بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام؟) (ح - 27)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- مفهوم التهديد والتهديد المضاد في واقع صدقية اتخاذ القرارات.

- الحرب الباردة هل تتكرر، وهل بدأت فعلاً؟ ما هي إنعكاساتها على الوضع الأقليمي والدولي؟

أولاً- مفهوم التهديد بإستخدام القوة وتداعياته:

- يرتبط التهديد بعدد من العناصر الأساسية، المادية والنفسية والقانونية.. كما أن التهديد يرتبط بالقدرات والأمكانات، فضلاً عن حسابات القوة المقابلة في مجملها ومحيطها وتحالفاتها.. هذا يحدث في ذهن الدولة التي تصدر التهديد والتي يتوجب تنفيذه على وفق شروطها، التي قد تصاحب التهديد إستخدام القوة.. (إذا لم تكف عن كذا، سوف لن نكون مكتوفي الأيدي حيال ذلك).. ولهذا الأمر مشكلاته وتداعياته، من جهة، وقرار التهديد الذي يتعلق بالخصم من جهة أخرى.. كيف سيستوعبه ويهضمه ويرتب وضعه قبل أن يرد عليه أو يحاول التخفيف من حدته أو (لحسه)، إذا اقتضت الضرورة التي يسمونها المصلحة العليا.. ومع هذا، فأن مسألة الرد ترتبط، هي الأخرى، بالأمكانات والقدرات على الرد بالأسلوب ذاته أو بأسلوب آخر.. وإن التهديد يمكن التراجع عنه بوسائل مختلفة حيث يدخل خانة (إختبار) القدرات ومعرفة النيات، فضلاً عن زمن الرد وإتساعه.. وكل ذلك يقع في دائرة (الحسابات) الموضوعية لصانع القرار.. ولكن تكرار التهديد ولمرات عديدة دون أن يصاحب هذا التهديد (أفعال) من شأنها أن تحول التهديد إلى واقع ملموس يضع (صدقية) صانع القرار في دائرة الشك والفشل والتآكل، ثم التصدع القيمي في الصدقية.. وكذا الأمر حين (يلحس) صانع القرار تهديده دون تبرير، كما فعلها (أوباما) حيال العديد من المواقف، التي تستوجب فعلاً ينسجم مع الحالة الأنسانية والأعتبارية والمصلحية.. ونرى الآن (ترامب) وهو في ذروة نشاطه الدعائي العشوائي وكأنه يرى أنه ما يزال يعيش فترة الدعاية الأنتخابية والعروض المارثونية على مسارح الولايات الامريكية، حيث يستمر هذا التهريج لينسحب على الخارج، وخاصة منطقة الشرق الأوسط التي تعد من أكثر مناطق العالم قدرة على التأثير بحكم كونها مخزن (الحضارات والديانات والنفط والغاز والمياه)!!

وعلى الرغم من أن لا أحد يثق بأمريكا كأمبريالية، ولا أحد يأتمن كلامها ودعاواها، وتاريخها يفصح عن غدرها وتخليها عن تعهداتها إذا ما أقتضت مصالحها حتى لو أضرت بمصالح دول أخرى.. فأن علوم السياسة تفسر المواقف وتتناول الأهداف وترصد الوسائل وتضع التخطيط الأستراتيجي لتلك الدولة في موضع التفسير والتحليل والأستنتاج.. لتستخلص ما هو كائن في ضوء المخرجات والمدخلات في السياسة والأقتصاد وحقول العلوم الأخرى المرتبطة بهذه العلوم، وليس بما سيكون عليه الأمر، لأن السياسة ليست رجمًا بالغيب إنما هي تفسر وتحلل وتستقصي وتستنتج وتستشرف بالمستقبل في ضوء المعطيات الراهنة والتاريخية التي ترسمها الـ(جيو- سياسة) والـ(جيو- إستراتيجيا)، على حد سواء!!

إذن... التهديد يشترط القدرة على التنفيذ، وفي حالة التراجع المتكرر عن قرار التهديد ستضعف الدولة في ناحية صدقيتها في صنع القرار، فتخسر الكثير، ليس في الحقل المادي إنما الحقل المعنوي والأعتباري، وهو العنصر المهم الذي يتوازن مع العنصر المادي الذي يضع الدولة في مكانتها التأثيرية إقليميًا ودوليًا.. خسرت أمريكا الجانب الأعتباري خلال ولآية (أوباما) خسارة فادحة من الصعب ترميمها إلا في ضوء إعادة النظر في الأستراتيجية الأمريكية حيال الأوضاع والملفات الساخنة في المنطقة ذات الأبعاد الدولية المقلقة والمؤثرة.

ملامح تحولات في الأستراتيجية الأمريكية : هذه الملامح سنبحثها لآحقًا لأعتبارات المنهج بعد تناول الحرب الباردة وأبعادها وفيما إذا كانت ظلالها باتت تظهر في أفق الصراع المتداخل في منطقة الشرق الأوسط؟

 

ثانيًا- الحرب الباردة هل تتكرر؟:

ثمة اكثر من سبب يدعو إلى الأعتقاد بأن السياسة الأمريكية فاشلة. وفشلها يظهر أحيانًا في شكل أزمة، وهي في حقيقتها أزمة ترتبط بأزمة النظام الرأسمالي ودورته الكارثية.. وذلك بفعل إخفاقات في الرؤية الحقيقية لواقع الصراعات الأقليمية وخلفياتها الفكرية والسياسية. وبفعل المفاهيم النظرية التي ربما تنطبق في منطقة ولا تنطبق على منطقة أخرى، رغم عمليات ليَ هذه المفاهيم وترويض بعض خطوطها، إلا أنها لا تنفع في أن تحل مشكلة أو تصل إلى محصلة إيجابية دون نتائج كارثية على الجميع بما فيهم المجتمع الأمريكي.. حتى لتبدو هذه المفاهيم لا تنسجم مع حقائق الواقع الموضوعي الأقليمي.

وعلى الرغم من أن إستراتيجية إدارة (بوش الأبن) مثلاً، لم تنشر، إنما جاءت في صيغة وثيقة إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، تم الأعلان عنها في أيلول- سبتمبر2002 بعدها تم تحديثها في آذار- مارس 2006 تحت الرمز (Nss- 2002) و(Nss- 2006)، فأن فهم منطق الأستراتيجية للشؤون الخارجية يكمن في إستقراء مفرداتها ومصطلحاتها وبعض توصيفاتها الدالة، وتقع في مقدمتها مفردة (الأستباق في إستخدام القوة).

فقد أجمع الكثير على أن هذا المنطق يدفع الأدارة الأمريكية نحو سياسات ليست في مصلحة الأمن والسلم الدوليين من جهة، ولا يصب في مصلحة المجتمع الأمريكي، الذي يعاني من التضليل الصهيوني وكذب الأدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض.. الأمر الذي يؤكد أن هذه السياسة تعيش (أزمة بنيوية) ليست عادية وهي تأخذ في الراهن منحيين:

الأول- يؤشر ظهور ملامح في هذه المرحلة وصفت خطأ بأنها عودة للحرب الباردة، التي كانت تخيم على سياسة المعسكرين الأمريكي والسوفياتي.. بيد أن مثل هذه الملامح لا تتطابق، لا في التشكيل ولا في القدرات ولا في الظروف الموضوعية.

والمنحى الثاني- يُظْهر رغبة الأدارة الأمريكية في أن تكون أممية شمولية تحتوي العالم كله في صيغة أوامر وقرارات يصدرها الكونغرس الأمريكي لتطبقها حكومات العالم وتتحمل أعبائها الشعوب، وإلا فالعقوبات سيف مسلط على رقاب الجميع.. على الرغم من الأنحسار المؤقت والتراجع برفع شعار (أمريكا أولاً) والرغبة في ترميم ما هدمته الأدارات الأمريكية السابقة، وخاصة إدارة (بوش الأبن) وإدارة (أوباما).. ولكن الرغبات تختلف عن القدرات للوصول إلى الأهداف الأممية، الأمر الذي يؤكد تراجعًا أمريكيًا مؤقتًا أمام تراكم للأخطاء الأستراتيجية والفشل السياسي في تقييم الأوضاع في العالم (سوسيولوجيًا) و (إستراتيجيًا)!!

 

والملاحظ في هذا الشأن:

1- من الصعب الأعتقاد بأن أمريكا قادرة على إحتواء العالم ووضعه تحت سقف الكونغرس الأمريكي لتصريف سياساتها المختلفة والمتنوعة مثل: (قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس) و(قرار بايدن لتقسيم العراق)!!

2- كما أنه من الصعب الأعتقاد بأن روسيا الأتحادية قادرة على إحتواء العالم بأي وسيلة كانت ووضعه تحت أي مسوغ يبتكره الـ(كرملين)، مثل: (دعوة حكومة ما لحمايتها عسكريًا) كما حصل لحكومة كابول في زمن الأتحاد السوفياتي، وكما حصل لحكومة دمشق في زمن روسيا الأتحادية، التي اندفعت عسكريًا إلى المنطقة وأنغمست في بركة المجازر ضد الأنسانية من جهة، وانغمست تشارك في عفونة التنسيق مع المليشيات الطائفية الأرهابية على الأرض السورية، فيما تؤكد الحقائق على أن (داعش وحزب الله ومليشيات المرتزقة المجندة من جنسيات مختلفة والحرس الأيراني وفيلق القدس والحشد الشعبي العراقي)، تمثل واقعًا إرهابيًا لم تعد موسكو قادرة على نكران علاقاتها المريبة هذه مع الأرهاب الذي يحاربه العالم!!

3- ومن الصعب الأعتقاد بأن حربًا باردة مستنسخة ستعود على المسرح السياسي الدولي، كما لو أن الأتحاد السوفياتي لم يسقط، ولم يتهدم جدار برلين، ولم يتفكك حلف (وارسو)!!

4- إن طابع الصراع الدولي الراهن ليس (آيديولوجيًا) ولا مغلفًا بالأيديولوجيا، كما كان عليه الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، بين الأشتراكية والسوق الحرة وتسيد الفرد في قيادة الأقتصادات.. طابع الصراع بين أمريكا وروسيا الأتحادية هو (سياسي إقتصادي) له أبعاد (إستراتيجية).. ومن هذا يتبين أن أمريكا لم تتخل عن نهجها الرأسمالي المأزوم، ولا عن نهجها الأمبريالي في تعاملاتها مع الحكومات والشعوب وحركات التحرر الوطني، فيما لم تعد روسيا الأتحادية تعير إهتمامًا للأحزاب الشيوعية، التي كانت تدين لموسكو بالولاء، ولم تعد في نهجها السياسي والفكري سوى (رأسمالية- قومية) لا تكترث بنتائج أفعالها المستقبلية، التي تسيئ للعلاقات مع الشعوب، فقد خسرت موسكو علاقاتها مع معظم الأقطار العربية وكذلك الشعب العربي، وذلك بسبب من وقوف روسيا مع نظام دمشق الدموي، الذي يقتل ويشرد شعبه من جهة، وبسبب وقوفها مع الدولة الأيرانية (الثيوقراطية) الفاشية، عدو العرب، والتي تتوسع على حسابهم.. الأقطار العربية هذه يقدر نفوسها أكثر من (450) مليون نسمة.. وثرواتها المتنوعة لا تعد ولا تحصى وهي قلب العالم!!

- دعونا نفسر الملآحظات المؤشرة في ضوء المعطيات الراهنة:

يتبع....

15/03/2017

شبكة البصرة

الجمعة 19 جماد الثاني 1438 / 17 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط