بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وثيقة: رسالة خطية من الشاعر الراحل المناضل فاضل أمين

شبكة البصرة

في مثل هذا اليوم 16 مارس من سنة 1981، أُفشلت محاولة للإطاحة بنظام المقدم محمد خونا ولد هيدالة، من طرف كوماندوس مسلح قادم من المملكة المغربية مرورا بالسينغال، تمكن باحترافية كبيرة وجرأة عالية من السيطرة التامة على القصر الرئاسي، ولم يمنعه من اعتقال الرئيس إلا أنه خرج صبيحة اليوم نفسه من العاصمة إلى شمال البلاد. أحكم الانقلابيون قبضتهم على مبنى الإذاعة وقيادة الأركان، واحتجزوا قائدها معاوية ولد سيد احمد ولد الطائع.

 

في غبش صبيحة الذكرى الأولى لهذا الحدث 16 مارس 1982 دشن نظام المقدم محمد خونا ولد هيدالة حملة اعتقالات واسعة ضد البعثيين رغم أنهم كانوا أهم قوة سياسية وعسكرية ساهمت في إفشال انقلاب 16 مارس 1981 كما تُبين بوضوح تفاصيل مختلف الشهادات والوقائع: فالوحدة العسكرية التي اقتحمت قيادة الأركان، قبل صلاة الظهر، واعتقلت الطيار الجريئ عبد القادر، رحمه الله وخلصت معاوية ولد سيد احمد ولد الطائع كانت بقيادة الرائد الشيخ ولد الدده، نائب قائد المنطقة العسكرية السادسة، المقدم محمد ولد لكحل، ولم يكن موجودا في مكان عمله حينها..، أما مفرزة الحرس الوطني التي استعادت مبنى الإذاعة في زوال اليوم وكانت تحت السيطرة التامة للمقدم أحمد سالم ولد سيدي رحمه الله فهي بقيادة النقيب المختار ولد السالك، ومن المعروف أن أول محاولة للوصول إلى القصر الرئاسي لتخليصه وفك من بداخله بمن فيهم الأمين العام للحكومة الاستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل، قام بها المفوض اندح حبيب رحمه الله، قبل سقوطه شهيدا وهو في اشتباك مباشر مع الكوماندوس على الباب الجنوبي للقصر، وفي السياق نفسه استدعي النقيب عينينا ولد اييه لخبرته الفنية السابقة، كأول مدير عسكري للإذاعة بعد انقلاب 1978 للإعداد العاجل لتسجيل والقاء خطاب رئيس الوزراء سيد احمد ولد ابنيجاره. ومن المعروف الصلة السياسية لهؤلاء الضباط جميعا بالتيار البعثي. الذي طالته اعتقالات النظام في موجة واسعة شملت حتى الشيوخ والأطفال والنساء الحوامل، وقد صفها وصفا فنيا بديعا الشاعر الكبير فاضل أمين في قصيدته الطنانة الذائعة (الاعتقال)، أخرجها للتداول مساء يوم الاحد 21 مارس 1982:

اسمعْ أخي سأقصّ عما قد جرى*** طّرَقَ اللصوصُ بيوتنا غِبَّ الكرى

كان المؤذن يا اخي يدعو الورى *** الله أكبر فالصباح قد أسفرا

لكنهم كانوا هناك بجيشهم *** وكلابهم تعوي وتنبش في الثرى

جاءوا كعاصفة الجراد من المدى*** تجتاح في الظلمات نبتا أخضرا

هتكوا البيوت بخيلهم وبرجلهم *** واستجوبوا حتى الشقيق الأصغرا

حتى دمى الأطفال حتى مُصحفي*** ظن الكلاب به سلاحا مشهرا

لله فتيان الطليعة ويحهم *** ما كان أجمل ما أعز وأصبرا

ساروا إلى جبل الكفاح وخلفوا *** في كل بيت دمعة وتحسرا

لم يطلبوا الدنيا ولن يتنكروا *** حين المنافق للعهود تنكرا

ومبادئ البعث العظيم سلاحهم *** لا يبتغون به حديثا مفترى

والحر لا يرضى الهوان لشعبه *** والأرض علق لا يباع ويشترى

وإذا الطغاة على البلاد تألبوا *** لابد من بعث لكي تتحررا

 

قصيدة رائعة راعفة بالغضب الثوري والتحدي والمطاولة ومرارة الأسى والخيبة وختمها بأبيات تؤشر لذلك منها مخاطبا رأس النظام:

وهم الرجال على الضفاف عشية *** مدوا سواعدهم إليك لتعبرا

 

في مساء الاثنين الموالي 22 مارس 1982، غادر الشاعر بلاده متخفيا عن أعين المخبرين وعسسهم التي بثها النظام في كل حي وشارع تبحث عن مطلوب جديد من قائمة طويلة يقع اسم الشاعر في مقدمتها. بعد أشهر من استقرار فاضل أمين في داكار ومعاناته مع المرض، والمنفى، والوحدة.. حركت عاطفة الأبوة والده محمد فاضل ولد افا (المصطفى)، وكان من أعيان منطقته ووجهائها، واتصل بالرئيس محمد خونة ولد هيدالة طالبا العفو والأمان لابنه، حتى يعود ويتعالج بين أحضان عائلته وفي وطنه، ويبدو أنه وجد عهدا قاطعا من الرئيس على ذلك وأرسل بالخب (البشرى) للابن: المارد الكبير، الكبير بفنه وعبقريته، الكبير بقوة شكيمته، وروحه النافرة دوما من مواطن الذل والصغار، فردَّ برسالة خطية تتشرف الصفحة الرسمية لحزب الصواب بنشر صورة منها ضمن مجهودها المتواصل للمساهمة في كتابة التاريخ السياسي الوطني ونشر وثائقه:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي العربي الأمين

والدي العزيز أطال الله بقاءه وأدام بالصحة والعزة ثناءه

أما بعد:

فإن من أعظم منن الله على عبده الإنسان عقله وقد فضله به على كثير من خلقه تفضيلا..

وإن هذه المنة الإلهية هي ما يمكن العاقل من التفكير والتبصر وسلوك الطريق المستقيم.

وأحسبني الآن مصيبا حين اقر بأن حكمت عاطفتك فيما يخص غربتي التي هي من غربة الوطن، ذلك بأنك بعثت لي تذكر وساطتك لدى رئيس النظام لكي أعود مفرطا بمبادئي ومتخليا عن عزة الشعب التي هي عزتي وعزتك وقد قال المتنبي:

وإذا لم يكن من الموت بد *** فمن العار أن تموت جبانا

 

وأيم الله أني لأعجب من وساطتك لدى من لا يملك فيمن لا يدرك! ويعز علي أن تبذل وجهك الكريم للطغاة والظلمة الذين لا يقيمون وزنا لخلق ولا دين.

كما أعجب أشد العجب من مراسلتي في موضوع نشرت لك فيه رأيي بحضرتك وقلت إنني أرفضه بكل صلابة ووعي فأنا اعرف بطبيعة النظام وأعلم بما يبيته للمناضلين والشرفاء.

 

والدي العزيز

إني اكتب إليك لا عن بطر أو تهاون في حقي أو حقك وإنما هي الحقيقة يجب علي إطلاعك عليها والحرص على الكرامة التي هي أنفس ما ترك لنا الأجداد المكرمون وقد حثنا على التمسك بها ديننا الاسلامي الحنيف.

وقد قال علي كرم الله وجهه:

أي يومي من الموت أفر *** يوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجي الحذر

 

ولك في نبي الله يعقوب أسوة حسنة وقد قال (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) وأنت بعد ذلك الوالد المبجل المطاع لك الحق الذي لا يدفع والنعمة التي لا تنكر لك حق الوالد ولي حق الابن فاختر لنا الآجل على العاجل والصبر عن الهوان فإنما هو ليل يعقبه صباح وغيمة عن قليل تنقشع.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

ابنكم السائل دعاءك ورضاك

محمد الأمين بن محمد فاضل

 

*بعد أربعة أشهر من كتابة الرسالة أي ضحوة الجمعة 19 فبراير 1983 فاضت روح الشاعر بالمستشفى المركزي بداكار وعاد مسجى إلى وطنه في (خشوع الجباه والأجفان)

 

الرسالة الخطية للشاعر الراحل المناضل فاضل أمين

شبكة البصرة

الخميس 18 جماد الثاني 1438 / 16 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط