بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الثقافة الشعبية في مواجهة الانحراف

شبكة البصرة

حميد سعيد

إن الثقافة الشعبية في مواجهة الانحراف، تتقدم في وعيها أحياناً على القوى المعترضة التي لم تنجح حتى الآن في تشكيل حركة تغيير، تجمع ولا تفرق

لا يمكن تناول ظاهرة الثقافة الشعبية في العراق راهناً إلا في وضعيتها التي تواجه الانحراف. ليس لأن هذه الظاهرة غير موجودة في جغرافيات أخرى، أو لم تكن معروفة وشائعة في مراحل سابقة من تاريخ العراق الحديث، وإنما لما تميَّزت به من زخمٍ وسعة انتشار وتنوع، في هذه المرحلة

وأقصد بالثقافة الشعبية، ما نقرأه ونسمعه ونراه، من شعر أو زجل أو أهازيج وأغنيات، ومن مقاطع تمثيلية ونكات، وما يرافقها من كتابات ساخرة وتخطيطات كاريكاتيرية، وهي تواجه الانحرافات السلطوية والحزبية والاجتماعية والدينية وغيرها، وما يتسم به أداؤها من كذب ودجل ولصوصية وجهل، حيث تنشط الثقافة الشعبية وتتسع أمداؤها وتتعدد وسائلها، كلما كان الانحراف أكثر انتشاراً وأعظم ضرراً، وتكون هي الأخرى أكثر قبولاً من قبل المواطنين وأكثر تأثيراً أيضاً. وفي هذه المرحلة من تاريخ العراق، حيث يعم الفساد ويظهر في جميع مفاصل السلطة والمؤسسات المرتبطة بها، وفي سلوك الأشخاص الذين يمثلونها

وليس على أيٍّ منا، سوى الاستماع إلى الذين يمثلون ما يسمى بالعملية السياسية، وما يصرحون به وما يتسرب عن مجالسهم واجتماعاتهم، وسيجد واقعاً فضائحياً مخجلاً

أقول، في هذه المرحلة، تنشط الثقافة الشعبية في مواجهة الانحراف وكشف ممارساته وفضح رموزه، وإذا كانت الثقافة الشعبية قد لعبت دورا في المعارضة والنقد ومواجهة الانحرافات في جميع الأنظمة التي عرفها العراق الحديث، منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي، حتى الاحتلال الأميركي- الإيراني، لكن نشاطها كان محدوداً كما وفعلا

غير أنها بلغت في هذه المرحلة، ما لم تبلغه من قبل في الانتشار والتأثير، كما دخلت وسائل أخرى، كانت المجموعات الطائفية المتسلطة تعدها ملكية لها، لا يشاركها فيها شريك، وأقصد بها المنابر والأهازيج الحسينية التي صارت تمارس دوراً مؤثراً وشجاعاً في مواجهة انحرافات السلطة الراهنة، وتفضحها بلغة جارحة أحياناً، فتسقط في أيدي المتسلطين وتحرجهم وتهز مواقعهم

ومما تميزت به الثقافة الشعبية المعارضة والمعترضة في هذه المرحلة، كونها لم تقتصر على فئة أو جماعة دون أخرى، إذ تجدها حاضرة بكل عنفوانها في المدينة والريف والبادية، بين أوساط الفقراء والموسرين، وتجدها في جميع المحافظات، وبجميع اللغات المحلية، وتنتشر بين العراقيين، داخل العراق وفي جميع مهاجرهم

وأتوقع، أن كل من سيقرأ هذه السطور، وبخاصة من العراقيين، سيتذكر كم من هذه المفردات التي تنتسب إلى الثقافة الشعبية، من شعر وزجل وأهازيج ونكات وحوادث مصورة وموثقة، تصل إليه من خلال جميع وسائل الاتصال، في كل يوم وعلى امتداد ساعات الليل والنهار، فيتبادلها مع معارفه وأصدقائه، فإذا حضر مجلساً، تسابق الحاضرون إلى استذكارها وروايتها والحديث عنها، وهي جميعاً لا تذهب إلى التعميم، بل تذكر المنحرفين بأسمائهم ومواقعهم، وبما اقترفوا من انحرافات

لذا فقد شكلت دعماً للقوى المعترضة التي لم تتبلور بعد في حركة تغيير حقيقي قادرة على الفعل والإزاحة، وأستطيع القول من دون تردد، إن الثقافة الشعبية في مواجهة الانحراف، تتقدم في وعيها أحياناً على القوى المعترضة التي لم تنجح حتى الآن في تشكيل حركة تغيير، تجمع ولا تفرق، ترى ما سيكون ولا تنشغل بما كان، وتتجاوز عقابيل الماضي والحاضر

إن زخم فعل الثقافة الشعبية في مواجهة الانحراف وكشف وتعرية المنحرفين، ليس أمام الآخرين فحسب، بل أمام أنفسهم أيضاً، وقد دفع بالمنحرفين إلى الانكماش والهروب إلى ما يمكن أن نعده انحرافات أكبر وأخطر، على الرغم من أن هذا الزخم لم يحقق بعد فعل القدرة على التغيير، ولكنه يلعب دوراً حاسماً في الفضح والإرباك النفسي والعقلي، وإلى محاولات بائسة لشراء أصوات تدافع بالنيابة عنهم، وهم يعرفون، أنها انحرافات لا يمكن تسويغها أو الدفاع عنها، وبعضهم يعرف أيضاً، من خلال تجارب الماضي، أن مقولات الثقافة الشعبية ستظل تلاحقه حتى بعد موته، وتلحق بأبنائه وأحفاده

شبكة البصرة

الاحد 30 جماد الاول 1438 / 26 شباط 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط