بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أبو ظامن من المحفور إلى المحظور

قصة مستوحاة من التاريخ الشفوي والتراث

شبكة البصرة

أ. عبدالعزيز أمين عرار

يقيم أبو ظامن لوحده في أرض المحفور في جبل مشكوم من جبال (مدينة شكيم)، ويسمى عندنا (جبل علي الآمرد) ويقال إن قبائل الهلالية العربية يقودهم أبو زيد الهلالي مرت في واديه، وهو جبل شاهد على أقدم فترات التاريخ عاش فيه الإنسان منذ العصر الحجري ومروراً بالعهد الكنعاني حتى اليوم.

 

اختار أعلى الجبل ليقيم فيه، في مغارة مقابلة لمغارة النسور الذهبية الفلسطينية التي صنعت أعشاشاً في سقفها، وتمتاز بقوة صبرها واحتمالها، غير آبهة إذا بتردي صنوف الدهر وأيامه. وغير آبهة بسوء أحوال الطقس، واغبرار الزمن وأجواءه، وإذا ما همت العصافير التحليق في الجو والهرب بعيدا عن هذا الوادي وفي مغارة شقفان الحمام، سارعت النسور بالطيران والانقضاض عليها وتمزيقها وأخذتها طعاماً إلى فراخها المقيمة في أعلى الجبل.

 

كان محل اقامته مغارة كبيرة لها بابين غربي وشمالي، وأحدهما كبير كالمعبر والثاني فرعي صغير، وقد اعتاد النظر في كل صباح ومساء من مكانه إلى الغرب والشرق، وعند باب (وادي قانا) الغربي كان يشاهد قطعان الغزلان والدواب ترعى في الوادي والخنازير والسباع والطيور التي أعياها التعب والجوع أحيانا فلم تقوى على الطيران والتحليق في الجو خاصة في سماء قرية دير استيا بسبب سوء الانتاج وقلة الغلة، حيث امتنع الناس عن الزراعة والفلاحة قبيل الحرب الكونية بعد أن أعياهم ظامن الويركو بضرائبه التي زادت عن مطلوبها، وسار شعارهم يومها : أحرث وأدرس لأبو بطرس، لقد قالها عبد العظيم : " لن نزرع ولن نفلح طالما نعمل لحسابهم، لقد سئمنا الحياة ".

شكل أبو ظامن حياته و منظومته القيمية بغير ما هو دارج ومتعارف عليه، وخشيه أبناء القرى المجاورة في بعل شليشة وقرية الدير، وقرية دار الضرب، وخربة قانا، وربما حسدوه على عيشه في هذا المكان وعلى قوة عضلاته وشدة احتماله.

عاشت معه زوجته وبناته الثلاث وخادمه سعيد والذي أقام في مغارة مجاورة، كان أبو ظامن متضايقا جداً من زوجته، لإنها لم تنجب له ذكوراً، وراح يفش خلقه فيها... ربما تخيل أن عزوته ستضعف، وأنه سيندثر، وفي إحدى المرات كاد أن يكسر رجلها لولا أن أشفق عليها سعيد وترجاه وبالعافية أفلتها منه، ويحتار المرء في سلوكه، ولطالما وصف بالوحشية، بسبب ميله نحو الحياة البرية، وهو يقلد أبناء البلاد منذ عهد كنعان واليونان والرومان والذين عاشوا في هذا المكان، وكانت لهم خرائب مشهورة تملأ الديار النابلسية.

 

راح يحفر الصخر الصلد بعدته البسيطة من أزاميل وفؤوس، وفيها عمل معاصر العنب والزيتون، وفي كل صباح يشرب على الريق كوبا من الزيت، ويأكل رغيفين من الخبز المصنوع بالزعتر والمخبوز في الطابون والمغموس جيدا بالزيت وكثيرا ما كان يأكل من زيت الطفاح، لم يعتد الذهاب إلى مراكز صحية، ويكفيه أن يشرب من بئر أبي عمار المعروف بمائه البارد وشبيه البوظة في أيامنا هذه. وقيل عنه أنه شرب الخمر بعد تخمير العنب، وأكل هُبر اللحم و لبن المخيض، والجبن البلدي، والسمنة البلدية، وأكل أسبوعياً خروفاً محشياً مما غنمه من الرعاة أو الذين مروا من الوادي.

 

عضلاته مفتولة وشنباته عريضة، وطويلة، ووجهه واسع ومستدير بلون وردي أحمر، أما عيناه فهي سوداوتان ثاقبتا النظر. أحداقهما واسعة و حادتان كنظرة النسور، ينظر بعيداً في ليله ونهاره على القادمين من الغرب، سواء أكانوا رعاة أو محتلين أو فرارية وكثيرا ما تغافل رعاة الوادي وخاصة من الأطفال وسلب منهم عجولا وخرافا، وكانت سرعان ما تتبخر. إلا واحدة حدثت مع أخ لموسى المحمد والذي غافل أبو ظامن ليلاُ، ووضع الحبل على رقبته، وقال له : مثل ما الله خلقك، بدك تجيب العالول الذي سرقته من أخي علاء.

وعندها اضطر للاعتراف عن مكانه وسلمه العجل، وما عاد ليكررها معه وأصبحا صديقين من يومها.

بدأت الحرب الكونية، وفرض العثمانيون التجنيد الاجباري على الجميع، أرسل أحد الضباط مجموعة صغيرة من جنوده بهدف القبض عليه وليشارك في الرديف بغرض التجنيد ومعه مجموعة من أصدقائه الفرارية.

جاؤوا إليه ليعتقلوه وهم يجهلوا أن مغارته لها بابين فاستدار من الباب الثاني وهددهم ببندقيته قائلا : ارموا سلاحكم على الأرض.

... رموا سلاحهم فصادره، ثم أمرهم بالرجوع إلى قائدهم في القرنين... رجعوا إليه صاغرين.. ذهل القائد التركي مدحت من جرأته وتحديه، وقال: سأريك يا أبو ظامن، إلى هذا الحد وصلت وقاحتك على دولتنا العلية قاهرة البلغار وُمحطمة الصِرب.

عادوا فأرسلوا له قوة جديدة، قاربت فئة من الجنود، وفي هذه المرة قرروا أن يستخدموا القوة والعنف وتحطيم رأسه ومن معه من أشقياء المنطقة خاصة أن الجميع تحولوا إلى "فرارية"، وهي ظاهرة قديمة تمتد من ابن عصفور حتى أبو ظامن، ويرفض أفرادها الخدمة والجندية في الجيش العثماني، وتهربوا من (الرديف) المتجه صوب اليمن أو حرب القرم. ترك خادمه سعيد يرعى دوابه وفر نحو قرية دار الضرب مختفياً عن الأنظار، وهي قرية غنية بآثارها الرومانية، وفيها ضربت النقود، وجرح عمرو بن العاص بعد أن حارب أميرها الطرخون، وأكرمه أهلها بالطعام والشراب.

 

عاد إليه الجنود عند مغارة النسور، فما وجدوه، فانتقموا منه بمصادرة ما استحسنوه من ثيران البقر، وأرسلوا له تهديداً مع خادمه سعيد، قال فيه القائد التركي له: أخبر سيدك أبو ظامن أننا سنهلك دوابه ونصادرها إذا لم يلتحق بحرب السفربرلك أوبـ "جيش العسملي".

لم يتقبل أبو ظامن سماع سعيد فرد عليه : أسكت أبو ظامن ما بخاف من هالدولة جميعها.

تكررت المداهمات والمصادرات، وراح مخاتير القرى يقدمون تقاريرهم أولاً بأول، وهذه مهمتهم في زمن دولة العسملي هم عيون على الشعب، يقدمون أسماء الفرارية، وأسماء شباب القرى ممن ينطبق عليهم قانون التجنيد ويتعاونوا مع ظامن الويركو مسجلين أسماء البيادر والمحاصيل المنتجة في القرية... فر أبو ظامن نحو الجنوب إلى سرطة وكفر الديك ودير بلوط. ومعه عدد من رفاقه الفرارية الملقبين بأشقياء المنطقة.

لم يطق أبو ظامن أن يبقى بعيداً على موئله فعاد إلى مغارته بعد أيام ثم توجه إلى مختار بعل شليشة كي ينتقم منه بسبب اخبارياته ووشاياته عنه. والذي أرسل بدوره بلاغا للأتراك فحضر أحد الضباط وطوقه من جميع الجهات، وقال له : هيا أخرج من المغارة رافعا يديك.

ـ قال لهم إلى أين.

قالوا إلى معسكر الحلو في مسحة.

ماذا فعلت؟

لا تسأل هناك ستعرف.

سار خلف الخيالة ومر من وادي قانا واتجهوا به إلى بديا ثم إلى مسحة. هناك جرى توكيل أحد الجنود في الجيش بحراسته،

رطن معه بالتركية، وسأله كم تأخذ باليوم؟

عرف منه أنه يأخذ ثلاثة قروش، قال له سأدفعها لك بشرط أن تحررني لساعات وسأعود إليك في نهاية اليوم.

اعترض الجندي قليلا وعاد ليتقبل الأمر وهو يقول : ستخرب بيتي.

خرج أبو ظامن من هذا المكان والتقى بأحدهم من بديا طالباً تأجيره فرسه ليوم واحد معرفاً بنفسه، ومر ساعتان وإذا به باب المختار في بعل شليشة، وناداه ليخرج.

ذهل المختار "قزيطة" عندما شاهده ولم تتسع الدنيا أمام ناظريه، ولك يا غضيب : مين اللي أفرج عنك.

وضع أبو ظامن البندقية في رأسه وهدده بالقتل. وما أن غادر أبو ظامن حتى عاد المختار ليشتكيه إلى رمة في بلده.

لم يصدق الضابط هذه الرواية ورد عليه: لقد سجناه علشان خاطرك، وحسب طلبك، ثم ماذا بقي لك!

سنفرج عنه لأن قصصك قصص ملفقة أولا وأخيرا.

عاد أبو ظامن إلى موطنه في مغارة النسور، وهو عاقد العزم على النيل والثأر من المختار، ومن هم على شاكلته.

واصل هؤلاء وشاياتهم وقد صوروه بأنه خطر ويستحق أن يوضع في سجن عكا، ورغم أنه كان يمتلك قلباً أقسى من حجر الصوان، وغير آبه الدولة ورجالها، لكنه كان يغار على بناته اللواتي لا يحميهن غيره. وكان يقول ويتمتم في احدى المرات : أي والله البنات بكسرن الظهر.

لم تمض سوى ستة أشهر من الحرب كانت كحلم المؤبد ينتظرها جميع العرب بفارغ الصبر، منتظرين احتلالال الانجليز والخلاص من الأتراك. أخذ الأتراك ينسحبون في جماعات وتركوا بعض المجموعات الفدائية خلفهم تدافع عن مؤخرتهم لتأمين الانسحاب وقام أشقياء العرب باصطيادهم حتى أن الفراري موسى المحمد قتل ثلاثة منهم، وقذفهم في بئر خربة النبي حتى بجوار كفرقاسم بعد أن ألحوا في طلبه، وضايقوا أهله وصادروا دوابهم مهددين أهله بالخوزقة.. وراح يرابط عند خلة بسم الله، وطيرة الهوى.

مر فلاح فلسطيني من المكان وكان يلبس طربوشا أحمر، ويظهر أنه تأثر برجال العهد الحميدي، وقال لأبي ظامن، ومن معه من الأشقياء الذين استضافوه.

يا إخوان أخشى أن نخسر أنفسنا برحيل الأتراك، ولا نربح شيئا من الفرنج. لا تنصروهم على إخوانكم الأتراك العثمانيين.

ردوا عليه: لقد صادروا دوابنا، وامتصوا دمنا وخوزقونا، وحالنا لا يسر الصديق.

مرت أيام على انسحاب الأتراك من فلسطين. ووصلت أخبار الأشقياء والفرارية السابحين والمتجولين في وادي قانا إلى القائد الانجليزي في مدينة يافا.

سأل القائد أحد العرب : أين يتواجدون.

رد عليه : انهم يتخذون من المحفور، وشقفان الحمام، ومغارات الجمل، وشحادة وام السعادين مساكن لهم، وأنهم يضايقون العرب في هاتيك المناطق، ويجبرونهم على دفع الخاوة، وقد فعلوا هذا بمجموعة من السياح البريطانين واليهود الذين جاؤوا لاكتشاف المكان.

فتل القائد الإنجليزي شواربه، وقال: إذا لم نضع حداً لهذه الجماعات فإنهم سيتحولون إلى قادة ثورة قادمة... آه إن الثورات تبدأ بمثل هؤلاء الأشقياء والفرارية.

قال مساعده : ألا ترى يا حضرة الميجور أننا نبالغ في تقديراتنا؟!

ـ لا لا تذكروا جيداً أن هذه الجبال والمغارات التي يسكنونها ستتحول إلى ملاذ آمن لهم يتحصنون فيه، خاصة وأن سياراتنا لا تستطيع الوصول إلى المحفور، ولا إلى جبل علي الأمرد، ومغارة الجن والسعادين.

فكر قادة الإنجليز وتشاوروا في الحل وتفتقت عبقريتهم عند قائدهم جيمس الذي قال: الحل عندي سهل وبسيط، وهو أن نُفِّرغ طاقة كبيرهم المدعو أبو ظامن وحيويته، ونقتل فيه روح الثورة إلى الأبد، وليس أفضل من اشغاله في الشقراوات اليهوديات الحسان ذوات العيون الزرقاء.

مرت أيام لا تتجاوز الأسبوع في عددها وقيل أنهم أرسلوا لويزا الشقراء إليه في الجبل، بعد أن أركبوها في القطار من القدس إلى رأس العين، ونزلت جنوب جلجولية ثم أركبوها حماراً أبيضاً قبرصياً ووصلت "جزاير أبو نصر" وسارت شرقاً. نحو وادي الزاكور ثم صوب مغارات الألمان، ودارت في الوادي شمالاً. كان الجو يومها جميلاً وربيعياً والخضرة والأزاهير البرية تسلب جمال الكون في وادينا الأغر.

نادوا عليه من أسفل الوادي فأطل عليهم كالملهوف، وتركوها عنده وغادروا ربما كانت ساعات أو أيام لا ندري. نزلت عليه كحورية من السماء. قالوا في روايتهم أنه رتع فيها حتى داخ، حيث لم يحلم يوما بمثل هذا الجمال والغنج، وتكرر المشهد بين حملها إلى بداية الجبل وحملها إليه على حمار بيض قبرصي، أخيراً تدلت شفتاه وخارت ركبتاه كحال العجزة في الثمانين من أعمارهم، وأصبح يمشي كالمغشي عليه يرى العالم من حوله بالألوان.

سأل جيمس بعض معاونيه: ما أخبار كبيرهم؟

فقالوا له: لقد خربناه ما عاد بقوته. لقد انهارت ثورته.

رد القائد: الآن انتصرنا، عمموا هذا النموذج على جميع الأشقياء العرب، لينتصر اخوانكم اليهود ويفرحوا ببناء دولتهم في فلسطين.

27/2/2017

شبكة البصرة

الثلاثاء 2 جماد الثاني 1438 / 28 شباط 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط