التدخل السافر في شئوننا الداخلية وعن دعم قوى وجماعات مشبوهة تحت حجة ضرورة نشر القيم والثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا.

 

لكن الذي حدث بعد فوز ترامب في انتخابات الرئاسة، ان الولايات المتحدة شهدت تطورات غريبة تثير تساؤلات كثيرة حول الديمقراطية الأمريكية وحول النموذج الأمريكي الذي صدعوا رؤوسنا بمثاليته وعظمته.

نعني تحديدا ثلاثة تطورات مهمة شهدتها أمريكا بعد فوز ترامب:

التطور الأول: هذه المظاهرات التي اندلعت في مدن أمريكية شارك فيها الالاف احتجاجا على فوز ترامب ورفضا لنتيجة الانتخابات. وقد رفع المتظاهرون فيها شعار "ترامب ليس رئيسي".

هذا أمر فيمنتهى الغرابة في الحقيقة.

من المفهوم والمقبول ان تخرج مظاهرات تحتج على مواقف ترامب وتعلن رفضها. لكن أن تخرج مظاهرات تعلن رفض الانتخابات ونتيجتها، هذا هو الأمر الغريب.

المسئولون الأمريكيون يتفاخرون باستمرار بالقيم الديمقراطية الأمريكية. ولا يكفون في أمريكا عن الحديث عن ان الديمقراطية اعظم نظام للحكم، وان اول واكبر قيم الديمقراطية ان إرادة الشعب كما يتم التعبير عنها في الانتخابات لا بد ان تحترم أيا كانت نتيجة هذه الانتخابات طالما انها جرت بشكل نزيه دون تزوير. ولم نسمع أن أحدا في أمريكا اعتبر ان هذه الانتخابات كانت مزورة.

ماذا يعني اذن، ان تخرج هذه المظاهرات لتعلن رفض نتيجة الانتخابات واعتبار انترامب ليسرئيسهم؟

هذا معناه ببساطة شديدة ان الثقافة الديمقراطية غير راسخة لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي.. معناه انه لا يوجد ايمان في اوساط هؤلاء بابسط القيم والتقاليد الديمقراطية.

 

التطور الثاني: ما أعلنته هيلاري كلينتون بعد صدمة سقوطها في الانتخابات.

هيلاري قالت ان السبب الأساسي لسقوطها هو ما فعله رئيس المباحث الفيدرالية (الاف بي آي) حين أعلن قبل الانتخابات العزم على فتح تحقيقات جديدة حول قضية رسائل بريدها الالكتروني السرية بعد ان تم اكتشاف حقائق جديدة تعتبر خطيرة بهذا الشأن.

ماذا يعني ما قالته هيلاري؟

قبل كل شيء، ما قالته يعتبر اهانة واحتقارا للناخب الأمريكي. كأن هذا الناخب لا يتحلى بأي وعي على الاطلاق بحيث ان أمرا مثل هذا يمكن ان يغير رأيه رأسا على عقب. وهذا ليس صحيحا. الناخب الأمريكي لم يسقطها بسبب ما فعلته المباحث الفيدرالية، وانما لأسباب كثيرة أعمق وأبعد.

الأهم من هذا، ان ما قالته هيلاري يعني احتقارها للقانون وتطبيق القانون.

رئيس المباحث الفيدرالية لم يفعل شيئا سوى تطبيق القانون في هذه الحالة، وخصوصا ان الأمر يتعلق بجوانب خطيرة تم اكتشافها في القضية كما قال.

ومعروف ان تطبيق القانون وحكم القانون هو من أكبر أسس النظام الديمقراطي.

أي ان هيلاري كلينتون كانت تريد وقف تطبيق القانون لا لشيء الا لأن هذا فقط من الممكن ان يؤثر بالسلب عليها شخصيا في الانتخابات.

 

التطور الثالث: انه بعد فوز ترامب، ظهر كثيرون في أمريكا من الساسة والمحللين يعتبرون ان النظام الانتخابي الأمريكي هو المسئول عن فوز ترامب، وان هذا النظام بال وسييء ويجب تغييره. يقصدون بالطبع نظام "المجمع الانتخابي" المعمول به منذ بدأت التجربة الديمقراطية.

طبعا، ليست هناك أي مشكلة في انتقاد هذا النظام او المطالبة بتغييره، وهناك بالفعل مفكرون وخبراء أمريكيون يفعلون هذا منذ سنين طويلة.

لكن المشكلة ان الذين ينتقدون هذا النظام اليوم يفعلون هذا فقط لأن المرشح الذي فاز في الانتخابات لا يعجبهم، ويعتبرون انه ما كان له ان يفوز. ولو كانت هيلاري قد فازت، ما كان أي من هؤلاء قد اثار هذه القضية أصلا، بل كان قد اعتبره نظاما مثاليا ممتازا.

وكأنه من المقبول بمنطق هؤلاء المطالبة بتغيير النظام الانتخابي في كل مرة لا يعجب البعض نتيجة الانتخابات.

نتوقف عند هذه التطورات الثلاثة ليس للطعن على الديمقراطية الأمريكية، فحقيقة الأمر ان كل نظام سياسي أيا كانت طبيعته، وكل تجربة ديمقراطية أيا كانت صيغتها، لها بالضرورة سلبيات وايجابيات، سواء من الناحية النظرية او في التطبيق العملي.

 

نتوقف عند هذه التطورات فقط كي نقول لهم في أمريكا، اذا كان هذا هو موقفكم من ديمقراطيتكم ومن تجربتكم، فبأي وجه حق اذن تريدون فرض هذا النموذج علينا وتطلبون منا الأخذ به؟

نقول لهم: دعونا وشأننا نقرر نحن، أي ديمقراطية وأي تجربة ديمقراطية مناسبة لدولنا ومجتمعاتنا.

شبكة البصرة

الاثنين 20 صفر 1438 / 21 تشرين الثاني 2016

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط