بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام) - (ح 23)

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- الحقائق الماثلة، التي يفرزها واقع دولي وإقليمي متحرك.

- متغيرات في العالم.. ومتغيرات في القدرات.. ومدركات تعوزها الحسابات.

 

أولاً- الحقائق الماثلة:

- إن أي قوة عظمى أو كبرى لا تستطيع أن تبني نظامًا دوليًا جديدًا عادلاً ومستقرًا لوحدها.. فالقوى الدولية هذه بحاجة إلى شراكة جدية تتنازل فيها عن بعض (سياداتها) لصالح بناء هذا النظام.

- هناك نواة يمكن أن تتشكل من كل من (أمريكا وروسيا والصين)، تساندها كقاعدة قوى داعمة ليست منفصلة عن مكون التعددية القطبية الرباعية، تقع في مقدمتها القوة الأوربية والهند والبرازيل.. وهي قوى مؤثرة يصعب إغفالها في حسابات التوازن.

- عملية تشكيل القوى العظمى للنواة تمر بـ(مرحلة إنتقالية)، قد ينعدم فيها الفراغ، الذي قد يشعل التوتر والحروب بين الدول.. حيث أن من الصحيح أن يتعزز مفهوم (الأمن الجمعي) وليس الأمن الأقليمي فحسب، من أجل بناء النظام وارساء قناعة إنضمام قوى كبرى لهذا النظام الداعم للأمن والأستقرار الدوليين.. كما أن الأمن الجمعي لن يتعزز إلا من خلال (الردع) ليس بمعنى القوة والقوة غير التقليدية فحسب، إنما من خلال الردع القانوني والأقتصادي والعزل السياسي- الدبلوماسي، لكي تتشكل قاعدة للتعددية القطبية الجديدة التي تمسك بناصية الردع المتبادل المؤكد المتعدد الأطراف.!!

- روسيا ترغب في صياغة توازنات عالمية يشكل الغرب فيها نصيبًا (أقل) من باقي القوى الدولية المؤهلة في هذه التوازنات.. حيث أن هذه الرغبة الجامحة بحد ذاتها تخلق تحديًا وإستفزازًا تنشأ عنه ردود أفعال ليست في صالح أي رغبة صادقة وموضوعية لتدعيم نظام الأمن الجمعي.

- ومن الصعب الأعتقاد بنهاية للتاريخ.. ولما كانت العولمة قد شقت طريقها عبر عقود وعقود بعيدة في القدم، ثقافة وإقتصادًا وهياكل تقنية صناعية إنتاجية تأخذ طابع الحياة العامة، بتعويم الشركات وبرامج الأعلام والأتصالات، والتي ارتبطت بما يسمى نهاية التاريخ، رغم ترسيخ أمريكا لسياسة التجارة الحرة وتأسيسها آلية الأتفاقية العامة للتعريفة الكمركية (G.A,T)، فأن العولمة قد ألحقت ضررًا في القاعدة التقليدية للمجتمع الأمريكي، حتى بات مآل العولمة إلى الأضمحلال ومستقبلها مجهولاً.

- فأذا كانت روسيا تبني تطلعاتها على هاجس الخارج الضعيف بتداعيات (أوربا) وإنهيار (أمريكا) وتفسيخ (الشرق الأوسط)، فأن مثل هذه الهواجس من الصعب الأعتقاد بأنها تستند على حقائق مؤكدة.. لأن واقع الأضطرابات الراهنة هي أشبه بـ(رمال متحركة) في بعضها، لا ينبغي الأتكال على رؤيتها وجودًا يمكن البناء عليه نظامًا دوليًا جديدًا ما لم (تهفت رغوة الحليب في الطنجرة) كما يقال.!!، إعتقادًا من روسيا بأن قوى جديدة ستتصدر خط الصعود، الذي تقوده والذي سيضع الغرب في (ذيل الخط) لبناء نظام دولي جديد.. وهنا، يكتسب الطموح الروسي غرور تاريخ يعتمد على بعض القوى الأقليمية، التي لا تخدم أي نظام دولي.. مثل النظام الشوفيني في طهران.

- إن أوربا التي أصيب مشروع وحدتها بالتصدع هل ستعيد بناء مقوماتها وحساباتها، رغم خروج بريطانيا من إتحادها.. هذا يعتمد كليا على أن تعيد أوربا حسابات علاقاتها مع دول المنطقة وأن لا تضع (بيضها كله في السلة الأيرانية المتهرئة) فتخسر وضعها وتفقد خاصية ترميم تصدعاتها، كما تخسر ميزان علاقاتها مع الدول العربية بوجه خاص والعالم الأسلامي الذي يرفض الأرهاب الأيراني بكل أشكاله.. وما ينطبق على أوربا ينطبق على أمريكا حين وضع (أوباما) بيضه الخبيث في الخانة الفارسية العفنة.. وما ينطبق على أوربا وأمريكا ينطبق على روسيا وكذلك الصين، لأن السلة الأيرانية لا مستقبل لها، على الرغم من إغراءات النفط وإغراءات الغاز وإغراءات القواعد العسكرية في ميناء بندر عباس وغيره وإغراءات الأستثمارات وإغراءات الشراكة الأستراتيجية مقابل حماية نظام طهران الشوفيني، لأن وراء هذه الأغراءات يكمن العفن الطائفي الذي سرعان ما سيجد طريقه إلى البنية الأجتماعية (المسلمة) الروسية والصينية.

- موسكو تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي، كما تسعى إلى إنتزاع إعتراف العالم بدورها العالمي، وتسعى لكي تتصدر قوى إقليمية أقل قدرة وأهمية لتجعل من نفسها (نواة) إستقطاب على مستوى الثقل المجابه للقوة المقابلة.. فأذا كان إفتراض ميل الأدارة الأمريكية نحو الأنكفاء لعدم القدرة على تحمل الكلف البشرية والمادية، فكيف تتحمل موسكو هذه الكلف الباهظة (ماديًا وإعتباريًا)، التي تقتضيها حركتها صوب إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد وبناء قاعدة الأستقطاب الضرورية لحركتها؟، حيث أن ساحة إستعراض القوة في سوريا وإطالة أمد هذا الأستعراض يتعارض مع القدرة على بناء قاعدة الأستقطاب الضرورية لحركة روسيا على مستوى العالم، فيما تظل موسكو مشغولة في وضعها المتأزم في أوكرانيا والقرم وجورجيا وضعف إيران وخوائها الأقتصادي وإنهياراتها الداخلية وحروبها الخارجية الخاسرة؟!

 

فكرة الدولة - الأمة هل استيقظت من جديد؟

مهدت معاهدة (وستفاليا) عام 1648 لنظام دولي قائم على فكرة الدولة - الأمة.. والتي أسست بدورها لمفهوم السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والأنتقاص منها بأي صيغة أو وسيلة كانت وتحت أي غطاء.. هذا المفهوم للدولة، وعلى الأمد البعيد يصطدم مع مفهوم (العولمة) التي بدورها تقوم على إزلة مفهوم السيادة وإقرار التدخل تحت يافطة (حقوق الأنسان والحرية المدنية الأنسانية وفتح الحدود بفعل إنتشار وتطور شبكات الأتصالات وإستخدام خيارات القوة المفرطة خارج أحكام التنظيم الدولي (الأمم المتحدة ومجلس أمنها)، وشن الحروب على الشعوب والدول وتعزيز دور الأحتكارات والكارتلات الدولية، وإذابة الهويات الوطنية والقومية، ومحاولة العمل على جعل العالم (قرية صغيرة)، كما قيل، وتحويل الأنسان القومي إلى كائن (كوزموبوليتي)(Cosmopolitizm) يؤمن بالعالمية ويحتكم لمنطق اللآأحكام واللآإلتزام عدا الأطر الهلامية التي يريدها صانع العولمة لكي يحلل الأنسان من صفاته الأنسانية وبالتالي من مسؤولياته.

- طيلة عقود وعقود سخر الغرب عددا لا يحصى من المفكرين والمثقفين والعلماء لتكرس مبدأ العولمة والعمل على إنتشارها.. بيد أنها فشلت بعد أن أصطدمت بجدران الدولة الوطنية والقومية وقاعدتهما شعوب العالم.. وفشلت في أن تصمد أمام الحس القومي والوطني والمسؤولية الأنسانية لدى المجتمعات الشعوب والدول، حتى بات الغرب يشعر بـ(الأفلاس) في أطروحاته المعولمة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعسكريًا وأمنيًا.. تلك الحقول التي عملت عليها العولمة وانتهت إلى الفشل الذريع بإعتراف الغرب ذاته.

- في خضم هذا الواقع تنقشع غيوم العولمة السوداء وتظهر ملامح أهمية الدولة القومية من جديد، بتعزيز مقوماتها وأسسها ومبادئها، فيما تخمد تجارب الدولة الدينية في فلسطين المحتلة وفي إيران لأعتبارات كونهما (دولتان) عنصريتان دينيتان توسعيتان إستعماريتان إستيطانيتان.. وهذا ما يفسر تمامًا إن هتين الدولتين لا تمثلان قومية حقيقية ولا تمثلان دين حقيقي.. فـ(الدولة الأسرائيلية) مكوناتها قوميات متعددة يجمعها الدين اليهودي، فهي من الصعب أن تعيش كدولة قومية، كما إنها من غير الممكن أن تعيش كدولة دينية.. أما الدولة الفارسية فمكوناتها قوميات متعددة تعلن مذهبًا في سياستها الخارجية تريد إنتشاره وإعمامه قسريًا عن طريق القوة التوسعية الأستيطانية.. فعمر هذان النظامان في (تل أبيب) و(طهران) قصير.. بمعنى أن لا مستقبل لهذين النظامين اللذين يفرخان الأرهاب في المنطقة والعالم ولا يستطيعان العيش بسلام أبدًا.

- وفي ظل التوترات، التي تحدث بين أمريكا والأتحاد الأوربي و(الناتو) أولاً، وفي ظل الأقتصاد الأمريكي الذي تريد أمريكا ترميمه ثانيًا، وفي ظل إنحسار الرغبة الأمريكية في شن الحروب غير الضرورية ثالثًا، فأن أمريكا يصعب عليها تحقيق (إجماع دولي) لشن الحروب.. فقد كانت سياسة (بوش الأبن) تسميها (الشراكة الأستراتيجية) للحشد من أجل الحرب.. أما سياسة (أوباما) فقد حققت إجماع (1 + 5) لتمرير الأتفاق النووي الأيراني من خلال مفاوضات مراثونية - تريد طهران الآن إعادة هذا المراثون لكسب المزيد من الوقت - ولكن أمريكا ستحقق ليس (إحتواء) إيران من الداخل، وهي سياسة أوباماويه فاشلة، إنما تقليم مخالبها الطائفية وتقطيع أذرعها الخارجية وتشديد الخناق الأقتصادي عليها وإقلاق أمنها الداخلي الهش.

 

ما مغزى الرسالة السرية؟:

بعث ظريف وزير خارجية طهران برسالة سرية إلى " ريكس تيلرسون " وزير خارجية أمريكا يطلب فيها من أمريكا الآتي:

- أن لا تلغي الأتفاقية النووية.

- تعيين ممثل خاص (لمناقشة) الأتفاق النووي - مراثون كسابقه -.!!

- تعيين " جون كيري " بالتحديد، مبعوثًا أمريكيًا للملف النووي - كشف علاقة كيري المتواطئة مع طهران -.

- عقد إجتماع ثنائي بصورة سرية في إسطنبول بهذا الشأن.

- فتح قناة إتصال مباشرة بين وزارتي الخارجية الأمريكية والأيرانية.

ماذا يعني هذا الطلب:؟

- الرغبة الأيرانية بجر أمريكا وأوربا إلى (مراثون) جديد يطول ويطول بحيث تتخلص إيران تدريجيًا من الضغوطات الأمريكية والخارجية، وتكسب المزيد من الوقت للمناورة لأبقاء مليشياتها على الأرض في العراق وسوريا وفي الجنوب اللبناني واليمن.

- إبتعاد إيران عن الوساطة السرية العمانية.

- التخوف الأيراني من نهج التجارب الصاروخية، التي يصر عليها المرشد الأعلى (علي خامنئي) والحرس الأيراني (من أن منهج الصواريخ هو أفضل من منهج التفاوض)، كما تتخوف كثيرا من فرض المزيد من العقوبات الأقتصادية.

ثانيًا- متغيرات في العالم.. ومتغيرات في القدرات.. ومدركات تعوزها الحسابات:

يتبع...

2/03/2017

شبكة البصرة

الجمعة 5 جماد الثاني 1438 / 3 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط