بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

معرض في بغداد يسيء إلى الكتاب

ما مبرر الساعين إلى عقد معرض بغداد للكتاب بطريقة مشوهة، طالما هناك البديل اليومي المبهر للحياة الثقافية وعروض الكتب في شارع المتنبي.

شبكة البصرة

محمد حياوي

تقول الباحثة الهولندية يوديث دي يونغ حين أخرج من مطار ما ويقع نظري على الجدران أدرك على الفور مستوى تحضر البلد.. فإذا كانت ثمَّة ملصقات ممزقّة لصقوا فوقها ملصقات ممزقّة، وفوقها أخرى ممزقّة، أدرك على الفور مستوى التحضّر... شخصياً لا أعيب على الأصدقاء المشرفين على تنظيم معرض بغداد (الدولي) للكتاب الارتجال والعشوائية، والفقر المدقع بالأفكار الذي رافق عملهم في الدورات السابقة..

لكنَّني بالتأكيد أستغرب إصرارهم على الإساءة للممارسات الثقافية الكبرى التي تحمل اسم العراق الكبير، ومازلت أعدّها رموزاً وطنية ينبغي احترامها وعدم المسّ بهيبتها الوطنية، وإلّا ما الجدوى من عقد معرض للكتاب في ظل أجواء الفوضى السائدة حالياً في العراق؟ وما هو حجم المشاركة العربية المتوقعة؟ ناهيك عن الـالدولية، وما الذي سيضيفه مثل هذا المعرض إلى ظاهرة ثقافية كبيرة كظاهرة شارع المتنبي الذي هو بمثابة معرض دائم وشامل للكتاب؟

إن غياب الاستراتيجية والتخطيط الواعي وعدم القدرة على قراءة الأحداث وملابسات الأوضاع الأمنية والسياسية الحالية، هي الطريقة التي يستند إليها مثل هؤلاء المنظمون، الذين يدفعهم نهمهم للمال وتحقيق بعض المكاسب بطرق فاسدة، إلى الإساءة لسمعة العراق الثقافية والوطنية. لقد شهدنا في دورة المعرض السابقة حجم الهزال الذي وصله حين تحولت صالاته لاستعراض الميليشيات وممارسة الطقوس الدينية الغامضة التي أثارت استغراب بعض من تجرأ وحضر إلى بغداد من الناشرين العرب مدفوعين بحبهم للعراق وثقافته.

في الواقع الأشياء الصغيرة تُنبئ عن جوهر الفكرة، على الرغم من أنَّني لم أدرك إلى الآن جدوى أن يُعقد معرض للكتاب ستحتل صالاته دور النشر الدينية التي صارت تتكاثر في العراق كما الفطر السام، تلك الدور التي لا تتوانى عن انتهاج مختلف الأساليب من أجل إشاعة الأفكار السود والحفر عميقاً في جسد الوطن المستباح والجريح، بسكاكين طائفيتها المثلّمة.

وإذا كان البعض يبرر عقد مهرجان المِربَد الأخير على عواهنه بضرورة فكّ العزلة عن المثقف العراقي ومحاولة إعادة العراق الثقافي إلى حاضنته العربية، فما مبرر الساعين إلى عقد معرض بغداد للكتاب بطريقة مشوهة، طالما هناك البديل اليومي المبهر للحياة الثقافية وعروض الكتب في شارع المتنبي؟ سوى الإصرار على إهانة مسمى وطني آخر وتوظيفه لنوايا البعض الطائفية المريضة؟

إن عقد معرض بغداد للكتاب بغالبية دور نشر عراقية ذات توجهات دينية معروفة ومدعومة من مرجعيات لا علاقة لها بالدولة أو المؤسسات الثقافية، وبشبه غياب تام لدور النشر العربية الكبرى، وببرنامج مهلهل يفتقر إلى أبسط متطلبات البرامج الثقافية المتعارف عليها، لهو عمل يُراد منه بالتأكيد النيل من سمعة العراق الثقافية وإشاعة روح الإحباط لدى المثقف والقارئ العراقي، بالإضافة إلى فرض تقاليد هجينة وممقوتة ولا تمت بصلة للثقافة بشيء تحت يافطة عريضة وخادعة تحمل اسم معرض بغداد الدولي للكتاب.

إن الفكرة من أساسها خاطئة، فلا الكتاب بحاجة إلى معرض مهلهل ليصل للقارئ العراقي الذي تمكن من تطوير أساليب لافته من أجل الحصول على ضالته من الكتب، منذ سنوات الحصار الظالم الذي فُرض على العراق في تسعينات القرن الماضي حتى الاحتلال، مروراً بالحرب العراقية الإيرانية وحرب الكويت. ولا بد من التذكير بأن تنظيم مثل تلك الفعاليات الثقافية الكبرى توكل مهمته في الغالب إلى شركات متخصّصة تعرف كيف تعدّ الخلفيات واللافتات والملصقات والمحاور والبرامج الثقافية ودعوة المشاركين والضيافة والترويج والإعلان وغيرها، لمن يريد طبعاً العمل بطريقة احترافية ومخلصة للثقافة العراقية والكتاب العراقي وسمعتهما.

العرب 25/2/2017 

شبكة البصرة

الاحد 7 جماد الثاني 1438 / 5 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط