بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كيف نصنع التاريخ أو كيف نفسره ونعلل أحداثه

شبكة البصرة

أ. عبدالعزيز أمين عرار

باحث ومؤرخ فلسطيني

اختلفت النظريات والأفكار والرؤى والتحليلات في تفسير أحداث التاريخ ما بين تفسيرات مادية وأخرى دينية وثالثة جامعة قومية صاغت رؤيتها عبر المجموع ولكل منطلقاته وتفسيراته بقدر تأثير الجوانب المادية أو المثالية فيه، فمن قائل أن المادة والاقتصاد هي محرك أحداث التاريخ الكبرى وصراعاته وحروبه وتناحراته وعلاقاته تحكمها المصالح والغايات والاختلاف والتضاد بحسب درجة الخسارة والربح في حين يرى البعض أن الله هو محرك الأشخاص والكون فيصنع قدره بما شاء وبمستوى علاقتنا به نجني الانتصارات أوالخذلان.

وهناك نظرة قومية تقول بأن الله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا وأن أحداث التاريخ تتداخل فيها عوامل كثيرة تسهم في صنعها بعضها اقتصادي وأخرى قومية وبعضها ديني رسالي أو مؤثرات جغرافية وأدوار وبطولات فردية لها علاقة بذات البطل وعلاقته بالمحيط والمجموع.

ويظهر سؤالا مهما هنا هل أحداث التاريخ تتكرر أم أنها تتشابه؟. برأيي أنها قد تتكرر ولكن الوجه الخارجي للاحداث يظهر فيه التشابه فيما يأتي الاختلاف داخلي في التفاصيل المتنوعة.

أرى أن أحداث التاريخ هي رهن بما يصنعه أبطال التاريخ وحسب أدوارهم وعلاقاتهم (الفرد) و(الجماعة) و(الذات) و(الموضوع) عبر حالة مستمرة من سيرورة الجدل والتدافع البشري وحركة المجتمع وطبيعة قواه وأي قوة يحملها طرف أو جماعة عن غيرهم ويصدق فيها قول الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج:40-41

والواقع أن الدولة الكافرة والعادلة قد تعمر أكثر من الدولة الدينية التي يستبد فيها فرد بلا عدل وهو ما يفسر سقوط دولة الخلافة الاسلامية أمام التتار والمغول، أو الدولة الاسلامية امام الفرنج ونحن أمة المليار أمام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين.

عندما تغيب عوا مل القوة ومنها : قوة الحق وقوة المنطق والجهاد والتنظيم والتعبئة أمام قوة مندفعة متراصة ومتماسكة وملتفة حول هدف بغض النظر عن مستوى عدالته أو ديانته فإن الانتصار والتقدم والاندفاع سيأتي بنصر لهذه الجماعة كما حدث مع جنكيز خان ضد دولة الاسلام.

اجمالا هناك حالة مستمرة من التدافع والتنازع والتناحر البشري بمحركات مختلفة وعوامل اقتصادية ودينية وقومية وفردية وجهوية تؤثر في استمراية هذا الاندفاع الصاعد تارة والهابط تارة أخرى داخل الأمة الواحدة أو الشعب الواحد أو الكل البشري يؤثر ويتأثر حيث لا يتوقف التاريخ في حركته الحلزونية عند حد معين بل هو مستمر إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وما من شك أن للأقوياء فيه نصيب كبير يرسمون لوحته بصورة كلية أما الضعاف فموقعهم من التاريخ وتدويناته ما بين أسنان المنشار يمر ذكرهم لماما أو بلا ذكر، وأقول أن قوى التاريخ وحضاراته أشبه ما تكون بشجرة التين تورق وتخضر ولكن السوس ينخرها وفي الوقت الذي تموت فيه شجرة تنبت بجانبها فسيلة أخرى لتنبت شجرة خضراء جديد ة هكذا هو تاريخ الحضارة البشرية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وينطبق عليه قولهم: "الدنيا دوارة يوم لك ويوم عليك".

8/3/2017

شبكة البصرة

الاربعاء 10 جماد الثاني 1438 / 8 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط