بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قراءة هادئة لزيارة الجبير إلى بغداد

شبكة البصرة

د. نزار السامرائي

ابتداءً علينا أن نعترف بأن لكل دولة في العالم استراتيجيتها الخاصة بما يؤّمن بالدرجة الأولى مصالحها الداخلية والإقليمية والدولية، ولا تعتبر المملكة العربية السعودية استثناءً عن هذه القاعدة الذهبية في التعامل السياسي والاقتصادي سواءً في علاقاتها مع الإقليم الذي تقع فيه أو مع دول العالم.

كما أن علينا أن نعرف أن مصالح الدول تطغى على مصالح الأفراد في الداخل بصرف النظر عن مكانتهم السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية، وتتقدم على ما يطرحه أصدقاؤها أو حلفاؤها في الدول الأخرى، وكمثال واضح على هاتين النقطتين نورد مثلا قريبا جدا يتعلق بحملة الدعاية السوداء التي تعرضت لها الزعامة السعودية ممثلة بالملك والعائلة السعودية وما سيق من تهم باطلة عن موضوع الحركة الوهابية، من قبل التحالف الصفوي الحاكم ورموزه القيادية وليس من قبل صحفيين محسوبين عليه، بحيث وصلت حملة الدعاية السوداء إلى نوري المالكي وقادة المليشيات الصفوية المرتبطة بالحشد الشعبي، وأعضاء في حكومة حيدر العبادي وأعضاء في البرلمان، وصلت حد التهديد باحتلال الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة وتخليصها من "سيطرة الوهابيين النواصب"، هذا على المستوى العام، أما المستوى الشخصي فإن عادل الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية وسفيرها قبل ذلك في العاصمة الأمريكية واشنطن كان قد تعرض لمحاولة اغتيال وُجهت فيها التهمة لعملاء الحرس الثوري الإيراني، أي بعبارة أدق لإيران لأن عملية بهذا المستوى لا يمكن أن تكون معزولة عن موافقة هرم السلطة الدينية والدنيوية في إيران أي المرشد الإيراني علي خامنئي.

ما أريد قوله من هذه المقدمة أننا إزاء حدث ربما بدا لكثير من المراقبين والمحللين السياسيين العراقيين، سواءً المحسوبين على خط مقاومة العملية السياسية بكاملها وليس حكومة التحالف "الوطني" الصفوي، أو على المحسوبين على العملية السياسية نفسها، فقد لاحظنا خلال الساعات التي انقضت منذ الإعلان عن زيارة الجبير إلى بغداد وحتى الآن ويمكن أن تستمر لوقت طويل، بروز ردود فعل تراوحت بين السخط والغضب أو التواطؤ أو تخلي الحكومة عن وفائها لمن وقف إلى جانبها أي إيران لمدة تقرب من أربع عشرة سنة والذهاب إلى سياسة الأبواب المفتوحة مع بلد ظل يصدّر "الإرهاب والسيارات المفخخة والانتحاريين لقتل العراقيين" على حد ما جاء على لسان بعض السياسيين المحسوبين على التحالف الصفوي الحاكم، هذا من جانب من أراد للرابطة بين العراق وإيران زواجا كاثوليكيا غير قابل للانفصام إلى الأبد، أما من جانب المعادين للعملية السياسية "وأنا منهم قطعا" فقد شعر الجميع بدوار وانعدام وزن خلال اللحظات الأولى لانتشار خبر الزيارة، رافقه سخط وتساؤل مرير "هل أن المملكة العربية السعودية التي وقفت إلى جانب الشعب السوري في ثورته ضد نظام القتل في دمشق الذي تدعمه إيران نفسها التي لولاها لما استمرت العملية السياسية في العراق تماما كما كان مؤكدا سقوط نظام بشار في سوريا من دون زجها بكل ثقلها ومواردها العسكرية والبشرية والاقتصادية إلى جانبه، وكذلك الحال في اليمن أي أن سياسة المملكة العربية السعودية هي التصدي للمشروع الإيراني في دول الجوار، فما بالها استثنت العراق من هذه المعادلة؟ وهل كانت زيارة الجبير رسالة إلى كل من راهن على إسنادها للشعب العراقي في نضاله للتحرر من تداعيات الاحتلال الأمريكي والذي سلم العراق لإيران على صينية من ذهب؟

ولكن التعامل بمنطق رجال الدولة لا بد أن يقود إلى حساب خطوات الدول بعيدا عن المزاج السياسي لهذا الطرف أو ذاك أو للدول الأخرى، فالمملكة العربية السعودية جزءٌ من عالم متغير بسرعة هائلة وخاصة مع وصول الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترمب، ولا يمكن أن تبقى خارج الزمن وإلا فإن كل القطارات ستفوتها ما لم تتعامل بجدية وسرعة مدروسة مع هذه المتغيرات.

غالب الظن أن زيارة وزير الخارجية السعودي تأتي في إطار تنسيق على أعلى المستويات بين الرياض وأنقرة وواشنطن، مهدت لها المكالمة التلفونية المطولة بين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي دونالد ترمب والتي ذكرت تقارير رسمية أنها استغرقت ساعة كاملة، تمت مناقشة أهم الملفات الإقليمية وخاصة تغوْل المشروع الإيراني في معظم الدول المجاورة للمملكة العربية السعودية أو القريبة منها، كلها بلدان عربية مع كل ما يمثله ذلك من تهديد للأمن القومي في المملكة والخليج العربي والأمن القومي العربي، كما مهدت زيارة وزير الدفاع الأمريكي لبغداد ولقائه بحيدر العبادي وما رافقها من تصريحات نارية من الجانب الأمريكي عن التصدي للمشروع الإيراني إقليميا ودوليا ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي في أي ظرف من الظروف، كما أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكل من البحرين وقطر والمملكة العربية السعودية والهجوم الدبلوماسي الاستباقي للرئيس الإيراني حذراً من قابل الأيام مما تحمله من مفاجآت غير سارة لبلاده وذلك بزيارته لكل من الكويت وسلطنة عمان وما رافقها من تكهنات عن تقديمه مبادرة بشأن تمدد بلاده في دول الجوار العربي، كلها دخلت في حساب صانع القرار السعودي ورأى أن انتظار الطارئ حتى يحصل سياسة لم يعد لها وجود في قاموس المملكة بعد أن تأكد لها أن إيران نجحت في استثمار سياسة التروي التي تتميز بها الدبلوماسية السعودية لتحقيق قفزات عسكرية وسياسية في كل من سوريا والعراق واليمن، ربما كان الخاسر الأكبر فيها هو المملكة نفسها، لهذا رأت أن التماهي مع المتغيرات المتسارعة في المنطقة والاستجابة لمتطلبات المرحلة التي نشأت عن وصول ترمب إلى البيت الأبيض واختبار جديته بالوصول إلى جزء يسير مما وعد به من تعديلات للسياسة المنحرفة التي سار عليها سلفه باراك أوباما.

كما أن ما أعلنه الرئيس الأمريكي عن أن عدة دول قدمت ضمانات لدعم خطة إقامة منطقة آمنة في شمالي سوريا يوحي بأن هذه الخطوة باتت وشيكة وكلها عوامل سرّعت بالتحرك الدبلوماسي السعودي الذي قد يمهد لتحرك سياسي على مستويات أعلى سواءٌ مع العراق أم أطراف أخرى.

لا يمكن أن افترض أن زيارة الجبير لبغداد صفقة سياسية على حساب سنّة العراق بأي شكل، لجملة أسباب منها أن السعودية تنظر إلى المكون السني ليس في العراق فقط وإنما في كل مكان على أنه الوسط الذي يرى في الحرمين الشريفين المكانين المقدسين دون سواهما في العالم وهو ما يفرض عليها عدم إغفال هذه الحقيقة، ومنها أن المكون السني رقم صعب تخطيه في أية معادلة سياسية محلية أو إقليمية وهو مكون صعب المراس وتستحيل السيطرة عليه من قناعة منه، ومنها أن هذا المكون لا يخضع لسلطة أو مرجعية دينية تستطيع تسييره كيفما تشاء كما هو الحال مع الشيعة الذين ينقادون لمراجع التقليد عندهم ويعتبرونها جزءً من أصول دينهم.

الجبير جاء حاملا رسالة يمكن قراءتها من قبل الجميع وخاصة إيران وعملائها في الساحة العراقية، وما علينا إلا الانتظار لوقت قصير لنتعرف على الغاطس مما تم بحثه وما حصل عليه الجبير من وعود وتعهدات لا سيما وأن إيران ومهما حاولت الظهور بمظهر القوة من خلال تصريحات مسؤوليها أو ما تجريه من مناورات عسكرية متتالية، فإنها في أضعف ظرف تمر به منذ هزيمتها السياسية والعسكرية والنفسية في حرب الثماني سنوات.

بعد هذا وذاك وقبل هذا وذاك علينا أن نتعامل مع كل ما يجري من حوادث في المنطقة بمنطق تحليلي هادئ بعيد عن الأحكام الجاهزة، أو منطق التخوين وعقود الصفقات السياسية، حتى إذا كان هناك جانب منها في ما يجري، لأن ذلك لا يقدم خدمة لقضيتنا التي نريد من جميع الأطراف أن تقف معنا فيها، دون أن يعني ذلك أنها صارت نحن.

شبكة البصرة

الاحد 30 جماد الاول 1438 / 26 شباط 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط