بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وثيقة: كتاب في دروب النضال الوطني والقومي "بيانات"؛

شبكة البصرة

صورة غلاف كتاب (في دروب النضال الوطني والقومي) الذي نُشِرَ سنة 1981 وتضمن مجموعة من البيانات والمواقف والدراسات لبعض القضايا الوطنية، والقومية المطروحة على الساحة حينها، وتتشرف الصفحة الرسمية لحزب الصواب اليوم بنشر دراسة منه تعالج موقف الطليعة الثورية (الاسم الذي بدأ البعثيون يوقعون به بياناتهم) من المشكل الثقافي واللغوي. وقد عُرضت الدراسة كما هو مبين بوضوح في الصورة الثانية (الصفحة الأخيرة من البيان) نهاية دجمبر 1979 وقدمت على طريقة توزيع البيانات السرية التي كانت حينها وسيلة التخاطب والتواصل الوحيدة المتاحة لأصحاب الرأي حين يودون تقديم مواقفهم ورؤاهم من قضية ما، ولعل في إعادة نشر هذه الوثيقة وغيرها مما تنوي الصفحة نشره من المواقف والرؤى التاريخة لمختلف المجموعات الوطنية مستقبلا إن شاء الله، وقد حصلت على قدر مهم منه، ما يساعد في رصد مواقف اصحابها ورؤاهم الفكرية و الاستراتيجية من القضايا الكبرى، والحكم عليهم من خلال ذلك، أي انطلاقا مما كتبوا وعبروا عنه ورابطوا عليه، وعرفوا به، وليس مما يود آخرون إلصاقه بهم دون دليل.

تعيش بلادنا الآن فترة من احلك فترات تاريخها، فترة عم فيها الفساد الناتج عن عشرين سنة من الحكم الجائر والحروب المدمرة التي تدور وتمزق كافة الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية..

سيادة مهددة ومصير مظلم

إذا كانت هذه الأوضاع تستدعي كلها حلولا جذرية وعاجلة فإننا سنكرس هذه الدراسة للوضع الثقافي لما يتسم به من أهمية، ولخطورته البالغة في هذه الفترة بالذات.

الثقافة إحدى المقومات الاساسية لكل حضارة، فكما أن لكل أمة حضارة فإن لها ثقافة تختص بها عن بقية الحضارات وتعبر من خلالها عن عبقريتها وبواسطتها تساهم في اغناء الثقافة البشرية.

من هذا المنطلق تظهر أهمية الثقافة كعامل توازن وتطور لدى كل مجتمع. فالدفاع عنها هو دفاع عن الذات والوجود أولا، ومساهمة في بناء الحضارة الإنسانية لا تناقضا معها ثانيا.

والثقافة هي حجر الزاوية لكل بناء اجتماعي ومقاييس تطور الأمم. وإذا كان الاهتمام بالشعوب وثقافتها لا يقل أهمية عن اهتمامها بتوفير لقمة العيش فإن هذه المقولة تنطبق بشكل قاطع على مجتمعنا الموريتاني.

فالمتفحص لتاريخ موريتانيا المعاصر يجد أن الثقافة العربية عريقة فيه وأصيلة ومعبرة عن كافة جوانب شخصيته عبر فترات من التاريخ المتلاحقة.

فكلما استطاع الأوربيون ابتداء من القرن الخامس عشر إقامة نوع من الاتصال والتعامل مع سكاننا عن طريق شواطئ المحيط وضفاف النهر وجمهورية مالي سعيا وراء التجارة، ارغموا على التعامل باللغة العربية، وكتابة المعاهدات والمراسلات والدواوين بهذه اللغة، وهي طريقة لم يألفوها في بلاد أخرى.

لقد أنجبت شنقيط (موريتانيا آنذاك) العديد من المفكرين والشعراء وذوي المستويات العالية والشهرة الواسعة أمثال ناصر الدين، محمد اليدالي الديماني، ولد رازكة وولد محمدي، الطالب احمد ولد اطوير الجنة، سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم، الشيخ سيد المختار، الشيخ محمد فاضل، محمد ولد محمد سالم، امحمد ولد الطلبة.. ومئات بل الألوف آخرين لا يمكن حصرهم.

بفعل هؤلاء جميعا ذاع صيت شنقيط في اقطار المشرق العربي والدول الإفريقية وأصبح الشناقطة موضع احترام وتقدير أينما حلوا.

وفي الداخل انتشرت الثقافة العربية الإسلامية بواسطة المحاظر والمكتبات وكانت مدن شنقيط وولاته وتيشيت تزخر بالكتب وشتى المعارف وبلغ فيها النشاط الفكري أوجه وكان يَؤمها الطلاب من داخل البلاد وخارجها.

عندما بدأ نشاط الأوربيين يتحول من معاملة تجارية صرفة إلى تحرشات تغذيها الأطماع، ثم إلى غزو سافر في بداية القرن العشرين، هبّت الروح النضالية للمثقفين والعلماء وأصدروا الفتاوى الفقهية بأن لا سبيل إلا إلى التصدي لغزوات المستعمرين.. فكانت فتوى الشيخ ماء العينين الشهيرة، وفتوى محمد يحي الولاتي وصيحات الشعراء الملتزمين مثل سيد محمد ولد الشيخ سيديا الذي نادى للتصدي للاستعمار : عدو الدين والشعب، وكان في مقدمة هؤلاء المجاهدين العالم المقاتل الشيخ ماء العينين ووجاهة : محمد المامون، وسيدي محمد ولد الغوث.

إن تكاتف البندقية والقلم قد تحقق في أروع البطولات في معارك تاريخية نعتز بها كأهم جزء من شخصيتنا التاريخية. عندما هدأت المقاومة في الثلاثينيات بقيت الثقافة العربية تغذي صمود اجيالنا. وما رفض الأهالي إرسال ابنائهم إلى المدرسة الفرنسية وحرصهم على المحاظر بدلا منها إلا وجه من اوجه هذا الصمود، وما تمسك كافة الموريتانيين بمظاهر الأصالة كالزي إلا دليل على أن حضارتنا غير قابلة للمسخ والابتلاع: انظر إليهم وقد غلبوا على أمرهم في نهاية المطاف، بسبب التفوق التكنولوجي الذي كان يملكه العدو، وقد فضلوا النزوح من المدن إلى البدو مقاطعة للعدو وتأففا عن جواره وطريقة حياته وتحديا لغطرسته، فخَلَتْ مدن بأكملها من جميع سكانها كقصر البركة، وتكبة وتضاءل سكان مدن أخرى كشنقيط وولاته ووادان وتيشيت والرشيد..

هذه المقاومة الصامتة كانت بمثابة حصار خانق طبقه شعبنا على الغزاة الذين لم يجدوا بدا من التحصن داخل قلاعهم الزائفة الغريبة طيلة وجودهم في بلادنا.

مع قيام حركة الاستقلال التاريخية بداية الأربعينيات اندلعت الموجة الثانية للمسيرة التحررية للبلاد... وهنا أيضا كان يحمل لواءها تراثنا العربي الإسلامي حيث شهد الشعر الملتزم انتشارا لم يأت قبله مثيل في تاريخنا ووصل فن البلاغة درجة عالية من التطور حتى الصحافة ساهمت في بث الوعي التحرري الذي كان يتغذى من الأحداث المتأججة في الوطن العربي في تلك الفترة مثل اغتصاب فلسطين وثورة 23 يوليو واندلاع الثورة الجزائرية واندلاع العدوان الثلاثي على القطر المصري.

وكانت الأقطار تلتفت إلى الدول الإفريقية حيث المطالبة من أعلى منبر المجلس العام (لإفريقيا الغربية الفرنسية) بتدريس اللغة العربية (انظر صحيفة مداولات هذا المجلس لسنوات خمسين) وحيث أن مقاومة الشعب الغيني للاستعمار الفرنسي كانت تدوي في أرجاء إفريقيا.

وفي أواخر الخمسينيات بلغ النضال الثقافي الذي يخوضه شعبنا مع تكوين حزب النهضة مداه.

بعد إعلان ما سمي بالاستقلال سنة 1960 كانت أول حركة تصدت للاستعمار الجديد هي نقابة المعلمين العرب وحركة الطلاب وحركة التلاميذ المناهضين للهيمنة الثقافية الفرنسية فعممت المطالبة بالاستقلال الثقافي كجزء أساسي من الاستقلال التام والسيادة الوطنية واتخذت هذه المطالب اشكالا متعددة ـ اضطرابات ـ مظاهرات، مناشير،.. واعتقل كثير من المناضلين ونفوا ونكل بهم. هذا الوعي المتنامي الذي كانت الفرنسية هي هدفه الاساس أقلق الاستعمار فجعل يدبر الدسائس ويحيك المؤامرات بهدف تجزئة الشعب وإيهامه بأن الثقافة الفرنسية هي وحدها القادرة على صيانة التوازن في البلاد وتحقيق طموحات الشعب.. وما التناحر المؤلم الذي وقع بين الاشقاء في أحداث 1966 إلا حلقة دامية من حلقات هذا التآمر، ونجح الاستعمار منذ ذلك اليوم في خلق جيوب من المدافعين عن لغته وثقافته.

لقد استمرت رغم ذلك كله مسيرة الجماهير التحررية وحققت بفضل نضالها الدؤوب مكاسب هامة منها في المجال الثقافي ترسيم اللغة العربية إلى جانب الفرنسية الذي أقره الحزب الحاكم في مؤتمره بالعيون سنة 1966. ثم مبدأ تجاوز الازدواجية وصولا إلى التعريب الشامل وتطوير اللغات الوطنية الأخرى (مؤتمر 1971 للحزب نفسه).

لقد صيغت هذه المبادئ في شكل إصلاحات للتعليم كإصلاحي 1968 و1972 أو في توظيف بعض المواطنين ذوي الثقافة العربية في الإدارة. وقامت محاولات لكتابة اللغات الوطنية غير العربية. هذا على الصعيد الداخلي أما على الصعيد الخارجي قد انسحبت موريتانيا من مجموعة الدول الناطقة باللغة بالفرنسية واحتلت مكانها الطبيعي في الجامعة العربية.

إن هذه المنجزات ليست كل ما كنا نصبو إليه لكنها شيئ كثير بالنسبة لما كنا فيه، ولقد أحدث انقلاب العاشر من يوليو انعطافا تاريخيا في مسيرة بلادنا حيث ازداد أمل الجماهير في مستقبلها وفي إمكانية تدعيم استقلالها المتزعزع، أما اليوم وبعد سنة واحدة من تسلم الجيش مقاليد السلطة، لا يسعنا إلا أن نشيد بخروج البلاد من الحرب التي كانت متورطة فيها منذ سنوات عديدة. غير أن ارتياحنا هذا يقابله قلق شديد لما آلت إليه هذه البلاد في المجالات الأخرى وعلى الصعيد الثقافي منها على وجه الخصوص.

جاءت قرارات 18 اكتوبر المتعلقة بالمشكل الثقافي بعد سنة دراسة مضطربة كادت أن تتحول إلى جحيم بفعل العصابات الفاشية المتآمرة مع الاستعمار وبعد عطلة يسودها فقدان الثقة في المستقبل العاجل.

قبل ان نتطرق للحكم على الحلول التي تطرحها هذه القرارات يحسن بنا أن نلخصها في نقاط وجيزة..

 

فماذا تقترح اللجة العسكرية؟

أولا: تحديد أجل ست سنوات تكون بعده العربية هي اللغة الموحدة

ثانيا: السماح لجزء من الموريتانيين اختيار اللغة الفرنسية كلغة أولى في هذه الفترة الانتقالية وفي نفس الوقت جعل اللغة العربية إجبارية كذلك على الأطفال العرب.

ثالثا: تطوير اللغات الوطنية غير العربية بغية تدريسها فيما بعد.

يتضح لنا من خلال التحليل الموضوعي لقرارات 18 اكتوبر أن الحلول التي تتبناها هذه القرارات تنطلق من مبدإ وطني سليم، إلا وهو الاستقلال الثقافي، ذلك بأن الاصلاح المقترح يقر ضمنيا لكن بوضوح:

أ- أن لا مستقبل للغة الفرنسية في القطر الموريتاني.

ب- أن اللغة العربية التي هي لغة الأكثرية في هذا القطر ولغة عالمية متطورة لا يمكن إلا أن تكون هي اللغة الرسمية للبلاد.

ج- أن اللغات الوطنية الأخرى يجب الاسراع في العمل على كتابتها مهما كانت الأحرف التي سيقع عليها الاختيار وتدريسها والتوظيف بها.

هذا من ناحية المبدأ أما من ناحية الحلول المقترحة فإنها مخيبة للأمل وغير مقبولة على الاطلاق بسبب غموضها أولا والتناقض بينها ثانيا، ونقصها ثالثا، بالإضافة إلى استحالة تطبيقها في الواقع أخيرا..

أما الغموض فيكمن في عدم تحديد الهدف المركزي بوضوح هل هو التهيئة لتعليم وطني ليحل في المدى المتوسط محل النظام الحالي الذي تطغى عليه التبعية للفرنسية والروح الاستعمارية؟ أم محاولة لإعادة التوازن بين اللغات المتصارعة في الساحة بما فيها اللغة الفرنسية؟ هل قرارات 18 اكتوبر إصلاح شامل للتعليم أم هو إصلاح الجوانب الأكثر فسادا في هذا التعليم؟ أما التناقض فيتمثل في تبني الفرنسية كتهيئة للتعريب. كيف تصبح العربية هي لغة جميع الموريتانيين في الوقت الذي يقرر إعفاء بعضهم من دراستها ولا يعفي البعض الآخر من دراسة الفرنسية؟ من التناقض كذلك أن تتخذ إجراءات في مجال التعليم دون أن يتطرق إلى غايته التي هي الإدارة والتوظيف!! فالقرارات لا تتطرق إلى هذا الجانب الاساسي من المشكل الثقافي.

هذا الإصلاح ناقص أيضا لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب المادي والتربوي من المشكل. أين الخطة المدروسة المتكاملة لمعالجة الأوضاع المزعجة السائدة في قطاع التعليم: تدهور أوضاع المعلمين المادية.. نقص الأساتذة.. انعدام المنهج الدراسي.. ضآلة الوسائل.. ضعف التكوين..؟ وماذا عن تأطير الأوجه الأخرى للثقافة مثل الفن والصحافة والرياضة؟

الحلول التي ندعو لها.

أجل إن لدينا ضعفا في كافة اوجه الثقافة، لكن علاج المشكل الثقافي يجب أن يكون جذريا وشاملا وإلا سيفشل. إن النضال الثقافي محور أساسي من محاور نضالنا من أجل بناء قطرنا العزيز ووحدة وحرية امتنا العربية المجيدة.

 

نضالنا الثقافي أساسه العدالة والديمقراطية ويهدف إلى:

1- القضاء على اللغة الفرنسية كلغة عمل وتدريس وإثبات اللغة العربية محلها.

2- تعريب الإدارة ويبدأ فورا بتعريب الوزارات الأكثر علاقة بالشعب على أن تتواصل العملية.

3- الإسراع في كتابة اللغات الوطنية الإفريقية.

4- ضمان حقوق المواطنين ذوي الثقافة الفرنسية والاستفادة من خبراتهم.

5- إصلاح جذري للتعليم يعالج الوضع المادي والتربوي لهذا القطاع.

6- العناية الكاملة بالتعليم الأصلي وتطوير نظام المحاظر.

7- زيادة أجور المعلمين وتحسين ظروف معاشهم ومنحهم حق السكن.

8- الاهتمام الكامل بقطاع الشباب.

9- تطوير الفن وإنشاء معاهد المسرح والسينما والموسيقى والرياضة.

10- منح حرية تكوين الجمعيات الفنية والثقافية وجمعيات الشباب.

إننا ندعو الشعب للمزيد من النضال من أجل تحقيق هذه الأهداف العادلة والوطنية ونناشد اللجنة العسكرية والحكومة أن تدركان الأبعاد الحقيقة للمشكل بهدف إيجاد الحلول الملائمة، كما تطالب بها الجماهير الواسعة، فهذا الصراع المتأجج الذي يعتبر كل مواطن نفسه طرفا فيه العامل في عمله التلميذ في مدرسته والمرأة في بيتها، هذا الصراع ليس أزمة من الأزمات تزول بقرار مهما صدقت نواياه، أو حالة عارضة تتبدد مع الزمن. إنه صراع عميق مرير بين متناقضتين في الأهداف: حضارة استعمارية غازية وشرسة تهدف للتسلط والعدوان بالعنف والمكر والخداع، وحضارة تخوض كفاحها لتحقيق وجودها سلاحها الجماهير المؤمنة المنظمة الواعية لمصيرها وحتمية انتصارها.

عاش نضال الشعب من اجل غد أفضل عاشت ثقافتنا الوطنية تسقط الثقافة الاستعمارية الجديدة

نواكشوط اوائل ديسمبر 1979

الطليعة الثورية

شبكة البصرة

السبت 13 جماد الثاني 1438 / 11 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط