بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إيقاف جولة الإرهاب: البديل الديمقراطي

بني صدر يعلن استعداده للمناظرة مع زعماء القاعدة وداعش

شبكة البصرة

مقال مترجم من مجلة جامعة هاروارد الأمريكية كتبه الدكتور أبو الحسن بني صدر أول رئيس إيراني منتخب بعد الثورة الإيرانية

في يونيو (حزيران) عام 1981 وبعد خدمة لمدة 16 شهرا بصفتي أول رئيس للجمهورية الإيرانية اضطررت للعيش مختفيا لأنه كان يجري انقلابا للإطاحة بي حيث تم إصدار فتوى دينية ضدي حكم بموجبها علي بالإعدام سبع مرات!!. فحينذاك بعثت برسالة مفتوحة إلى الشعب الإيراني أشرت فيها إلى آخر كلمات نطقت بها السيدة "رونالد" وهي كانت تحت المقصلة في عهد الثورة الفرنسية حيث قالت:

"ألا وإن امرأة حكم عليها بالإعدام ذبحا بالمقصلة صرخت قائلة: آه!... أيتها الحرية، كم من جرائم ارتكبوها باسمك"!، ثم كتبت فيها قائلا: "فاليوم وأكثر من ذلك سيقولون غدا: آه!... أيها الإسلام، كم من جرائم ارتكبوها باسمك! فعندذاك ستشوه سمعة الإسلام إلى حد لن يتحدث فيه أحد عن الحقوق باسم الدين".

هذا التكهن ثبتت صحته هذا اليوم حتى أكثر من ذلك اليوم. إن حالات تطور السلطة (= القوة) تبقى ثابتة. إن السلطة (= القوة) تحتاج إلى عدو ويكون العنف أداتها الوحيدة للتعامل. ولكن تأليف العلم والفن وقوى دافعة أخرى مع القوة (= العنف) لا يمكن استخدامها في علاقات القوى إلا بالحصول على الشرعية. إذن تحتاج السلطة (= القوة) دائما إلى إيديولوجية. مع ذلك ما لم تجعل السلطة (= القوة) الفكر الدليل منسلخا عن ذاته لا يمكن لها أن تستخدمه. إن الحاجات الدائمة في تغيير السلطة (= القوة) تتسبب في جعل الفكر الدليل منسلخا عن ذاته باستمرار. وفي الفكر الدليل يحل مبررو السلطة (= القوة) شيئا فشيئا محل كل ما يكون إما نشازا ومزعجا أو لم يعد يفيد لتبرير السلطة (= القوة). كما إن انسلاخ الفكر الدليل عن ذاته يكتمل خلال تمركز السلطة (= القوة) واستفحالها أو تعاظمها وبالتالي تبقى الصورة بمضمون لا يفيد إلا لتبرير استخدام التركيبة المذكورة أعلاه في علاقات المسيطر والخاضع للسيطرة وتصعيد العنف.

 

السياسة القائمة على علم خاطئ

لا يزال علم السياسة قائما على قناعة خاطئة بأن الإيديولوجية هي التي تستخدم السلطة (= القوة) لتحقيق غايتها. ولهذا السبب يتم تعريف السياسة في غالب الأحيان بأنها أسلوب الوصول إلى السلطة (= القوة) والاحتفاظ بها واستخدامها لتحقيق الغاية وهو التعريف الذي يعتقد أن الإنسان وبوصوله إلى السلطة (= القوة) يتمكن من تحقيق الهدف الذي تستلزمه الإيديولوجية. وبعبارة أخرى إن علم السياسة قائم على إدراك معكوس للعلاقة بين السلطة (= القوة) والإيديولوجية. إن مقدم هذا التعريف لا يعلم أن السلطة (= القوة) هي التي تستخدم الإيديولوجية وبالتالي وخلال مسيرتها للتمركز والاستفحال أو التعاظم تجعلها تنسلخ عن الذات.

أما السبب الرئيس لتقديم هذا التعريف المعكوس للسلطة والإيديولوجية فهو أن معظم الإيديولوجيات ليست إلا خطابات السلطة (= القوة). فعلى سبيل المثال تقدم الليبرالية التعريف التالي للحرية: "حرية كل شخص تنتهي حيث تبدأ حرية الشخص الآخر". هذا التعريف يفرض جانبين محدودين وهما "جو حريتي وجو حريتك". فعلى ذلك في هنا يتم تعريف الحرية بكونها محدودة، ولكن إذ إن السلطة (= القوة) هي التي تحدد الحرية فهذا هو تعريف السلطة (= القوة): "سلطة كل شخص تبدأ من حيث تنتهي سلطة الشخص الآخر". إلا أنه لا يوجد في أرض الواقع حدان، لأنه ورغم أن وجود الحد يدل على واقع أن سؤال ما هي الحرية؟ لم يجد ردا ويقول الحد إن هناك الحديث عن السلطة (= القوة)، نفترض أن الليبرالية تقصد الاختيار. ولكننا نكشف فورا أن اختيار شخص لا يحدده اختيار الشخص الآخر. فعلى سبيل المثال إن اختيار شخص للدراسة والتعلم لا يحدد اختيار الشخص الآخر للدراسة والتعلم وإنما يزيد منه. وإذا أراد شخص استخدام القوة (= العنف) لا يمكن له ذلك إلا بغفلته عن اختياره. كما لا يمكن استخدام القوة (= العنف) إلا أن يشتبك شخص مع الآخر. ولا يؤدي الاشتباك إلى نشوء حدين وإنما إلى حد واحد. فبذلك إن استخدام القوة (= العنف) يجعل الاختيار منسلخا عن ذاته ليتحول إلى عدم الاختيار (استخدام القوة (= العنف))، كما يجعل في الوقت نفسه ساحات الاختيار ضيقة على حدود اختبار القوة أو استعراض القوة.

 

هذا وهناك أمثلة كثيرة على انسلاخ الأديان والإيديولوجيات عن الذات على يد السلطة. فإن الإيديولوجيات يسارية كانت أو يمينية وكذلك الأديان راحت كلها على حد سواء ضحية السلطة السالخة عن الذات.

فعلى سبيل المثال وفي جانب اليمين يمكن ملاحظة أنه كيف انسلخت الليبرالية (سوق التنافس التام) عن ذاتها لتتحول إلى الليبرالية الجديدة ومنها إلى التاجرية والريغانية والليبرالية الوحشية بحيث أصبحت هذه الإيديولوجية المنسلخة عن ذاتها عاجزة عن تبرير تلوث البيئة وتدمير كبير للقوى الدافعة وكون ما يزيد على ثلث المنتجات والخدمات مدمرة. فهل هي تقترح طريقة لإنهاء التخريب؟ كلا. بل إن مسيرة الانسلاخ عن الذات هذه مستمرة حتى تخلو الإيديولوجية تماما من مضمونها الأول وامتلائها من مبررات لاستخدام القوة وتصعيد العنف.

أما في اليسار فانسلخت الماركسية عن ذاتها حيث تحولت إلى الماركسية اللنينية الإستالينية. واستمرت مسيرة الانسلاخ عن الذات هذه إلى حيث لم يبق من الماركسية أي شيء حتى وصلت القوة المتهالكة المتمثلة في دولة الاتحاد السوفيتي إلى حيث لم تعد تستطيع استخدام الماركسية في تبرير نفسها فبالتالي زال "الاتحاد السوفيتي" وزالت معه الإيديولوجية الماركسية.

 وفي اليسار غير الماركسي أصبحت الاشتراكية المتعارفة أو التقليدية منسلخة عن ذاتها بعد أن تحولت إلى الاشتراكية الديمقراطية ثم إلى الاشتراكية الليبرالية وأخيرا خلت تماما من مضمونها الاصيل.

 أما وفي ما يتعلق بالدين فالواقع أن الحكومة الدينية لا يمكن تحقيقها أبدا على أرض الواقع لأن السلطة (= القوة) تستخدم الدين لتبريرها.أما الدين الحكومي فهو يعني خضوع الدين لسيطرة السلطة (= القوة) ليبرر مختلف حاجات الأخيرة حتى وصول السلطة (= القوة) إلى مرحلة الانهيار. على ذلك فلابد للدين الحكومي أن ينسلخ أو يتجرد عن ذاته في مبادئه وفي فروعه بشكل متزايد ليبرر العنف المتصاعد المتسارع.

إن الإسلام وباعتباره خطاب الاستقلال والحرية، أصبح الفكر الدليل للثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979. ولكن من الصعب أن نتذكر بأن ذلك الإسلام هو خطاب الاستقلال والحرية والمعبر عن الديمقراطية الشوروية وعن تمتع الإنسان بالحقوق التي هي من ذات وجوهر حياته أي حقوقه الذاتية. وعاد السيد خميني الذي أصبح في باريس متحدثا باسم الثورة الإيرانية وأطلقوا عليه في بعض الظروف في فرنسا لقب "آية الله التحرري" ليعلن للعالم ذلك الإسلام. ولكن رغم ذلك وفور وصوله إلى السلطة بدأ بإحلال الإسلام المعبر عن خطاب السلطة (= القوة) محل ذلك الإسلام أي الإسلام المعبر عن خطاب الاستقلال والحرية. وأدى تركيز السلطة في شخص خميني إلى تسارع انسلاخ الإسلام في إيران عن ذاته ليتحول إلى عقيدة (مذهب) الديكتاتورية. وأخيرا تحدث خميني عن ولاية الفقيه المطلقة، کماوفوض نفسه إلغاء تنفيذ أحكام الدين. فبذلك حوّل الإسلام إلى إيديولوجية تم باسمها ارتكاب جرائم بشعة ووحشية فيما أنه دين المحبة والمودة والتسامح وحقوق الإنسان وحقوق الحيوان والطبيعة وهو دين يعتبر كتابه قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا ويوصي بإزالة العنف ضد الإنسان.

فمسيرة الانسلاخ عن الذات هذه مكن خميني من وصف الحرب التي اعتبرها الله سبحانه وتعالى في القرآن "من عمل الشيطان" بأنها "نعمة" يجب الحمد عليها!. فبعد أن نكث خميني عهوده ووعوده بتطبيق الديمقراطية وتابع السلطة (= القوة) بأي ثمن كان، سيطرت عليه دوافع السلطة (= القوة). هذا النموذج يشير إلى أنه كيف تقع السلطة والإيدئولوجية في فخ السلطة (= القوة) المغلق وكيف تنسلخ أو تتجرد الإيديولوجية عن ذاتها من كلا الجانبين على يد السلطة. وعندما وصلت علاقات السلطة والإيديولوجية إلى هذه النقطة فتدخل السلطة مرحلة الموت ثم تزول وهذا ما حدث بالضبط في ما يتعلق بالاتحاد السوفيتي وهو ما سيحدث بالنسبة للنظام الإيراني أيضا. كما يظهر هذا النموذج أنه كيف يصبح العنف هو الحل الوحيد في هذا النوع من العلاقة وكيف تنشأ ظروف ملائمة لاستمرار الإرهاب وكيف تزيل هكذا علاقة إمكانية استئصال الاغتيال والإرهاب. ويأتي هذا نتيجة تلك القوة الدافعة ذاتها التي حذرت منها قبل أن يشن جورج بوش وتوني بلير هجومهما على كل من العراق وأفغانستان وأكدت أن النتيجة الواحدة التي تتمخض عنها هذه السياسة هي: تنامي الإرهاب بشدة وعلى أوسع نطاق.

وبتوقفنا عند "محاربة الإرهاب" أي الحرب بين القوى العظمى الغربية والمنظمات الإرهابية نجد انسلاخ الدين والإيديولوجية عن ذاتهما على يد السلطة (= القوة)خارجا عن التصور والقناعة: ففي الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من البلدان الأوربية قد تم تحديد وكبح حرية المواطنين بمختلف الحجج بما فيها محاربة الإرهاب. فانسلاخ الإيديولوجيات الديمقراطية في الغرب عن ذاتها قد وصل إلى حيث قررت الحكومة الاشتراكية في فرنسا في بعض الأحيان تغيير دستور البلاد ليزود الحكومة بسلطة تامة لاستئصال الإرهاب. وفي جانب آخر نلاحظ أنه كيف تعرض الإسلام في ديكتاتورية "ولاية الفقيه المطلقة" للانسلاخ عن ذاته بحيث بات يقدس العنف والكراهية فيما أنه دين السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال والحرية. وقد اكتملت هذه القدوة المتمثلة في الكراهية العمياء والعنف الأعمى في وقت لاحق بتنظيمات مثل القاعدة وداعش.

 

لماذا ساهم الغرب في نشوء التنظيمات الإرهابية؟

صرحت بي نظير بوتو رئيسة الوزراء الباكستانية الأسبق الراحلة في مقابلة أجرتها معها صحيفة "لوموند" الفرنسية عام 2001 أن الحكومة البريطانية هي التي رسمت خطة إنشاء حركة طالبان وجهاز المخابرات الأمريكية (سي. آي. إيه) هي التي أدارها والحكومة السعودية هي التي مولتها والجييش الباكستاني هو الذي جعلها تنفذ عمليات عسكرية. كما إننا نعلم أن أجهزة المخابرات الغربية قد أدت دورا هاما في نشوء داعش. والسؤال هنا: لماذا؟ الرد الوحيد الذي يمكن إيجاده بمراجعة دوافع السلطة (= القوة) هو: "لأن هناك حاجة إلى عدو"!. نعم، كلما يكون العدو أكثر رهبة وظلما كلما يمكن للطبقة الحاكمة والمسيطرة أن تتذرع أكثر فأكثر إلى التخوف من انعدام الأمن. فلهذا السبب ليس أصحاب السلطة (= القوة) بحاجة إلى مزيد من الاستعداء أو اختلاق مزيد من الأعداء لهم فحسب، وإنما هم بحاجة إلى أعداء يكونون قد جعلوا الدين والإيديولوجية منسخلين عن ذاتهما ليتحولا إلى خطاب سلطة تبرر العنف حتى يتمكن المتسلط أن يبرر محاربته الإرهاب. في الحقيقة إن إيديولوجيتي كلا الجانبين تحتويان على مضمون من "العنف" على حد سواء ولا يختلف بعضهما عن البعض إلا في الإطار والشكل. ولهذا السبب تصبح لغة الحوار بين الجانبين لغة العنف ولا يتفاهمان إلا بهذه اللغة.

هذه القوى تحتاج بعضها للبعض. ولهذا السبب قلت عندما غادرت إيران في عام 1981 إني غادرت وطني لأكشف عن مستور العلاقة العضوية بين الخمينية والريغانية لأن فرض الديكتاتورية الدينية وسلطة الفقيه المطلقة على الشعب الإيراني لم يكن يمكن إلا بافتعال أزمات دائمة من قبل كلا الجانبين. فتم إشعال فتيل الأزمات باحتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 ثم استمرت هذه الأزمات نتيجة حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق وأخيرا نتيجة الأزمة النووية. وعلى هذا المسار أو المشوار وفي إطارات أخرى نشأت إيديولوجيات منظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش.

 

كيف يمكن لنا إضعاف الإرهاب؟

من الضروري أن نذكر هنا بعضا من قواعد إزالة العنف. والمقصود من قواعد إزالة العنف قواعد يمكن لها في حال تطبيقها أن تخفض أعمال العنف في العلاقات الاجتماعية ثم تحذفها وتزيلها في نهاية المطاف. فإن تطبيق هذه القواعد من شأنه أن يفتح الحلقة المغلقة للعنف الدائر بين الأطراف المتصارعة على السلطة.

السياسة الأولى أنه يجب وتحت منحى "مكافحة الإرهاب" توسيع الحريات بدلا عن تحديدها. فإن إطلاق حرية التعبير يدعم أكثر فأكثر مكافحة الإرهاب. فهناك مثال من عهد رئاستي للجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يفيد في فهم ذلك وهو: إثر هجوم الجيش العراقي على إيران اتخذ رجال دين كانوا يأملون في إنشاء نظامهم الديكتاتوري اتخذوا من الحرب ذريعة لكسر أقلام الصحفيين وكم أفواه الصحافة والإعلام. كنت وبصفتي قائدا عاما للقوات المسلحة أرفض هذه السياسة تماما وكنت أؤكد أن الحرية لا تمانع الدفاع الفعال عن الوطن وإنما تساهم وتساعد في الدفاع عن البلد أيضا. فكلما يستمر رجال الدين في غلق الصحف وكبح وسائل الإعلام كلما أؤكد ضرورة توسيع حقل الحريات قائلا: "لم يسبق في التاريخ الإيراني أن يكون لدى رئيس للدولة هاجس الحرب وهجوم العدو المعتدي على الوطن ولكن في الوقت نفسه أن يساوره قلق هجوم الذئاب القاتلة للحريات الأساسية للمواطنين وكذلك أن يبذل جل مساعيه ويسخر كل قدراته للحيلولة دون تهديد هذه الحريات وكبتها. هذا وإن المقارنة بين جولتي الحرب تبين أهمية الحرية في الدفاع عن البلد. على ذلك يجب عدم ذبح الحرية أطلاقا من أجل مكافحة الإرهاب.

 

أما السياسة الثانية هو أنه يجب استخدام الحرية لتحدي قادة التنظيمات الإرهابية. عندما وصلت أنا إلى رئاسة الجمهورية في إيران عام 1980 كان جزء من إيران يعاني من الحروب الأهلية. فدعوت التنظيمات المتنازعة إلى مناظرة حرة (نقاش حر). كنت أريد أن أسألهم لماذا لم يستخدموا الإمكانيات الديمقراطية التي كانت تحت تصرفهم للإعلان عن برامجهم السياسية والترويج لها ولكنهم وبدلا عن ذلك لجأوا إلى مواجهة مسلحة. ولهذا الغرض أعطيت الحصانة لجميع قادة تلك التنظيمات وشاركت أنا بشخصي مع القادة العسكريين في برامج إذاعية وتلفازية حية. وكان هذا الأسلوب ناجحا بشكل ملحوظ. وهنا لاحظ رجال الدين أن الأساليب الديمقراطية راحت تفشل جهودهم للوصول إلى السلطة، فمن هذا المنطلق حالوا دون استمرارها. ولكن بإمكان الحكومات الغربية والمجتمعات المدنية اليوم أن تستخدم هذا الأسلوب، حيث يمكن لها أن تقدم الأمان لزعماء التنظيمات الإرهابية ومنها القاعدة وداعش وأن تدعوهم إلى النقاش والمناظرة في الإذاعة والتلفزيون مع العلماء المسلمين وأن تطلب منهم أن يوضحوا أين يوجد في القرآن ومبادئه تبرير اغتيال الناس وارتكاب المجازر بحق أبناء البشر؟ فهم إما سيرفضون الدعوة الأمر الذي من شأنه إثارة أسئلة كثيرة لدى أنصارهم ومسانديهم وأعضاء تنظيماتهم مما سيجعلهم في الأقل يعانون من أزمة في التجنيد، وإما سيستجيبونها ففي هذه الحالة سيرى أتباعهم وأنصارهم أنه لا يمكن لهم إيضاح هكذا أعمال عنف بالاستناد إلى القرآن. إني أتطوع للمشاركة في هكذا نقاش أو مناظرة حرة.

 

أما السياسة الثالثة التي يمكن اعتمادها فهي إيقاف استخدام القنابل والطائرات بلاطيار. هناك كثيرون من الخبراء ومنهم يورغن تادن هوفر صحفي وعضو سابق في البرلمان الاتحادي الألماني أكدوا أنه وقبل الهجوم على أفغانستان كان هناك بضع مئات فقط من الإرهابيين في قرية هندوكوش، ولكن استخدام القنابل والطيارات بلاطيار أسفر عن سقوط العديد من السكان المدنيين في هذه المناطق بين قتيل وجريح مما شجع أهالي هذه المناطق على الالتحاق بصفوف هكذا تنظيمات الأمر الذي رفع عددهم بأضعاف مضاعفة ليصل اليوم إلى أكثر من مائة ألف شخص. هذا وإن عدنا مرة أخرى إلى تجربتي إبان الحرب الإيرانية العراقية فنرى أنه وفي الوقت الذي كانت فيه القوة الجوية الإيرانية تسيطر على سماء العراق وقام الجيش العراقي بقصف المدن الإيرانية بالصواريخ مما أدى إلى مقتل وإصابة العديد من المواطنين الإيرانيين، إني وقفت بوجه طلبات الانتقام فأمرت القوة الجوية بأن لا تشن أية غارة على المدن العراقية فلم تقم قوتنا الجوية آنذاك بأية مهمة تلحق خسائر غير مرغوب فيها بالعراق. فبالتالي عندما كانت صفارات الإنذار تطلق في بغداد والمدن العراقية الأخرى لم يكن المواطنون العراقيون يهرعون إلى الملاجئ وإنما كانوا يذهبون إلى منازلهم ليشاهدوا الطائرات. هذا الأسلوب من التعامل أضعف دعايات صدام حسين لحشد الرأي العام في الحرب ضد إيران وهذا الأمر أصبح من الأسباب الرئيسة لموافقته بعد تسعة أشهر من الهجوم على إيران على إنهاء الحرب ودفع التعويض عن الخسائر الفادحة التي ألحقها بإيران. فلو أخر رجال الدين الإيرانيون انقلابهم ضدي لمدة أسبوع فقط لتم توقيع اتفاقية السلام بين البلدين. ولكنهم كانوا يحتاجون إلى الحرب لتعزيز وترسيخ سلطتهم وتسريع انقلابهم ضدي ولهذا السبب حالوا دون توقيع اتفاقية السلام.

 

والسياسة الرابعة هي أنه يجب الوقوف بوجه الخوف من الإسلام وبوجه معاداة الإسلام والكف عن استخدامهما في السياسة الداخلية أو الدولية. ويجب أن لا يقتصر رفض الخوف من الإسلام على تصريحات السلطات الحكومية فقط وإنما يجب إدراجه في دروس المدارس وبرامج وسائل الإعلام عبر المؤسسات التعليمية. وإذ يكون الجهل هو الدافع الرئيس للخوف ويجد ما يسمى بالتنظيمات الإسلامية ضحاياها في أجواء من الغموض والجهل، فمن الضروري إجراء حوارات ونقاشات حرة حول الإسلام على نطاق واسع. وهذا الأسلوب هو الذي يجعل هذه التنظيمات تتآكل وتتضاءل حتى تزول تماما.

 

والسياسة الخامسة هي أنه يجب على سكان البلدان الغربية أن يعرفوا الحقيقة في ما يتعلق بالإرهاب وهي: إن الإرهاب لا ينشأ ولا ينتشر تلقائيا وعلى الفراغ أو بالصدفة، وإنما ينشأ وينتشر في موقع السلطة (= القوة) فقط ليتسبب في حصول الظروف والأوضاع الراهنة. وعلى الشعوب أن تعرف أنه وإذ توجد هناك هذه العلاقة فإن العديد من البلدان الإسلامية قد تحولت إلى ساحات حرب من أجل مصالح الغرب. فعلى الشعوب أن لا تنخدع بالقناعة بأن الإرهابيين يمارسون هكذا أعمال بهذه البشاعة والوحشية بدافع أنهم يرفضون القيم الغربية، فيما أن العديد منهم ومسانديهم لا يعرفون حتى ما هي القيم الغربية؟

 

 والسياسة السادسة هي أننا بحاجة إلى مزيد من التعليم حوق حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. عندما يكشف شخص أن حياته مقدس وأن الكرامة الإنسانية هي أمر ذاتي بالنسبة لحياة جميع أبناء البشر فهكذا شخص لا يقوم بتحويل نفسه أو شخص آخر إلى قنبلة. إن الذين يقومون بذلك أي بالتفجير الانتحاري فهم اقتنعوا بأنه لا قيمة إطلاقا لحياتهم ولا توجد هناك كرامة وحقوق ذاتية لأي إنسان.

 

 والسياسة السابعة هي مكافحة جميع أشكال التمييز. يمكن لنا ملاحظة التمييز في مجزرة باريس وفي الاحتجاجات عليها. من الضروري والمهم للغاية أن تجري احتجاجات، ولكن الاحتجاجات والمسيرات يجب أن لا تقتصر على ما يجري في باريس أو في مدن غربية أخرى. فإن المواطنين بحاجة إلى التعبير عن احتجاجهم علنا في أي مكان يمارس فيه العنف. عندما يرى المسلمون أن المجازر تجري دائما في كل من العراق وسورية وليبيا وأفغانستان وميانمار ولكن قلما شخص يرفع صوته بالاحتجاج، فهذه الاحتجاجات المشوبة بالتمييز تصبح مصدرا للغضب والغيظ. عندما تكون القضية هي حياة الإنسان فيجب جعل الاحتجاج على ممارسة العنف وانتهاك حقوق الإنسان ورفضهما قضية عالمية الأمر الذي سيؤدي إلى تحقيق التضامن بين المواطنين من جهة والثقافات والقناعات المختلفة من جهة أخرى وإلى أن تصبح حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وكإنسان أمرا مشتركا بين جميع أبناء البشر.

فإذا حلت العلاقات بين أصحاب الحقوق محل العلاقات بين المتسلط والخاضع للسلطة وإذا مورست هذه العلاقات والأساليب الأخرى الخاصة لإزالة العنف فإن المستنقع الذي وفر الظروف للإرهاب سوف يتجفف لا محالة وإن الإرهاب سوف يتعلق بالتاريخ الماضي.

شبكة البصرة

الجمعة 5 جماد الثاني 1438 / 3 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط