بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هل ينتظر العرب أندلسَ جديدة؟

شبكة البصرة

د. علي بيان

في إحدى المقابلات الإعلاميّة مع الراحل الأستاذ محمد حسنين هيكل ذكر أنّه من المحتمل أن يكون مصير المشرق العربي مشابهاً لما حدث في الأندلس. وإذا ما تمّ استعراض الوقائع حاليّاً يمكن الإستنتاج أنّه إذا ما استمرت الأحداث على ما هي عليه الآن فإنّ الأمور ستصل إلى النتيجة ذاتها استناداً إلى ما يلي:

1- تهديدات الولايات المتحدة الأميركية للقيادة العراقية قبل حرب 2003 بأنّ العراق سيمحى عن الخارطة وسيتم إعادته الى ما قبل العصور الوسطى. إنّ كلّ ما قامت به الولايات المتحدة الأميركيّة منذ ذلك الحين وحتى الآن يؤكّد خططتها لتحقيق ذلك ليس في العراق وحده وإنّما كذلك في سوريا وربما لاحقاً في أقطار عربيّة أخرى تحقيقاّ لهدف الشرق الأوسط الجديد باعتماد استرتيجيّة الفوضى الخلاّقة التي أكّد عليها المسؤولون في الإدارة الأميركية.

 

2- عندما فُرضت العسكرة على المعارضة السوريّة نتيجةّ لاستخدام النظام العنف المفرط ضدّ المظاهرات الشعبيّة السلميّة قدّمت الولايات المتحدة الأميركيّة لفصائل المعارضة وسائل غير قتالية أي معدّات إتصالات لخدمة إستخباراتها وتجسّسها على كل ما يجري في سوريا بهدف تصويب خطَطها هناك، في حين أنّها قدّمت أسلحة ثقيلة لقوات سوريا الديمقراطيّة وأمّنت لهم الغطاء الجوي والدعم السياسي الممنهج خدمةً لمشروعها التقسيمي في الوطن العربي.

 

3- لا تزال الولايات المتحدة الأميركيّة منحازة بالكامل الى العدو الصهيوني وترفض حتى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالقضيّة الفلسطينيّة، وتماطل وتتنصّل أحياناً حتى من خطّتها المعلنة بما عرف بحل الدولتين.

 

4- عندما دخلت روسيا الإتحاديّة الحرب في سوريّا مباشرةً بعد التنسيق مع الكيان الصهيوني تمّت مباركة القوات الروسيّة الذاهبة الى سوريّا من قبل بطريرك روسيا ممّا يعطي دلالةً قاطعةّ على نمط التفكير المشابه إلى مفردات الحرب الصليبيّة الإستعماريّة في الماضي.

 

5- رغم قيام العدو الصهيوني بعدّة إعتداءات على سوريا لم يتم الرد من قبل النظام السوري ولا إيران وميليشياتها، وإنّما استعملت صواريخ سكود والبراميل المتفجرة وكل أنواع الأسلحة الأخرى ضد قوات المعارضة، ممّا يدحض كل إدعاءات النظام وإيران بحمل لواء المقاومة والممانعة، وأثبت أنّ الحفاظ على السلطة بالنسبة للنظام وتحقيق حلم الإمبراطوريّة الفارسيّة بالنسبة لإيران هما الأولويّة وليس مواجهة العدو وتحرير الأراضي المحتلّة.

 

6- ألصفقة التي تمّت بين روسيا وتركيا حول حلب والباب أي وقف دعم تركيا للمعارضة لمواجهة تقدم قوات النظام وإيران وميليشياتها مدعومةً من روسيا في حلب مقابل دخول قوات تركيّة مع الجيش السوري الحر الى الباب لتأمين عازل بين شرق الفرات وغربه ومنع تواصل قوات سوريا الديمقراطيّة تؤكد أن الهدف التركي هو الدفاع عن المصالح القوميّة التركيّة والتي من ابرز أوجهها منع قيام كيان كردي إنفصالي في شمال سوريا يمتد بين شرق وغرب الفرات، ويصبح عاملاً مساعداً لحزب العمال الكردستاني الإنفصالي في تركيا.

 

7- إن معظم العرب، دولاً أو منظمات، قوى سياسية أو عسكريّة موزعون بين المحاور المذكورة أعلاه، وهي شاءت أم أبت، تقاتل بعضها البعض، وبصرف النظر عن أهداف كل طرف فإنّ المستفيد هي القوى الخارجيّة، وهذا يشبه توزع أمراء الأندلس بين القوى التي كانت تستهدف العرب والمسلمين هناك ممّا أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه في ذلك الزمان، حيث كان هدف الأمراء الحفاظ على كراسيهم فذهبوا وذهبت كراسيهم. وإذا ما أضفنا ما يحدث في العراق وسوريا الى الأوضاع في فلسطين المحتلة وليبيا واليمن والصومال، وبدرجة أقلّ في مصر والأردن وتونس والجزائر يمكن الإستنتاج دون أدنى شك أنّ الوطن العربي تحولّ إلى ساحة حرب، ومنطقة تقاسم نفوذ، ولاحقاً لن تبقى كراسي ولا من يجلس عليها من حكام العرب الحاليّين بعدما يكونوا قد خسروا أوطانهم وساهموا في إخضاعها للإنتداب والإستعمار من جديد.

 

لا يزال العرب يمتلكون الكثير من عوامل القوة، والفرصة أمامهم لتصحيح المسار وذلك بإصلاحات داخليّة حقيقية سياسياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً على صعيد كل قطر، وبوضع استراتيجيّة عربيّة موحّدة لمواجهة التحدّيات الأمنيّة الداخليّة والتدخل الخارجي متعدّد المشارب والأهداف.

لقد حذّر محمد حسنين هيكل وما على القوى العربيّة الفاعلة، خاصّةً تلك التي تعتبر نفسها ما تزال تحافظ ولو على الحد الأدنى من احترام الهويّة الوطنيّة والقوميّة في الوطن العربي إلاّ أن تعيد قراءة التاريخ بعمق وتستلهم الدروس وتصحّح مسارها لمنع المؤامرة من الإستمرار وبلوغ غاياتها في تدمير ما تبقّى من مقومات القوة والإستقلال للأمّة العربيّة التي تتعرّض للتخريب الداخلي والتدمير الممنهج الذي قلّ نظيره في اماكن أخرى من العالم في العصر الحديث.

شبكة البصرة

الثلاثاء 16 جماد الثاني 1438 / 14 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط