بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هكذا يبدو دماغك عندما تكون فقيرًا.. اكتشاف روابط بين شكل الدماغ وقيم الدخل

شبكة البصرة

علاء الدين السيد

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016، كشفت دراسة علمية أن وقوع الناس في براثن الفقر يجعلهم أقل ذكاءً، ويتسبب في إصابتهم بالشيخوخة المبكرة، والتقدم السريع في العمر.

ووجد الباحثون أن المعيشة على حدود خط الفقر لمدة 20 عامًا، كان لها «ارتباط وثيق بضعف وتدهور وظيفة الإدراك في المخ البشري»، بالإضافة إلى الشيخوخة المبكرة.

واقترح الباحثون أن تشمل الأسباب المحتملة لهذه الظاهرة، كلًّا من الضغوط التي يتعرض لها الإنسان، نتيجة قلة المال لديه، وعدم وجود السكن الملائم، وعدم وجود النظافة العامة الملائمة، وأسلوب الحياة غير الصحي، وهذا الأخير يتضمن اتباع نظام غذائي فقير، والتدخين وشرب الكحوليات، وممارسة أقل القليل من الرياضة والتمارين.

لكن يبدو أن الأمر أكبر من هذا، فنتيجة لاختلاف توزيع الدخل بين أفراد المجتمع، تحدث تغيرات واضحة في دماغ الإنسان، وهذا ما أوضحته أماندا مونتانيز، المحررة بموقع ساينتفيك أمريكان (Scientific American) العلمي المتخصص.

 

الدخل والمخ

تقول مونتانيز إنها منذ بضعة أسابيع كانت تستمع إلى سلسلة بودكاست ممتازة تتكلم عن الفقر في الولايات المتحدة الأمريكية. وذكرت أن واحدة من الرسائل التي التصقت برأسها في ذلك الوقت، كانت عن كم العوامل الكثيرة التي يحتاج الفقراء إلى مواجهتها، والتي تعمل ضدهم، هذه العوامل التي يسهل عليك -إن كنت غنيًّا- أن تنكرها وتتجاهلها أو حتى تلاحظ وجودها.

وفي عدد مارس من مجلة ساينتفيك أمريكان، سلط كيمبرلي نوبل، عالم الأعصاب، الضوء على واحدة من هذه العناصر غير المرئية -ولكنها حقيقية جدًّا– وهو تأثير الفقر في نمو الدماغ لدى الأطفال.

عند النظر في هذا الموضوع المعقد، فإن أي نوع من النهج أو الوسائل القائمة على البيانات يمكن أن تورطنا داخل مجموعات من العوامل الخارجية، والمتغيرات. وبعد كل شيء، يظهر لنا كما لو أن المال ليس لديه أي تأثير في حد ذاته على هيكلية الدماغ أو أي وظيفة واحدة فيها. بدلًا من ذلك، فمن المرجح أن يكون مزيجًا من التأثيرات البيئية و/أو الوراثية المصاحبة الفقر، هو ما يؤدي إلى الاتجاه العام للتحصيل المتدني نسبيًّا بين الأطفال الفقراء.

وبحكم التعريف، فهذه مشكلة متعددة الجوانب، والتي يبدو من المستحيل فيها تقريبًا استيضاح الروابط والمسببات بشكل مؤكد. ومع ذلك، قام مختبر العالم نوبل والمسمى بـ«نوبل لاب- Noble’s lab» بالتصدي لهذا التحدي باستخدام أفضل الوسائل العلمية والأساليب المتاحة.

 

نوبل لاب

أولًا، كان لا بد من تحديد المشكلة، وهي: ما هي الطرق المحددة التي يعمل بها الفقر على التأثير في الدماغ؟ ولمعالجة هذه المسألة، جند نوبل نحو 150 طفلًا من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، وقام باستخدام أساليب الاختبارات النفسية القياسية لتقييم قدراتهم في العديد من المجالات المعرفية المرتبطة مع أجزاء معينة من الدماغ. وكما هو مبين في الرسم البياني أدناه، فإن العلاقات كانت واضحة، وخاصة من جهة المهارات اللغوية.

وتخبرنا البيانات السابقة أن الأطفال يميلون إلى الأداء بشكل أفضل فيما يتعلق بالمهارات المعرفية المختلفة، عندما تكون الحالة الاجتماعية والاقتصادية أفضل. وفي حين أن البيانات السابقة هي مقنعة إلى حد ما (زيادة مهارة تعلم اللغات مع تحسن الحالة الاجتماعية والاقتصادية على سبيل المثال)، إلا أنها غير مكتملة.

وللتدليل على الآثار المادية للفقر على الدماغ، فيجب أن ندرس العضو نفسه، يجب أن نفحص الدماغ نفسها. وتحقيقًا لهذه الغاية، فحص مختبر نوبل أدمغة حوالي 1100 من الأطفال والمراهقين، ووجد بالفعل أن هناك اختلافات هيكلية واضحة تقوم على قيمة دخل الأسرة. وبشكل ملحوظ، أظهرت النتائج أن هؤلاء الأطفال الذين يقعون في النهاية الأفقر من أدنى شريحة من شرائح الدخل تعاني خسائر فادحة أضعافًا مضاعفة في نمو الدماغ.

وتشير الصورة التالية إلى أن المتاعب الناجمة عن عملية نمو الطفل في الفقر تقلل من المساحة السطحية لبعض مناطق القشرة الدماغية أكثر من بقية المناطق. المناطق المتأثرة يطلق عليها اسم ماجينتا (magenta)، وهي التي تساهم في أشكال متعددة من العمليات العقلية.

ولاحظ العلماء هذه الروابط عبر رسم بياني يحوي القياسات المتعلقة بالمناطق المتأثرة (جرى التعبير عنها بمساحة القشرة الدماغية) في مقابل الحالة الاقتصادية والاجتماعية. وأظهر الرسم البياني خطًّا (موضح في الرسم التالي) يسمى خط الماجينتا، والذي يظهر العلاقة بين دخل الأسرة، ومساحة القشرة الدماغية المتأثرة.

وتظهر المنطقة الصفراء الأطفال الذين يعيشون داخل أسرة يقل دخلها السنوي عن 50 ألف دولار، ويتضح أن القشرة الدماغية تتأثر بقوة بهذا الدخل. أما بالنسبة لأولئك الذي يعسشون في أسر ذات دخل أعلى، فكان التأثير في القشرة أقل بشكل واضح. وتمثل كل نقطة زرقاء طفلًا أو شخصًا من المشاركين.

ومع جميع القضايا الاجتماعية التي تواجهها الدول، تشعر الكثير من الحكومات أن الفقر -في كثير من الأحيان– هو المشكلة الأكبر والأسوأ. وهذه الأنواع من نتائج البحوث يمكن أن تؤدي إلى تفاقم شعور الفقراء بالآلام.

 

الفقر يؤثر في قراراتنا

في أغسطس (آب) 2013، نشرت مجلة ساينس العلمية دراسة تاريخية، خلصت إلى أن الفقر، في حد ذاته، يضر بقدرتنا على اتخاذ القرارات المتعلقة بالمدرسة والماليات والحياة، كما أنه يفرض عبئًا عقليًّا مماثلًا لفقدان 13 نقطة ذكاء.

وقد نظر لهذه النتائج على نطاق واسع على أنها حجة مضادة على الادعات التي تلقي اللوم على الفقراء فيما يتعلق بالقرارات السيئة، وتوبخ تلك السياسات التي تحجب الأموال عن الأسر الأكثر فقرًا إذا لم تتصرف بطريقة معينة. بعد كل شيء، فإذا كان الفقر يؤدي إلى عملية اتخاذ قرار سيئة، فإن منح الأموال للفقراء من شأنه تخفيف الأعباء المعرفية الناجمة عن الفقر.

وبالعودة لدراسة عام 2016، فقد لاحظ الباحثون أن ظاهرة أن الفقر يجعلك أقل ذكاء، هي قائمة حتى بين الناس الذين تلقوا تعليمًا عاليًا وسقطوا بعدها في براثن الفقر. ما وجده الباحثون في هذه الدراسة هو أن الناس الذين يعيشون باستمرار في فقر يتميزون بأداء أسوأ بكثير من أولئك الذين لم يسبق لهم العيش في مستوى دخل منخفض، وذلك طبقًا لما بينته اختبارات الذاكرة اللفظية، واختبارات سرعة معالجة الدماغ، واختبارات الوظائف التنفيذية.

وذكرت الدراسة أيضًا أن «الحجم الكلي للروابط يشير إلى أن المحن الاقتصادية التي يمر بها الشخص في مرحلة الشباب هي محددات مهمة للصحة المعرفية في مرحلة منتصف العمر»، حسب المجلة. وأضافت: «من منظور الآلية، قد تكون المصاعب الاقتصادية مساهمًا مهمًا في العجز المعرفي الإكلينيكي، والشيخوخة المبكرة بين الأفراد المحرومين اقتصاديًّا».

ساسه 9/3/2017

شبكة البصرة

السبت 13 جماد الثاني 1438 / 11 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط