بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الصابئة المندائيون في إيران... من الإبادة إلى تغييب الهوية

شبكة البصرة

قد يكون الصابئة المندائيون أصغر مكوّن في إيران اليوم. محنتهم مع الدولة الدينية أنّهم ليسوا مسلمين وليسوا عرباً وديانتهم غير معترف بها. هذا التحقيق، الذي أنجزه الصحافي ملهم الملائكة، محاولة لرفع الستار عن وقائع يومية تجسد مكوّنا صغيرا آخر يتآكل ويختفي من ديموغرافيا المنطقة.

في مناسبات تاريخية غير معلومة، ولأسباب مختلفة، حدثت هجرات مندائية كبرى من أرض الرافدين، الوطن الأصلي للصابئة المندائيين. وعبر الكثير منهم إلى المناطق المتاخمة لحدود العراق في إيران، وهي ممالك عيلام وميسان؛ وقد باتت بعد الهجرة دولا مندائية مستقلة عن الممالك الإيرانية المتعاقبة، والحديث هنا يجري عن تاريخ سحيق القدم. وهكذا استقروا هناك وعمّروا مدنهم.

المندائيون هم شعب الماء الذي عاش على ضفاف أهوار السهل الرسوبي الجنوبي من العراق، حيث عايشوا السومريين الذين بنوا حضارتهم على ضفاف الأهوار أيضا. كتابهم كنزاربه ينص على أن النبي آدم خلقنا على ضفاف الفرات في الديوانية في منطقة كان اسمها سيلان.

أشهر حرفهم كانت النجارة، وهي مهنة متوارثة في صناعة الزوارق المحلية التي تسمى مشاحيف ونقلوها معهم من وادي الرافدين إلى أراضي إيران.

بسبب التصحر وجفاف مياه الأهوار، اتجه الصابئة إلى صياغة الذهب والفضة والنقش عليها والخراطة، فاحترفوها وباتت مصدر ثرائهم، حتى أنّ أغلب صاغة الذهب والفضة في العراق وإيران خلال مقطع تاريخي طويل أمسوا من الصابئة حصرا.

لغتهم هي أول لغة بشرية حسب عقيدتهم، ويقول الناشط المندائي الإيراني ومدرّس اللغة المندائية الملقب أبودانيال، وهو باحث وكاتب له ثلاثة مؤلفات، في حديث لـالعرب، إنه استطاع من خلال بحث استمر 10 سنوات إثبات أصالة هذه اللغة باعتبارها اللغة الأم التي سبقت الآرامية والعربية.

وتتألف اللغة المندائية من 23 حرفا، وتكتب من اليمين إلى اليسار. تبدأ أبجديتها بحرف ألف، وتختم بحرف ألف، لأن لكلِّ نهاية بداية. وتدور الأمور في حلقة دائرية، وهكذا فإن الألف المندائية تُرسم بشكل دائرة، وكل العالم والأفلاك والكواكب والحياة تدور في 360 درجة، وحين يموت الإنسان تبدأ روحه في حياة ثانية في مكان آخر.

وأكد الناشط المندائي أنّ هذا المكوّن الصغير لا يملك حق تسمية أبنائه وفق ديانته ولغته في إيران، وشرح ذلك بالقول لا يحق للمندائيين تسمية أبنائهم بأسماء مندائية، وهذا تقليد نشأ بعد قيام الجمهورية الإسلامية وبات قانونا. أسماء المندائيين هي على سبيل المثال هيبن، أنّس، رخمات، مرياي، صابا، سلمى، شوم، وغيرها من الأسماء التي يمنع استخدامها.

وأضاف الولادة تتم في المستشفى الذي يزود الوالد بشهادة ميلاد موجهة إلى دائرة تسجيل الولادات، وهناك يسألونه أن يأتيهم بشهادة تأييد من الكنيسة إذا كان مسيحيا أو من الكنيس إذا كان يهوديا أو من المعبد إذا كان زرادشتيا، وهذه الشهادات تتيح له أن يختار اسما من قوائم الأسماء المخصصة للطوائف. أما الصابئة المندائيون فلا يمنح لهم هذا الحق.

بسبب التصحر وجفاف مياه الأهوار، اتجه الصابئة إلى صياغة الذهب والفضة والنقش عليها والخراطة، فاحترفوها وباتت مصدر ثرائهم، حتى أنّ أغلب صاغة الذهب والفضة في العراق وإيران خلال مقطع تاريخي طويل أمسوا من الصابئة حصرا

ويتناقص عدد هذا المكون القديم العريق باطراد في كل من العراق وإيران، حيث هاجر أغلبهم إلى أوروبا وأستراليا وكندا. ويشير أبودانيال إلى أن عدد المندائيين في إيران، حسب إحصائية أجريت قبل 22 سنة، وكان عضوا في مجلس شؤون مندائيي إيران حينها، بلغ 25 ألف مندائي. بعد احتلال العراق وما أعقبه من اضطرابات، أصاب المندائيين خوف شديد من قيام إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الابن بهجوم على إيران، يعقبه وضع يشبه الوضع العراقي فهاجروا بكثافة من إيران.

الباقون في إيران اليوم لا يزيد عددهم عن خمسة آلاف. أغلبهم يسكن مدن الأحواز والخفاجية والمحمرة والحميدية والفلاحية جنوب إيران وسربندر وكرج وشيراز. وتنتشر معابد الصابئة، وهي علنية وتسمى مندي، في الناصرية بمدينة الأحواز، والآخر في الحميدية والثالث في قرية مزرعة تبعد عن الأحواز 80 كيلومترا.

 

دوافع الهجرة

لم ينص دستور الجمهورية الإسلامية على وجود المندائيين، بل اقتصر على الزرادشتيين والمسيحيين واليهود ويسمون كليمي، وسبب هذا الأمر مشكلات كثيرة للمندائيين، الذين يعانون من إنكار تام لهويتهم، وهم ممنوعون من العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها الرسمية.

وتخلو البطاقة الشخصية الإيرانية من حقل الديانة، لكن، وطبقا لما ذهب إليه الناشط المندائي، فإنّ تقاليد الدولة العميقة هي من تتحكم في المشهد، ويقول أبودانيال هناك استمارة يجب أن يملأها كل من يتقدم إلى وظيفة، وبعد أن يقدم الاستمارة، تقوم السلطات الأمنية بالتحقق في ما جاء فيها، وفي منطقة سكناه، وإذا كانت معلوماته كاذبة فسيكون عرضة لمشكلة كبيرة.

ويبدو أن هذه الاستمارة موجودة في كل مكان، حسب الناشط المندائي، فحين يزور أي مريض مستشفى، لا بد أن يملأ الاستمارة المستشفى الذي فيه حقل الديانة، ويحدث مثل هذا لمن يروم دخول جامعة، حيث توجد في الاستمارة حقول تنص على مسلم، سني، شيعي، زرادشتي، مسيحي، كليمي (بمعنى يهودي)، ولا توجد تسمية مندائي.

ويكشف أبودانيال عن تطور جرى في عهد محمد خاتمي، حيث وصلته شكوى المندائيين من تغييبهم في الأوراق الرسمية، فظهرت بناء على إيعازه استمارات أخرى كتبت فيها بعد تسمية الكليمي (اليهودي)، تسمية سائر الديانات، دون إشارة صريحة إلى المندائيين.

ويواجه الطلبة المندائيون مشكلة من نوع خاص، وفق الناشط المندائي، الذي يبين أنه يتحتم على التلاميذ والطلبة أن يدرسوا مادة الدين الإجبارية. ومطلوب من المندائيين حصرا أن يؤدّوا في الامتحان مادة الدين، وفي المرحلة النهائية لا بد لهم أن يحققوا معدلات عالية في المادة لأنها ضمن المواد المقررة لدخول الطالب إلى الجامعة.

شبكة البصرة

الاربعاء 17 جماد الثاني 1438 / 15 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط