بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

دور بريطانيا والمسيحية المتصهينة في نشوء فكرة الكيان الصهيوني

شبكة البصرة

أ. عبدالعزيز أمين عرار

تعتبر بريطانيا أكبر حاضنة غربية لها علاقة بنشوء الفكرة الصهيونية، ونموها، وتطورها من أجل بناء وطن قومي لليهود، سواء أكان ذلك بما ظهر فيها من فكر غربي استعماري يؤمن بفكرة سيطرة الرجل الأبيض، أم بظهور أفكار استرجاعية بروتستانتية تؤمن بعودة المسيح المُخلِّص من خلال عودة اليهود إلى أرض فلسطين، كما أن حصار نابليون مدينة عكا، واحتلال إبراهيم باشا بلاد الشام جعلت المسألة الشرقية، ومصير الدولة العثمانية على بساط البحث حيث ناصبت بريطانيا محمد علي باشا العداء بعد قيامه بتوحيد مصر وسوريا.

شكل عام 1838 أهم الأحداث التي تتعلق بفلسطين، فقد شهد هذا العام فتح أول قنصلية بريطانية في مدينة القدس، واهتمام كبار رجال الدين المسيحيين، والرأي العام الأوروبي بالأرض المقدسة، وفيه ظهر تضاربت المصالح بين الدول الأوروبية وتنافسها في إطار المسألة الشرقية، بينما أذعن السلطان العثماني للأوربيين الذين أخرجوا إبراهيم باشا من فلسطين عام 1841(6).

لقد زادت الخطط الأوروبية التي جعلت فلسطين وأراضيها المقدسة في بؤرة "المسألة الشرقية"، وسارت الأحاديث حول فلسطين، ومستقبلها بصفتها كياناً يهودياً، أو مسيحياً، أو شبه مستقل منتشرة في العديد من الدول الأوروبية بين عامي 1839-1840(7).

تعتبر إنجلترا البروتستانتية أكبر قوة استعمارية في القرن التاسع عشر الداعية لزوال حكم الأتراك،وعودة اليهود إلى فلسطين، وقد ظهرت هذه الفكرة عند كل من حاكم جنوب استراليا 1796- 1869، وبالمرستون في بريطانيا، فقد ظلا يناديان بإعادة استيطان اليهود لفلسطين من أجل حماية خطوط الاتصال بين أنحاء الإمبراطورية(8).

كان بالمرستون وزير خارجية بريطانيا عام 1840 من المتحمسين لنشوء كيان يهودي بفعل تأثير اللورد شافتسبيري أحد الذين حاولوا إقناع السلطان العثماني بفكرة عودة اليهود واستيطانهم فلسطين، مبيناً أهمية الفائدة التي ستجنيها الدولة العثمانية من ثروات اليهود الرأسماليين الذين يستثمرون أموالهم فيها(9).

أرسل بالمرستون رسالة إلى السفير البريطاني في القسطنطينية طالباً فيها إقناع السلطان العثماني بتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، وأهمية ذلك في عودة الشعب اليهودي، وبناء الوطن القومي اليهودي الذي سيحول دون أية مخططات شيطانية لمحمد علي، أو لخليفته، وهي دعوة لم تقتصر عليه فقط، وهكذا نمت الفكرة البريطانية وتطورت لنشر الصهيونية عند عدة شخصيات بارزة، أمثال: شافتسبيري، وديزرائيلي، ورودس، ولورنس أوليفانت، وبلفور، فبعد أن برزت أهمية قناة السويس في ستينيات القرن التاسع عشر، وحاجة بريطانيا لقوة شرطية تحمي المنطقة، ونمو النزعات القومية الشوفينية في وسط أوروبا، وانتشار فكرة معاداة السامي لليهود، وازدياد نفوذ الدول الغربية داخل الدولة العثمانية من خلال نظام الامتيازات الذي رعاه أغنياء اليهود المقربون من الدوائر الرسمية الحاكمة، ونشر المذابح (البوجروم) المعادية للسامية في روسيا عام 1881 اندفعت الفكرة الصهيونية نحو الطرح والتداول، في حين تراجعت (حركة الهسكالا): الحركة اليهودية التنويرية الاندماجية، وحلت محلها حركة"أحباء صهيون"(10).

ولتحقيق غايتها أنشأت حكومة بريطانيا (جمعية صندوق استكشاف فلسطين) عام 1864، وقد أعلن الصندوق أنه مؤسسة تهتم بالبحث الدقيق المنظم في الآثار، والطبوغرافيا، والجيولوجيا، والجغرافيا الطبيعية والعادات والتقاليد للأرض المقدسة، بهدف التوظيف التوراتي، أو الأهداف "الاسترجاعية العسكرية"، أي معرفة المسالك والطرق التي تؤهل بريطانيا لاحتلال المنطقة، وذلك بإعداد خرائط عسكرية، وقد أفاد الصندوق في معرفة المنطقة ومد النفوذ الاستعماري إليها عند دخولها عام 1917(11).

وتسابقت الدول الغربية بتشكيل جمعيات أمريكية، وألمانية، علاوة على تأسيس مدرسة الآثار الفرنسية، وظهر أن الجميع معنيون بإبراز علاقة اليهود بفلسطين، وإثبات ملكيتها لصالحهم، مؤكدين على أهمية كتاب العهد القديم للمسيحيين، حتى إن مؤسس منظمة الصليب الأحمر الدولي التي تقوم مبادئه على الاستقلال والوحدة، وعدم الانحياز ومبادئ أخرى وجدناه ينحاز لليهود وفكرة توطينهم في فلسطين.

لقد دعا هنري دونان H.Dunant مؤسس جمعية الصليب الأحمر الدولي إلى تأسيس جمعية دولية لتجديد الشرق، وملء فلسطين بالمستعمرات تحت حماية نابليون الثالث، وتكون تحت حماية فرنسا، ويستطيع اليهود خلالها السير في خطوات تمدينية في قارة آسيا، ويكون من نتائجها تحرير الأرض المقدسة من نير الأتراك، والإنهاء السلمي لحكم الإسلام وغيرها من الدعوات والمشاريع التي طرق بابها كل من بيروتي، وكولمان، وأوليفانت، وكوندر، والأخير من صندوق استكشاف فلسطين الذي رأى أن يستفيد من سكان فلسطين بجعلهم سقائين وحطابين(12).

ومع اتساع نطاق المباحثات في الغرب حول مصير فلسطين، وهل من الأفضل أن تبقى بيد العثمانيين، أم تقام دولة مستقلة لمصلحة اليهود، وهو ما رأى فيه عدد من الساسة والأدباء البريطانيين أهمية لمصلحة بريطانيا، وقد أخذ يروج لهذه الفكرة "يهودا حاي القلعي"(1798_ 1878 (yehudah alkalai الذي كان يقيم في مدينة القدس صاحب الفكرة القائلة بأن اليهود أمة يهودية واحدة لها هدف قومي، كي يجذب فقراء اليهود ملوحاً بالفوائد المالية الجمة التي سيجنونها من هذا الاستيطان، معبراً عن أفكاره في كتابه "اسمعي يا إسرائيل" (hear Israel) داعياً لاتحاد اليهود، وتكوين كيان يهودي عالمي وشراء الأراضي عن طريق عقد قروض، وإنشاء صندوق ضرائب يهودي، وهو ما تمخضت عنه فكرة الصهيونية وصناديقها لاحقا(13)

وقد طبق هذه الأفكار السر"موشي منتفوري" أحد وجهاء اليهود في بريطانيا الذي لعب دوراً مهماً في خدمة قضية اليهود بسبب سعيه الدؤوب لتوطينهم في فلسطين، وقد زار البلاد 7 مرات بين عامي 1827-1874 آخرها وعمره تسعون عاماً، وقد أثمرت جهوده في تبني بريطانيا لقضية كل اليهود وتوطينهم في فلسطين بجهود بالمرستون(14).

عمل "منتفيوري" على شراء قطعة أرض، وبنى عليها حياً لليهود خارج أسوار مدينة القدس، واقتنى بيارة برتقال، وجعلها للتدريب الزراعي، ثم أقيم عليها حي باسمه(15).

ولم تفلح فلسفة موسى مندلسون (1729-1786) القائمة على فكرة اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية "الهسكلاة "، وتحطيم عقلية (الغيتو) في جمع اليهود حولها(16).

 

ونسوق للقارئ رأي الصهيونية في أسباب نشوئها.

أولا: هزيمة الدولة العثمانية أمام روسيا في عام 1878، حيث شهد العالم نشاطاً خاصاً، ووضعت البرامج السياسية المختلفة، لتحديد مصير الدولة العثمانية.

ثانيا: ثار نقاش حول التنبؤ بما سيؤول إليه أمر فلسطين، وقد بحثت بريطانيا مع الدولة العثمانية في مصيرها.

ثالثا: دفعت سلسلة المذابح التي ارتكبت ضد اليهود وسيطرة "الحركات اللاسامية"، وميل عدد من الدول القومية في أوروبا لاضطهاد اليهود، وارتكابهم مجازر عديدة ضدهم، وقد حدثت في فرنسا، وروسيا، وبولندا، ورومانيا، وذلك في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

رابعا: نظراً لقناعة اليهود بأن سقوط الدولة العثمانية سيكون تحصيلاً حاصلاً بسبب ضعفها، انطلقت أصوات بعض المفكرين اليهود تنادي بالعودة لأرض (الميعاد)، والتخلص من فكرة الاندماج التي باءت بالفشل(17).

هكذا اندفع المفكرون الصهاينة تحكمهم النظرة الاستعمارية القائلة بأن فلسطين (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وأن حنينهم وشوقهم لأرض (صهيون، أرض الأجداد) يملي على (شعب الله المختار) أن يعود إليها، ويعمل بالزراعة كما تحدث عنها كتابهم الديني (العهد القديم)، بهدف استعمارها من جديد حتى يتخلص من المعازل، أو (الجيتو) وصوروا سكانها بأنهم جماعات متخلفة وبدائية ومنحطة جاؤوا من البلاد العربية، وأنهم أجدر بهذه البلاد منهم؟!!.

لقد دعا "لورنس أوليفانت" للاستيطان الصهيوني في منطقة محمية من سوريا الجنوبية تتبع لبريطانيا، وجاءت دعوته عام 1880، ثم اخترع ناتان بيرمباوم (1864ـ 1927) لفظ الصهيونية واقترح عام 1893 توطين اليهود في البلاد المجاورة للبلاد المقدسة، وظهر كتابه قبل مجيء هرتسل بعامين، ودعا ليون بنسكر اليهودي الروسي عام 1882 إلى إقامة كيان جديد، ولا يهم أهو في فلسطين أم في غيرها؟، ولكنه فَضل فلسطين، وعبر عن أفكاره في كتابه "التحرر الذاتي"، وفي أجواء الاضطهاد الروسي لليهود وجد ضالته في جمعية أحباء صهيون لنشر أفكاره، وقد هاجر إلى فلسطين عدد يتراوح ما بين 20,000 و30.000(18).

وفي سياق الهرطقة المسيحية قامت فئة نصرانية لتقول: إن أورشليم الجديدة معقد آمال اليهود، وهي تمني النفس بإعادة تشييد الهيكل على أساسه القديم، ولطالما أخذت تتلألأ بالمدائح الربانية مثل قولهم: "ما عرف طعم الخبز إلا من ذاق خبز أرض إسرائيل (تلمود - تر. سنهدرين)، أو قولهم: "من مشى أربعة أميال في أرض إسرائيل فقد ضمن لنفسه مكاناً في العالم الآخر" (19).

كما أن الصحافة البريطانية أخذت أقلامها تنحى هذا المنحى حتى إن جريدة "سباكتور" وهي من الصحف الرزينة عبرت عن الرأي العام الإنجليزي بقولها:" لو أراد اللورد بيكونسفيلد لانصرف في مؤتمر برلين إلى تحرير البلاد المقدسة، وإعادة اليهود إلى بلادهم بدلاً من التشاغل بأمر الروملي وشأن الأفغان لفاز بالزعامة الكبرى ومات دكتاتوراً"(20).

وقام "زفاي هيرش كاليشر" من مقاطعة بوزن في بولندا بتأليف: كتاب "السعي إلى صهيون" عام 1861 حيث طالب من خلاله بالاستيطان الزراعي في فلسطين مبيناً أن إيمان اليهودي لا يكتمل إلا إذا عاش في أرض إسرائيل، وقد أثمرت كتاباته في إنشاء أول مدرسة زراعية (مكفيه إسرائيل) عام 1870(21).

إن هذا العرض المختصر يظهر إلى أي حد كانت فلسطين مستهدفة من قبل صناع القرار في بريطانيا من المسيحيين المتصهينين، واليهود المتحمسين للمشروع الصهيوني، حيث تسابقوا لشراء الأراضي، والضغط على الدولة العثمانية، مستهترين بحقوق العرب.

وكان (بالود Blood) متفائلاً من أن الفلاحين العرب سيتركون فلسطين بكل سرور لو توفرت لهم ظروف أفضل في بلد آخر، كسوريا، أو بابل مثلاً(22).

 

المحاولات اليهودية لاستعمار فلسطين في العهد العثماني الأخير:

لم تكن حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين هجرة عفوية وفردية، حتّى في البدايات الأولى، أي قبل نشوء الحركة الصهيونية. فقد شهد الربع الأول من القرن التاسع عشر تدفقاً لأعداد كبيرة من يهود روسيا شرق القارة الأوروبية وغربها نحو لواء مدينة القدس، وما جاورها من أرض فلسطين، بغية الاستيطان فيها، وساعدتهم في ذلك قنصليات الدول الغربية التي سعت جاهدةً للتخلص من هؤلاء اليهود، بغية تطهير القارة الأوروبية منهم بأي شكل من الأشكال. وكان وراء هذه الحركة المنظمة عدد من رجال الأعمال والصيارفة الكبار من يهود أوروبا، وعلى رأسهم أفراد عائلة موسى مونتفوري وغيرهم.

وبفعل الهجرة اليهودية المتسارعة لمدينة القدس في منتصف القرن التاسع عشر من قبل اليهود والجاليات المسيحية، فقد انتقلت من مستوى بلدة ريفية إلى مدينة كبيرة مسببة الإخلال بالتوازن الديمغرافي السكاني منذ العهد الأيوبي للمدينة، فبينما كان عدد المسلمين فيها عام 1838 يشكل أكبر طائفة دينية في حين يشكل اليهود 27% من مجموع سكانها وجدناهم يشكلون ثلثي السكان في نهاية القرن التاسع عشر(23).

شبكة البصرة

الاحد 14 جماد الثاني 1438 / 12 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط