بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ميدل إيست آي: هل يحدث في تركيا انقلاب آخر قريبًا؟

شبكة البصرة

عبدالرحمن النجار

مترجم عن Is another Turkish coup imminent

للكاتب Ahmed al-Burai

في الخامس والعشرين من شهر فبراير (شباط) الماضي، نشرت صحيفة حريت التركية البارزة مقالًا مثيرًا للجدل حمل العنوان حالة من الانزعاج تسود قيادة الجيش التركي، أشارت فيه إلى وجود حالة تململ شديدة في صفوف القوات المسلحة التركية.

ألمح المقال إلى أن الجيش التركي منزعج بسبب سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) من العام الماضي، وأنّ قيادة الجيش قد أبدت امتعاضها أيضًا من القرار الذي صدر مؤخرًا بالسماح للمجندات النساء بارتداء الحجاب.

وقد أثار المقال غضب الحكومة، وهاجم الرئيس أردوغان ورئيس الأركان المشتركة خلوصي أكار اللذان كانا في زيارة إلى مكة مؤخرًا المقال ووصفاه بـالوقح والمخزي.

قال أردوغان أعرف أنّ هذه هي عادتكم (في إشارة إلى صحيفة حريت)، ولكن الآن أصبحتم جزءً من الماضي.

وقد هاجم أردوغان أيضًا النخبة العلمانية، الغاضبين من أنّ قائد الجيش وما يعتقدون أنّه حارس الهوية العلمانية قد توافق مع رئيس يرونه يحاول إحياء الإمبراطورية العثمانية، فقد أوضح بشكل لا لبس فيه أنّه من العادي للغاية أن يرافق قائد الجيش الرئيس في جولاته الخارجية.

بعد أن تعهد أردوغان بمقاضاة الصحيفة على نشرها المقال، تواترت أنباء عن أنّ سادات أرجين رئيس تحرير صحيفة حريت قد جرى فصله من قبل قطب الإعلام مجموعة أيدين دوجان وحلّ محله رئيس التحرير السابق لصحيفة ميليات اليومية فكري بيلا.

 

عادات قديمة؟

بصرف النظر عن مدى فظاعة المقال، فإنّ هناك اعتقادًا سائدًا أنّ مقال الصحيفة يتنبّأ بتدخل وشيك من قبل الجيش في الحياة السياسية التركية. ومن المعروف أن صحيفة حريت المملوكة لمجموعة أيدين دوجان تتخذ مواقف علمانية وليبرالية في معظم القضايا السياسية في تركيا، وأنّها تكيل اتهامات شديدة لأردوغان.

في الواقع، ليست هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها الصحيفة مقالات أو عناوين مثيرة للجدل. ففي عام 2015، كتبت الصحيفة مقالًا عن الحكم بالإعدام على الرئيس المصري محمد مرسي مع صورة لأردوغان أسفل العنوان الذي كان نصه فاز في الانتخابات بنسبة 52% وحكموا عليه بالإعدام، وذلك في إشارة إلى انتخاب أردوغان في عام 2014 بنسبة 52% من الأصوات.

لا يخفى على أحد أن القوات المسلحة التركية تقدم نفسها على أنها حامية الأيديولوجيا الكمالية للدولة، لكن تأثير الجيش في الحياة السياسية التركية قد انحسر بسبب فشله في إدارة البلاد في أعقاب الانقلابات المتعددة التي قام بها. قاد الجيش أربعة انقلابات عسكرية منذ عام 1960 (في الأعوام 1960 و1971 و1980 و1997) أزاح بها الحكومات المنتخبة.

في السابق، اعتاد جانب من الطيف السياسي التركي على دعم هذه الانقلابات، ولكن في يوليو (تموز) الماضي، توحد الشعب التركي ضد المحاولة الانقلابية.

مثّلت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) الماضي إهانة للجيش التركي. قالت الحكومة إن الجيش قد جرى السيطرة عليه من قبل جماعة جولن الإرهابية التي سعت للسيطرة على الدولة، وفي أعقاب فشل الانقلاب مباشرة، انخرطت الحكومة في حملة تطهير طالت الجيش ومؤسسات مدنية أخرى.

يخضع الجيش التركي لعملية إعادة هيكلة واسعة النطاق. وكان أبرز تغيير هو زيادة السيطرة الحكومية على القوات المسلحة.

على سبيل المثال، أنهت الحكومة سيطرة قيادة الأركان العامة على المدارس العسكرية وأسندت المسئولية إلى وزارة التعليم. وقد أخضعت قوات الدرك للسيطرة الكاملة لوزارة الداخلية ووضعت الجيش بأسره تحت سيطرة وزارة الدفاع.

 

إعادة ضبط عقارب الساعة

إن كافة هذه الإصلاحات المقترحة ستتعزز بشكل أكبر إذا ما وافق أكثر من 50% من الناخبين الأتراك على التعديلات الدستورية المزمع الاستفتاء عليها في 16 أبريل (نيسان) المقبل. وستعيد الإصلاحات المقترحة ضبط عقارب الساعة للنظام السياسي التركي برمته.

سيتحول منصب الرئيس بشكل كامل من منصب شرفي إلى منصب تنفيذي أكثر قوة، حيث سيصبح الرئيس هو رئيس البلاد والحكومة والحزب الحاكم.

تأتي التعديلات الدستورية في ظل محاولة الانقلاب الدموي الفاشلة التي كادت أن تطيح بأردوغان، وفي وقت تنخرط فيه تركيا في حروب على ثلاث جبهات ضد جماعة عبد الله جولن، وضد حزب العمال الكردستاني، وضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يقول المتحمسون للاستفتاء: إنّ وجود رئيس بسلطات كاملة سيمكن أردوغان من مواجهة هذا الطيف الواسع من التحديات الأمنية داخليًا وخارجيًا.

لكن المعارضين للتعديلات المقترحة يعتقدون أنّها ستضع الكثير جدًا من السلطات في أيدي الرجل الذي أظهر نزعة دكتاتورية بشكل واضح. كما أشارت الانتقادات إلى أنّ عقد الاستفتاء خلال حالة الطوارئ قد منع الأحزاب المعارضة من إقامة حملات مناهضة للتعديلات بحرية.

وما يثير السخرية هو أن أردوغان يتعرض للانتقاد بالفعل على خلفية استخدام سلطته في حملات مكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني الإرهابي وأجنحته في سوريا، والاستيلاء على وسائل الإعلام، وحملة التطهير واسعة النطاق التي أعقبت الانقلاب الفاشل، لكن هذه ليست سوى تصرفات رئيس قوي ومنتخب ديمقراطيًا يسعى لحماية الأمن القومي لبلاده واتخاذ التدابير التي لم يكن ليتردد أي رئيس آخر في اتخاذها في نفس الظروف.

 

تحصين البلاد ضد الانقلابات؟

لستُ من عشاق نظرية المؤامرة، لكنني أجد صعوبة حقيقية في فهم كيف اتحد كل من الروس والأمريكيين والنظام السوري والميليشات الكردية ضد تركيا في الهجوم على منبج.

ما يثير الصدمة هو أنّ رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم قد صرح مؤخرًا بالقول إنه من غير المنطقي شن هجوم على منبج، بدون التعاون مع كل من روسيا والولايات المتحدة.

وقد جاءت تعليقاته على النقيض تمامًا من التصريحات العنيفة التي أدلى بها وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، الذي قال إن الجيش التركي لن يتورع عن قصف قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا في منبج، إذا لم تنسحب من المدينة.

وفي أعقاب تصريحات تشاويش أوغلو، التقى كبار الجنرالات الأتراك والروس والأمريكيون هذا الأسبوع في مدينة أنطاليا لمناقشة خطواتهم التالية لقتال الدولة الإسلامية في سوريا.

لنفكر لبعض الوقت فيما لو أصرّت تركيا على التوجه إلى منبج لتجد نفسها في معركة ضد الميليشيات الكردية وقوات الأسد، التي تمكنت من إيجاد موطئ قدم قوي لها بعد أن سلمت قوات سوريا الديمقراطية أجزاء من المدينة لها. كان انسحاب قوات سوريا الديمقراطية لصالح قوات الأسد مؤامرة خبيثة بلا شك لتوريط تركيا في مستنقع قذر قبل الاستفتاء المصيري.

وقد ازدادت حدة التوتر الدبلوماسي أيضًا بين تركيا وإيران، بعد أن تبادل البلدان الاتهامات بشأن دورهما في الحرب السورية ومنطقة الشرق الأوسط.

وفي جبهة ثالثة، اشتعلت حرب تصريحات بين الدبلوماسيين الأتراك ونظرائهم الألمان، بعد أن منع المسؤولون الألمان وزير العدل التركي بكر بوزداج من عقد مؤتمر شعبي في ألماني.

عند وضع كل هذه القطع معًا، يحق للمرء الاعتقاد أنّها ليست مصادفة. فهي جميعها تخدم هدفًا دعائيًا واحدًا: لقد خسرت تركيا في أوروبا وفي المنطقة وهناك محاولة لتمهيد الطريق ليس بالضرورة لانقلاب عسكري، وإنما لانقلاب ناعم عبر قيام الأتراك بالتصويت ضد التعديلات الدستورية المقترحة في أبريل (نيسان) المقبل.

يجد أردوغان نفسه بين شقي الرحى، فإمّا أن يظهر التسامح واللين مع الانقلابيين الدمويين، والإرهابيين والمتآمرين على البلاد في سبيل استرضاء أعدائه وتقليل حدة العداوة اتجاه بلاده، أو أن يضربهم قانونيًا وشرعيًا بيد من حديد عن طريق تحصين النظام الرئاسي عبر الاستفتاء، وأن ينخرط في وضع حلول سياسية للاضطرابات في المنطقة. وبذلك، يضمن أردوغان أن تأثيرات أية محاولات انقلابية تكون محدودة.

في الوقت الراهن، طالما أن أردوغان مستمر في اتباع سياسته الوقائية في سوريا، وبحثه عن بدائل اقتصادية للاتحاد الأوروبي في آسيا وإفريقيا، وانضمامه إلى تحالفات إقليمية ودولية بديلة، فإنه سيستمر في الخوض في حقل الألغام.

ساسه 11/3/2017

شبكة البصرة

الاحد 14 جماد الثاني 1438 / 12 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط