بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

درس في الوطنية.. حكاية قرية مصرية

شبكة البصرة

السيد زهره

حدث هذا في قرية مصرية في صعيد مصر. ما حدث يستحق أن يروى، فهو يمثل درسا ليس في التعايش بين أبناء الوطن الواحد فقط، ولكنه درس في الوطنية.

القرية اسمها "الإسماعيلية" وتقع في محافظة المنيا، يعيش فيها مسلمون وأقباط، كما أغلب قرى المحافظة وفي مصر كلها في الحقيقة. ومعروف ان المنيا شهدت في فترات متفرقة محاولات من جماعات إرهابية ومتطرفة احداث فتنة طائفية بين المسلمين والأقباط وأقدمت على حرق كنائس.

الذي حدث في قرية الاسماعيلة كما رواه تقرير نشرته صحيفة "اليوم السابع" ان أهلها، المسلمون والأقباط معا، قرروا بناء كنيسة، وحضانة وملعبا للأقباط بأيديهم وبجهودهم الذاتية.

والقصة بدأت مع أحداث 25 يناير 2011، حين قرر أهالي القرية تكوين لجنة تضم جميع العائلات المسلمة والقبطية مهمتها حل المشاكل. وأحد المشاكل التي عانى منها اقباط القرية انه لم يكن يوجد لهم مكان للصلاة، وكانوا يضطرون الى الذهاب الى القرى المجاورة ويعانون كثيرا.

الأهالي قرروا حلا لهذه المشكلة تخصيص خيمة يؤدي الأقباط شعائرهم فيها. لكن بعض الإرهابيين قاموا بحرق الخيمة.

اللجنة التي شكلها اهل القرية اجتمعت وقررت بناء كنيسة بديلا عن الخيمة بجهودهم.

يقول عمدة القرية: المسلمون كانوا يتسابقون لحمل الأحجار وتقديم الواجب للعمال حتى انتهى العمل وتم افتتاح الكنيسة.

احد أبناء القرية من الأقباط قال: المسلون شاركوا في اعمال البناء، وأضاف: التوافق الذي نعيش فيه هو ما ساهم في بناء الكنيسة، والحضانة. ليس هذا فقط، وانما أيضا انشاء ملعب لأبناء القرية على قطعة ارض تبرع بها المسلمون والمسيحيون. وقال: الكنيسة الآن تم رسم كاهن لها، ولا نحتاج الى أمن لحراستها لأن الأهالي من القرية هم اكبر حارس، فالمسلمون هم من ساهموا في بنائها.

مواطن قبطي آخر من أبناء القرية قال: "مين قال ان المنيا فيها فتنة طائفية. لا يوجد في محافظة المنيا فتنة طائفية انما مشكلات طبيعية، والدليل ان المسلم كان يحمل على كتفه الأحجار من اجل بناء كنيسة لأشقائه الأقباط، ويقدم الطعام والمشروبات للعمال بيده. وعند افتتاح الكنيسة، شارك الجميع في الافتتاح، وكنا نأخذ بعضنا البعض بالأحضان دون معرفة من المسلم ومن القبطي"

هذا ما حدث في قرية الإسماعيلية المصرية في صعيد مصر.

التقرير يقول ان ما فعله اهل القرية تجسيد للتعايش والسلام الاجتماعي. لكنه أبعد من هذا في الحقيقة. هذا درس في الوطنية.. درس فيما يجب ان يكون عليه حب الوطن، والولاء للوطن... ودرس في معنى المسئولية الوطنية.

هذه الروح الوطنية في القرية المصرية ليست أمرا غريبا ولا استثنائيا. هي نفس الروح الموجودة في كل انحاء مصر عبر العصور. المصريون جميعا تربوا على هذه الروح.

لكن الحادث كما نعلم أن محاولات اثارة الفتنة الطائفية وشق الصف الوطني تقف وراءها أولا، قوى وجماعات دينية متخلفة الفكر ومتطرفة ولا تعرف معنى المسئولية الوطنية. وتقف وراءها ثانيا، مخططات اجنبية تهدف الى اثارة الفتن والفوضى الداخلية، ليس في مصر وحدها، وانما في كل الدول العربية.

لكن ما فعله أهالي هذه القرية المصرية يلفت النظر الى أمر له أهمية كبرى.

نعني الأهمية البلغة، في مصر وفي كل الدول العربية، لتشجيع وإبراز مثل هذه التجارب والمبادرات العملية التي تجسد فعلا على ارض الواقع معاني الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

نحن نتحدث كثيرا، على المستوى السياسي والإعلامي، عن الوحدة الوطنية وضرورة سيادة قيم وسلوكيات السلام والتضامن الاجتماعي، وعن ضرورة مواجهة المخططات الأجنبية.. وهكذا.

وهذا جيد ومطلوب.

لكن مبادرة عملية واحدة تجسد هذه المعاني فعلا يكون لها من التأثير ما يفوق بآلاف المرات أي كلام انشائي.

لهذا، في مصر وفي البحرين وكل الدول العربية، مسئولية الدولة ان تشجع التجارب والمبادرات العملية التي تجسد الوحدة الوطنية والتلاحم الوطني فعلا لا قولا فقط. وينبغي بالطبع ان يتم هذا في اطار خطط وطنية لتكريس الوحدة الوطنية.

مثل هذه المبادرات والتجارب حين يتم تشجيعها وابرازها، تكون ابلغ رد على كل محاولات اشعال الفتن الطائفية في المجتمع.

شبكة البصرة

الاثنين 8 جماد الثاني 1438 / 6 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط