بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام) - (ح 24)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- متغيرات في العالم.. ومتغيرات في القدرات.. ومدركات تعوزها الحسابات.

- واقع التوسع في القوة غير المنضبطة التي تخلق التأزم وتكرس إختلال الأمن.

 

ثانيًا- المتغيرات والمدركات:

- أوضاع العالم في تغير مستمر.. تتضمنه تغيرات في القدرات وبناء القوة بمستوى الجيو- سياسة الأقليمية (الشرق الأوسط العمق الآسيوي - أوراسيا)، وبمستوى الجيو- إستراتيجيا القارية، التي تتأسس على قاعدة التحالفات والقدرات المتعلقة بتجميع عناصر قوة الدول المعنية.. لمجابهة التحديات التي تعصف بالعالم.. والتحديات بمجملها تحديات ذاتية وأخرى موضوعية :

الأولى: تكمن في داخل الدولة وفي نظامها وإضطراب حاجاتها المادية والروحية. والثانية: تكمن في السياسات السلبية التي تصدرها دول عظمى وكبرى لتخلق إختلالاً في التوازن، الذي ينشأ فراغًا في الأمن، فتتهيء المناخات للتمدد والتوسع والأضطراب وظهور الحروب التقليدية والأهلية وتفاقم الكوارث الأنسانية.

فالتحديات مركبة.. وكلما سُدَتْ ثغرات الداخل وضعغت التحديات الداخلية، كلما باتت القدرة على مواجهة التحديات الخارجية أكثر صلابة ومتانة ومناعة.. بعد تشخيص الأخطار سواء كانت داخلية أم خارجية وحشد الموارد البشرية والمادية وبرمجتها في حسابات تخطيط الدولة.. وكل ذلك يرتبط بالمدركات التي تعزز الأمن الوطني وإعتباره موضوعيًا جزءًا من الأمن القومي.. وهذه مُسَلَمة لا يجوز إغفالها في حسابات الصراع.. وذلك لأن العالم تحكمه التناقضات والأختلافات.. ولما هو مختلف فهو يتغير على وجه يتقاطع مع التحديات.

والمخاطر أو التحديات التي تجتاح العالم في المرحلة الراهنة، ليست أسلحة الدمار الشامل التي لا تستخدم إلا للردع، إنما تلك الرابطة غير المحتسبة القائمة بين (الأمن الأقليمي) و (الأمن الدولي).. كما هي الرابطة الجيوبوليتيكية بين (الأمن القطري) و (الأمن القومي) العربي.. فحين أحتلت أمريكا العراق ودمرت عناصر قوته، أخلتْ بالتوازن الأقليمي حتى باتت إضطراباته والأرهاب الذي نجم عنه، قد تحول إلى إرتدادات متنوعة وواسعه ضربت جدران المنطقة وأسوار أوربا وعبرت القارات وتوغلت حتى في قلب أمريكا، وبالتالي بات الأمن الدولي تتهدده مخاطر الترددات الناجمة عن إختلال التوازن الأقليمي، الذي نجم عن فعل إحتلال العراق وتمدد إيران.. ولن يستقر هذا الأضطراب وتتوقف إرتداداته ما لم تعالج جذور أو مسببات هذا الأختلال، وذلك بسحب كل المليشيات المسلحة إلى مواطنها أولاً ومحاكمة مجرمي الحرب ضد الأنسانية ثانيًا، وترك العراق لأهله ثالثًا، والأعتراف الرسمي بخطيئة إحتلال العراق وتدميره رابعًا، وما يترتب على ذلك من إجراءات معروفة يقرها القانون الدولي.. ليس ذلك مطلوبًا من أمريكا أن تفعله، لأنها لن تفعل شيئًا يتعارض مع مصالحها الأمبريالية، إنما هو مطلوب من كل العالم وعلى رأسه الشعب العراقي العظيم أن يفعلونه بكل الوسائل الممكنة بما فيها القوة.. ولا أحد يثق أو يعتمد على أمريكا أبدًا.

 

- التحولات التي تجري في العالم هي نتيجة لـ:

1- إتساع إستخدامات القوة من لدن دولة عظمى أوكبرى بما لا يتناسب مع ما..

2- يحيطها من دول ضعيفة، حفزها ذلك إلى سباق للتسلح على حساب تنميتها..

3- صاحبها تمددات وتدخلات، أفرزت ميولاً وتحالفات ذات مدلولات دفاعية..

4- وتحسبات إقليمية على خط تنمية قوتها الذاتية وإستنفار مجهوداتها الدفاعية لمواجه إتساعات القوة ومنع الدول الأقليمية من الوصول إلى أهدافها التوسعية والأستيطانية.. والمثال الشاخص هو السلوك الأيراني الراهن، والنهج الأسرائيلي القائم على سياسة التجريف والقضم التدريجي لأراضي فلسطين المحتلة.

5- واقع التوسع في القوة والتهديد بأستخدامها يخلق واقعًا آخرَ متأزمًا ومضطربًا يدفع إلى الأحتكاك والتصادم لتنعكس الصورة بالتالي على أمن وإستقرار المنطقة الأقليمية، وعلى الأمن والسلم الدوليين.

 

أمثلة على هذا الواقع:

- غزو إيران للجزر العربية في الخليج العربي.

- دخول الجيش السوفياتي إلى أفغانستان.

- غزو الجيوش الأنكلو- أمريكية للعراق.

- غزو إيران للعراق ودول المنطقة (عسكريًا - طائفيًا) وإنشاء جيوش مليشيات (موازية) في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتأسيس مثل هذه الجيوش وتسميتها لباقي الأقطار العربية.

- غزو ليبيا وتدميرها.

- غزو روسيا لأوكرانيا وجورجيا وضم جزيرة القرم.

 

6- إن عدم تقدير الموقف، أحيانًا، يخلق موقفًا آخر قد يكون مستفزًا لم تتحسب

له الدولة فيتضاعف الأحساس بمخاطر التهديدات وضرورة مواجهتها، كحالة الأصرار على إختبار القدرات الصاروخية، التي تجهد إيران نفسها لتثبت أنها لن تتراجع عن قرار تمددها المسلح المؤدلج في خارج حدودها الأقليمية، فتجربة الصاروخ البلستي المخالف للأتفاق النووي، وتعرض الصواريخ الأيرانية للسفن الحربية الأمريكية والسعودية واختبار صاروخ (S- 300)، روسي الصنع وصاروخ محلي (373).. وهي تجارب إستفزازية تهديدية لدول المنطقة بالدرجة الأولى قبل أن تهدد أمريكا.. كما أنها دليل على الشعور بالقلق والهستيريا التي تنتاب صانع القرار الأيراني الذي يشعر بالضعف في الوقت ذاته إحساس بمخاطر التهديد وضرورة مواجهته بإيقاع حالة مقابلة وهي (الردع).. ومفهوم الردع يقوم على أهمية القدرة على إقناع العدو بعدم قدرته على تحقيق أهدافه.. وتظل النتيجة، هي منع حدوث الحرب عن طريق الردع المؤكد.. ولكن الحرب قد تكون ضرورة موضوعية لكسر إرادة العدو في حالة قيام أفعال العدوان والأصرار عليها.

7- كما أن من الأهمية بمكان، إدراك أن الأجراءات (الدفاعية) قد تنطوي على إجراءات (هجومية).. وهذا الأسلوب تمارسه إيران تحت خيمة (التقية) التي كشفت عنها وباتت اجراءاتها تتسم بوضوح الأهداف والمرامي، فيما هي تمارس دور المسالم والضحية كوكيل للمحتل الغازي.

 

هل تطلب طهران حماية موسكو وهي على توافق إستراتيجي مع أمريكا؟:

قدمت إيران إغراءات لموسكو مقابل الحماية، وتتمثل هذه الأغراءات، كما أشرنا إلى ذلك في حلقة سابقة، بما يلي:

- تأسيس قاعدة عسكرية روسية على الساحل الغربي للخليج العربي.

- تقديم تسهيلات بحرية للقوات البحرية الروسية في ميناء بندر عباس.

- تقديم إمتيازات إستثمارية في قطاعي النفط والغاز الأيرانيين.

- التوجه لأنشاء حلف إستراتيجي (إيراني- روسي) يتم تأطيره بمعاهدة دفاع مشترك.

حيث يشيرالتوجه الأيراني هذا إلى الذعر والقلق الذي ينتاب صانع القرار الأيراني، وهو الأمر الذي يدفعه ليعرض على موسكو جملة من الأغراءات مقابل الحماية.!!

 

هذا الواقع يضع طهران أمام مفترق طرق:

- على مستوى الأزمة السورية، ستكون طهران هي الخاسرة.. بسبب رفضها الحل السلمي وإصرارها على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه يحكمها العمل العسكري.. وهذا يتعارض مع المصلحة الروسية العليا.

- يتضح أن الفريقين الروسي والأيراني على جبهة مختلفة حين يتعرض الأمر للمصلحة الروسية والمصلحة الأيرانية.. وهو الأمر الذي قد يدفع إلى تصادم المصلحتين.. ولكن موسكو تستخدم طهران على الأرض السورية بحسابات، وطهران تستغل موسكو في السماء السورية بحسابات.. وكليهما يمثلان خطين متعرضان في النهاية التي تخص التسوية.

- لا ترغب موسكو أن تنافسها قوة في سوريا على حساب المصالح.. وهذا ما تبديه طهران بوضوح من خلال عدد المواقف والأحداث التي تلامس مسألة الهدنة ووقف إطلاق النار، الذي لا تلتزم به إيران.!!

- كما أن مسألة، عدم جدوى إستمرار نظام دمشق وعدم قدرته على العيش بعد كل هذه الأحداث.. تضع الموقف الأيراني في النهاية تحت طائلة (إطالة أمد الموت والتدمير) القانون الدولي وأحكام محاكم جرائم الحرب وخاصة محكمة الجنايات الدولية.

- الصراع على الأرض السورية لم يعد صراعًا محليًا، إنما صراعًا إقليميًا يتداخل بقوة مع الصراع الدولي من أجل ليَ الأذرع وكسر الأرادات وفرض سياسة الأمر الواقع.. هذا الواقع الصعب والمعقد، لم تعد طهران قادرة على تحمله وهو يستنزف الكثير الكثير ليمد الداخل الأيراني بالكثير الكثير لأسقاط نظام ولي الفقيه.. أما موسكو فلديها المرونة الكبيرة لأظهار قدراتها على المناورة السياسية والدبلوماسية وهامش محدد للمناورة العسكرية.

- موسكو أطالت عمر نظام دمشق وأمدته بطوق نجاة حين أتمت صفقة (نزع الكيمياويوسهلت لأيران تمددها العسكري في سوريا.. كما أن موسكو قد أمدت بعمر نظام دمشق بتقديمها (دستور جديد) للدخول بمراوغات جرت في إستانة وما تزال تجري في جنيف، وإبقاب ماكنة إيران العسكرية والمدنية تعملان بطريقة التدمير والتجريف والأستيطان المذهبي المنظم.. ولكن إلى متى يعتمد نظام دمشق على معونات إيران وموسكو بالسلاح والأموال لأدامة زخم الحرب الطائفية الأيرانية التي تشترك فيها موسكو؟

- والمفارقة، أن إدارة (أوباما) لم ترَ في إيران عدوًا، كما كان قد أدخلها (بوش الأبن) في محور الشر.. فيما ترى إدارة (ترامب) أن إيران راعية للأرهاب وتحتضن قادة القاعدة على أراضيها، وعلى أساس هذا الأدراك، فأن السياسة الخارجية الأمريكية ترى أن مصدر التهديد ليس (داعش) فحسب، إنما إيران التي ترعى داعش وقيادات القاعدة.. ومع ذلك فأن إتفاقية الأطار الأمني ما تزال تحكم واقع الأحتلال كما هو متفسخ ومستنزف ومتهتك.. وكل ما ستفعله أمريكا هو ترميم ما يخدم مصالحها، ومنع ما يهدد هذه المصالح، لكي يستمر الأحتلال ويستمر النهب الأمبريالي ويستمر منهج التقسيم.!!

- وما يقلق نظام طهران حقيقة، هو أن أي تقارب (أمريكي - روسي) قد يكون على حسابها، وعلى أساس هذا الفهم، فأن إيران تستبق، لتقدم لموسكو عرضًا سخيًا لأتفاق إستراتيجي مقابل الحماية، فيما يعمل هذا النظام على إسترضاء الغرب الأوربي.. ولكن موسكو تعير إهتمامًا لمصالحها الأستراتيجية العليا.

- وما يقلق موسكو هو أن إقترابها من نظام طهران سيفقدها فرصة تمتين (تعاملها المشترك) مع أمريكا على المستوى العالمي.. فأين هي المفاضلة في تسويق المصالح ودفع المخاطر، والخروج السليم من بؤر الحرب الفاجعة القائمة في المنطقة؟!

- النظام الأيراني يعمل جاهدًا وهو يخادع، على أن يجعل خطابه السياسي يفصل بين تعاملها السياسي مع أمريكا وبين سياسة أمريكا لمحاربة الأرهاب (داعش- القاعدة)، لكي يتمكن النظام من التوافق مع أمريكا للعمل سوية في مجرى الحرب على الأرهاب.. بيد أن أمريكا تؤكد قناعتها بأن نظام طهران وسلوكه السياسي الخارجي هو الأرهاب وهي راعية للأرهاب..أما الملف النووي فهو منفصل والتعامل معه يأخذ إتجاه آخر، طالما أستخدمت إيران (مفاوضات5+1) المراثونية فرصة لبناء قوتها الصاروخية وإستمرار تمددها الأقليمي.

- إن معظم دول العالم يرون أن سلوك النظام الأيراني هو (المشكلة) الأساسية بعينها في المنطقة، وليس هذا السلوك جزءًا من المشكلة التي تتطلب حلول.. إذ لولا المليشيات الأيرانية المسلحة المنتشرة في المنطقة، ما كان هناك من حاجة لسياسة محاربة الأرهاب، لأن أمراء القاعدة يعيشون وأسرهم في قواعد آمنة في إيران.. أذن، فأن السلوك السياسي للنظام الإيراني هو (المشكلة) الأساس وليست جزءًا من حل أو تسوية.!!

- أمريكا (أوباما) دعمت نظام الأرهاب في إيران، رغم أن الأستراتيجية الأمريكية قد شخصت النظام الأيراني بأنه راعي للأرهاب وله يد طويلة في أحداث الحادي عشر من سيبتمبر2001، وقدمت له (1400) مليار دولار، وأشاعت بأن الأجواء السياسية باتت سهلة لدول العالم من أجل التعامل الأقتصادي والأستثمار مع النظام الأيراني.. هذه الأغراءات دفعت دولاً بصورة ساذجة (الهند وكوريا الجنوبية والصين وروسيا) نحو إجراء حوارات سياسية إقتصادية إستثمارية مع نظام طهران.

- ولكن ظهور عقوبات إقتصادية جديدة، نتيجة لتفاقم السلوك السياسي الأجرامي المنحرف للنظام الأيراني.. قد جعل الكثير من الدول تعيد حساباتها أو تتراجع أو تمتنع عن التوجه إلى النظام لأغراض التفاوض السياسي- الأقتصادي، لأن واقع النظام، وهو يبحث عن مظلة حماية، لا يشجع على التعامل الأقتصادي والأستثماري، الذي يتطلب إستقرارًا أمنيًا وضمانات مستقبيلية.!!

- ولا يجب الأعتقاد بأن التعامل التجاري والأستثماري مع تلك الدول سيمكن نظام طهران من أن يجعل منها أوراقًا ضاغطة على صانع القرار الأمريكي في مسألة التعامل وفرض العقوبات.. لأن خبث النظام الأيراني لن يستمر طويلاً، وتكراره يكشف المستور في سلوك النظام المنحرف.

- ومن هنا.. فأن خلط الأوراق هو السياسة التي برع بها النظام الأيراني.. وهي تجمع بين المغالطات والأغراءات على مسار إقتناص الفرص وإكتساب الزمن لترتيبات إجرامية قادمة.!!

1- هل للنظام الأيراني دورًا إقليميًا في ظل التمدد والتوسع خارج الحدود الأقليمية؟

2- وهل مات مبدأ كارتر(Carter Doctrine)، بشأن الخليج العربي؟

يتبع....

4/03/2017

شبكة البصرة

الاثنين 8 جماد الثاني 1438 / 6 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط