بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام؟) (ح - 22)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- إستراتيجية محاربة الأرهاب هل وصلت إلى خواتيمها؟

- وهل تصاعدت إستراتيجية الردع المتبادل المؤكد؟

 

أولاً- إستراتيجية الحرب على الأرهاب:

1- أعتمدت امريكا، منذ عام 2001 في سياستها الخارجية على إستراتيجية الحرب على الأرهاب.. ولهذه الأستراتيجية إمتدادات تعود، هي الأخرى، إلى بدايات الصراع في أفغانستان وتخطيط طرد الجيوش السوفياتية منها.

-  فقد دخلت الجيوش السوفياتية في افغانستان (تحت ذريعة دعم الحكومة الأفغانية الصديقة) في 25/12/1979، وانسحبت منها في 15/02/1989.

-  وتدخلت روسيا عسكريًا في سوريا (تحت ذريعة دعم الحكومة السورية الصديقة) في 30/09/2015، وما زالت تفتش عن مخرج ينقذها من مأزق الأستنزاف والحفاض على مكاسب نفوذها الأقليمي وتجسير علاقاتها مع مجمل الدول العربية وخاصة مصر ودول الخليج العربي والعراق.. والمأزق الروسي كما هو واضح في سوريا سيجبر موسكو على خيار إستراتيجي بديل.. إما التخلي، بضمانات، عن دعم نظام دمشق الدموي منتهي الصلاحية أو تأسيس تحالف (روسي- أمريكي) للعمل المشترك بما فيه الحرب على الأرهاب.

2- أشتغلت أمريكا على (القاعدة) لمحاربة الأرهاب، كما أشتغلت على (داعش) التي هي صناعة إيراني إستراتيجية بإمتياز.. وتظل استراتيجية الحرب على الأرهاب مستمره في الأجندة السياسية الأمريكية، حتى لو انتهت من (داعش) لتتفرغ لما ستفرخه داعش من بؤر إرهابية، ما دانت إيران راعية للأرهاب من خلال (فيلق القدس) و (الحرس الثوري الأيراني) اللذان يعملان وينتشران في خارج الحدود الأقليمية للدولة الأيرانية.

3- ورعاية الأرهاب الأيراني قد تمت بين نظام دمشق و(داعش) بإتفاق عدم إعتداء لا في سوريا ولا في العراق.. هذا الأتفاق قد افتضح تمامًا لكافة اطراف الصراع كموسكو وواشنطن وتركيا، فيما باتت راعية الأرهاب محاصرة في زاوية الأدانة، بحكم نشرها لمليشياتها الطائفية المسلحة في سوريا والعراق واليمن تحت إشراف جنرالاتها وحرسها.. وتجميعها لمواطني دول أخرى مذهبيا وزجهم في معارك افتعلتها إيران لغايات إستراتيجية.

4- أمريكا خلقت (القاعدة) ودعمتها في أفغانستان بالسلاح والأموال والمعلومات.. وإيران أحتضنت قادة القاعدة وفتحت قواعد للتدريب والتأهيل وما تزال هذه القواعد تدار من لدن المرشد الأعلى (علي خامنئي)، حين يأمر بإرسال مجاميع المُدَرَبينَ إلى القتل في خارج إيران، فيما تعمل قواعد أخرى في الجنوب اللبناني وقواعد في الجزر الأريتيريه وقواعد في بعض دول أمريكا اللآتينية، على تدريب ونشر المجاميع الطائفية المسلحة إلى مناطق القتال.

5- أما (داعش)، فهي خطة إستراتيجية للتمدد عبر حدود إيران نحو صلاح الدين صعوداً إلى الموصل فالحدود السورية.. هذا الشريط يُعَدُ خطًا إستراتيجيًا تطمح إيران إلى السيطرة عليه لأستكمال وتأمين مخططها صوب السواحل الشرقية للبحر المتوسط... ألم يعرض هذا المخطط مصالح جميع الدول الأقليمية والدولية إلى الخطر والأبتزاز، وخاصة الرغبة الأيرانية الفاضحة للأستيلاء على أبار النفط في العراق تحت دعاوى الآبار المشتركة؟

6- وعلى أساس هذه الحقائق فأن الأرهاب لن ينتهي، وإن سياسة محاربة الأرهاب لن تغيب عن السياسة الخارجية الأمريكية حتى بعد الأنتهاء من الموصل والرقه وغيرهما.. لأن هذه الأستراتيجية تلامس واقع الصراعات في كل مكان في القارات المختلفة بشكل عام ومناطق الصراع الحيوية في (الشرق الأوسط وأوراسيا والعمق الآسيوي) بشكل خاص.

 

ثانيًا- إستراتيجية الردع المتبادل المؤكد:

من الصعب الحديث عن (إضمحلال) القواعد الأساسية للسلوك الدولي أو أن أسس النظام الدولي القائم على القواعد المعروفة (تتداعى) تدريجيًا منذ نهاية عام 1989، وهو العام الذي إنهار فيه الأتحاد السوفياتي وتفكك حلف (وارسو) وإنهار جدار برلين وأفول الحرب الباردة.. إنما يمكن الحديث حول (تعطيل) متعمد لأسس النظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.. والفاعل هو الذي أعلن تفرده في قطبية أحادية متجبرة إعتقادًا منه بأنه سيسود على العالم ويحتكر القرار في أروقة النظام الدولي، وإن بإمكانه أن يشن الحروب ويهيمن ويفرض سياسة الخوف وسياسة الأمر الواقع القسرية على الشعوب.

الواقع الدولي هذا لم يعد قائمًا، إنما يظل مضطربًا متأزمًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وسوسيولوجيًا، لسبب من أن إدارة العالم من الصعب أن تتولاها قوة واحدة.. كما إن إدارة الصراعات التي تجري حول العالم من الصعب على قوة واحدة السيطرة على هذه النزاعات و(ضبط) حركتها ووتيرتها ومنع إتساعها ووضعها تحت السيطرة إلا من خلال تحمل المسؤولية الدولية عن طريق الأمم المتحدة أو من خلال (العمل المشترك) الذي يقوم على مبدأين أساسيين هما:

أولاً- مبدأ السيادة الوطنية.

ثانيًا- مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي سبب أو غرض أو تفسير أو إدعاء أو تبرير فكري أو ديني أو عقيدي.

إن توصيف الحالة الراهنة في ظل (تعطيل) النظام الدولي وتعطيل آلياته وأدواته القانونية والأعتبارية وقيمه الأخلاقية، التي تتعلق بحقوق الأنسان وحقوق الشعوب.. يجعل المراقب ينظر إلى الحالة وكأنها حالة تسبق التصادم أو بلوغ حافة الهاوية.. وخاصة بين قوى دولية (روسيا وأمريكا) في ساحة الشرق الأوسط. و(روسيا وأوربا) في منطقة أوراسيا. و(أمريكا وروسيا) في العمق الآسيوي. و(أمريكا والصين) في جنوب شرق آسيا وعلى تخوم كوريا الشمالية واليابان.

- ومن الحقائق المعروفة أن الأنظمة السياسية المتشابهة (تتقارب).. فالنظم الرأسمالية تتقارب مثل (أمريكا وأوربا)، وهذا يعني من الصعب الأعتقاد أن بأمكان أمريكا التخلي عن أوربا والعكس صحيح.. وقد يختلفان حول المصالح، وعدا ذلك فأن الآراء تتباين في الثانويات أما الأساسيات فهي العوامل، التي تكتسب الثبات.

-  هنالك ما يعرف بـ(القوة المتحولة) في أوربا بعد إنهيار الأتحاد السوفياتي وإتساع عدد أعضاء حلف (الناتو)، الذي بات يقترب ويتجاوز خط التقسيم الجيو- إستراتيجي، الذي كان قائمًا بين الحلفين (الناتو) و (وارسو)، بين أمريكا التي تقود الناتو، وروسيا، التي باتت المقتربات العسكرية للتوسع الأطلسي لا تبعد سوى (600) ميل من حدودها، فيما كانت سابقًا تقدر بـ(965) كيلومترًا إلى الشرق.. وهو العمق الممكن التعامل معه على أساس الدفاع في العمق عند التهديد التقليدي. أما الآن.. فقد تقلص وضع الدفاع، حتى باتت موسكو تشعر بالقلق والخطر في آن.

- بيد أن التمدد الأطلسي- الأوربي هذا قد خلق (مخاطر) وأستفز العمق الروسي.. وهو حالة أوجدت رودود أفعال تتحمل جراءه كافة الأطراف التبعات العسكرية والمالية واللوجستية.. وهو الأمر الذي يدفع إلى تدهور مالي أوربي ينعكس على أمريكا ذاتها، التي تعلن أنها تقود (قطبية أحادية) متهاوية.. هذه القطبية أخذت مسار التأزم والتراجع تدريجيًا لمختلف المسببات ومنها ترتيب أوضاع الداخل الأمريكي.

- التنظيم الدولي (المعطل)، أخذت عناصره تتحلل وتتلاشى وتذوى تدريجيًا.. وحالته هذه قد (عطلت) بدورها النظام الدولي وشلته.. وهو الأمر الذي سيخلق (فراغًا) جيو- إستراتيجيًا كبيرًا وواسعًا وخطيرًا من الصعب التكهن بالقوة التي ستملؤه.. روسيا غير قادرة على ملء هذا الفراغ، والصين كذلك وأوربا.. إذن.. فراغ القطبية الأحادية المتدهورة يستدعي أن تتقدم القوى العظمى والكبرى في (تعددية) قطبية يمكن أن تملء هذا الفراغ.

- هذا الفراغ، يظهر حركة لملأه، يتخللها ما يسمى بالمرحلة (الأنتقالية) التي تعكس تمامًا إضطراب التوازن في القوة.. فالقطبية الثنائية كانت أيضًا عاملاً للأضطرابات والتوترات النسبية، والأستخدامات (الغرضية) للفيتو والفيتو المزدوج ولم تمنع إندلاع الحروب الأقليمية.. حيث وضعت مسألة العدالة في كفه تقاسم النفوذ والمساومات حول المناطق الرمادية المحددة بالخط الأحمر.. أما القطبية الأحادية برئاسة أمريكا، فقد أشعلت حروب واسقطت نظم وطنية شرعية ودمرت دول في مرتكزاتها الأقتصادية والعسكرية والأمنية والأجتماعية والثقافية، وكرستها دولاً (فاشلة) في الصومال وليبيا والسودان بتقسيمها وفي لبنان بتعطيل تنميته، والعراق بإفقاره بالفساد وإغراقه بالطائفية الفارسية، واليمن بتمزيقه بمخالب إيرانية، وباقي دول الخليج العربي حيث وضعتها على نار هادئة.. ولم تضع إيران في حساباتها إنما إنحصر التدمير في المنطقة العربية.. والأكبر والأخطر من كل هذا هو تكريس إختلال التوازن الأقليمي الذي عزز بدوره فراغ القوة وفراغ الأمن في المنطقة العربية حصرًا.

-  فالقطبية الأحادية هي الأخرى فشلت وإرتدت مأزومة إقتصاديًا وعسكريًا ونفسيًا إلى الداخل.. وهي الآن تستعيد حساباتها بشعار (أمريكا أولاً)، الذي لم يكن يعني الأنكفاء الكامل نحو الداخل، إنما التوقف لأعادة الحسابات لمرحلة جديدة.. والتساؤل هنا، هل هي فعلاً ماضية نحو ترميم التدمير بمشروع إعادة الأعمار وعودة الشركات الأمريكية والأوربية ترافقها قوات النخبة (الأنكلو- أمريكية)، بإستثمارات النفط.. وقلب الطاولة على رأس المتغطرس الفارسي بمليشياته الطائفية المسلحة وإرغامه على سحبها إلى ما وراء حدود سوريا وحدود العراق.. والشعب العراقي العظيم سوف لن يتأخر لحظة عن كنس حثالات الفساد المجوسيه من أرضه الطاهرة.. وهذا ما سيحصل، وإلا فأن خيار إستخدام القوة، الذي تدل مؤشراته قد أتخذ على المستوى الدول العظمى والكبرى ومشاركة الدول الأقليمية، بأن لا مستقبل لمليشيات مسلحة إيرانية في أرض العرب.. راجعوا وثيقة موسكو.!!

-  هنالك ثلاثة عوامل أساسية تحرك العالم نحو نظام دولي جديد في خضم الأضطرابات الراهنة، أولها : فراغ نظام يحكم طوق القوة، وثانيهما : فراغ أخلاقي وفكري يحكم قاعدة نظام القوة، وثالثهما : فراغ في الرؤية المشتركة لنظام دولي جديد يتسم بحالة تمثيلية واسعة تتنازل وحداتها السياسية عن بعض (سياداتها) لصالح بناء النظام الدولي الجديد وتيسير وتطوير شؤونه.

الحقائق الماثلة، التي يفرزها واقع دولي وإقليمي متحرك :

يتبع...

26/02/2017

شبكة البصرة

الاثنين 1 جماد الثاني 1438 / 27 شباط 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط