بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحرية والمواطنة.. وإعلان الأزهر

شبكة البصرة

السيد زهره

قبل أيام، عقد الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين مؤتمرا في غاية الأهمية في القاهرة استمر ليومين. المؤتمر عقد تحت عنوان "الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل"، وشارك فيه أكثر من مائتي شخصية من ستين دولة من النخب الدينية والمدنية والثقافية والسياسية الاسلامية والمسيحية في الوطن العربي والعالم، كما شارك فيه كثير من رجال السياسة والفكر والاعلام في مصر.

في ختام المؤتمر، صدر "اعلان الأزهر" حول قضية المواطنة والحرية، وتضمن ستة بنود.

 

ونظرا للأهمية البالغة التي يمثلها الإعلان، نرى من المهم أن نلخص هذه البنود فيما يلي حسب ما جاءت في نص الإعلان:

أولًا: إنَّ مصطلح "المواطنة" هو مصطلحٌ أصيل فى الإسلام، وقد شعَّت أنوارُه الأولى من دستور المدينة وما تلاه من كُتُبٍ وعُهودٍ لنبى الله- صلَّى الله عليه وسلَّم- يُحدِّدُ فيها علاقةَ المسلمين بغير المسلمين، ويُبادر الإعلان إلى تأكيدِ أنَّ المواطنة ليست حلًّا مستوردًا، وإنَّما هو استدعاءٌ لأوَّل ممارسةٍ إسلاميَّةٍ لنظام الحُكمِ طبَّقَه النبى- صلَّى الله عليه وسلَّم- وفى أوَّلِ مجتمعٍ إسلامى أسَّسَه، هو دولة المدينة. هذه الممارسةُ لم تتضمَّن أى قدرٍ من التفرقة أو الإقصاء لأى فئة من فئات المجتمع آنذاك، وإنما تضمَّنت سياسات تقومُ على التعدُّديَّة الدِّينيَّة والعِرقيَّة والاجتماعيَّة، وهى تَعدُّديَّةٌ لا يُمكن أن تعمل إلَّا فى إطار المواطنة الكاملة والمساواة، التى تمثَّلت بالنصِّ فى دستور المدينة على أنَّ الفئات الاجتماعيَّةَ المختلفة دِينًا وعِرقًا هم أمَّةٌ واحدةٌ، وأنَّ غير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.

 

ثانيًا: إنَّ تبنِّى مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يَستَلزِمُ بالضرورة إدانةَ التصرُّفات التى تتعارَضُ ومبدأ المواطنة، من مُمارساتٍ لا تُقِرُّها شريعةُ الإسلام، وتنبنى على أساس التمييز بين المسلم وغيرِ المسلم، وتترتَّبُ عليها ممارسات الازدراء والتهميشِ والكَيْلِ بمِكيالَيْن، فضلًا عن المُلاحَقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكيات يَرفُضها الإسلام، وتَأباها كلُّ الأديان والأعراف.

إن أولَ عواملِ التماسُكِ وتعزيزِ الإرادة المشتركة يَتمثَّلُ فى الدولة الوطنيَّة الدستوريَّة القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحُكم القانون

كما أنَّ تجاهُلَ مفهوم المواطنة ومُقتَضياته يُشجِّع على الحديث عن الأقليّات وحُقوقِها.ومن هذا المنطلق يتمنَّى الإعلان على المثقفين والمفكِّرين أن يتنبهوا لخطورة المضى فى استخدام مصطلح "الأقليات"، الذى يحمل فى طياته معانى التمييز والانفصال بداعى التأكيد على الحقوق

 

ثالثًا: نظرًا لما استشرى فى العقود الأخيرة من ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التى يَتمسَّحُ القائمون بها بالدين، وما يتعرض له أبناء الديانات والثقافات الأخرى فى مجتمعاتنا من ضغوطٍ وتخويف وتهجير وملاحقات واختطاف، فإن المجتمعين من المسيحيين والمسلمين فى مؤتمر الأزهر يُعلِنون أن الأديان كلها بَراءٌ من الإرهاب بشتى صوره، وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار.

 

رابعاً: إنَّ حماية المواطنين فى حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم وسائر حقوق مواطنتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، صارت الواجب الأول للدُّوَلِ الوطنيَّة التى لا يصح إعفاؤها منها؛ صونًا لحياة المواطنين وحقوقهم، ولا ينبغى بأى حالٍ من الأحوال مزاحمة الدولة فى أداء هذا الواجب، أيًّا كان نوع المزاحمة.

 

خامسًا: نحن- المسلمين والمسيحيين- محتاجون الى مزيد من المراجعات من أجل التجديد والتطوير فى ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا.

وقد كان من ضِمن المراجعات توثيقُ التواصل بين المؤسسات الدينية فى العالم العربى وفى العالم الأوسع؛ فقد أقمنا علاقاتٍ مع حاضرة الفاتيكان، وأسقفية كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرها.

 

سادساً: إنّ طموح الأزهر ومجلس حكماء المسلمين من وراء هذا المؤتمر هو التأسيس لشراكةٍ متجددة أو عقدٍ مستأنَفٍ بين المواطنين العرب كافَّةً، مسلمين ومسيحيين وغيرهم من ذوى الانتماءات الأُخرى، يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادَل والمواطنة والحريَّة، وما نذهبُ إليه فى هذا الشأن ليس خِيارًا حَسَنًا فقط؛ بل هو ضرورةُ حياةٍ وتطورٌ لمجتمعاتِنا ودُوَلِنا وإنسانِنا وأجيالِنا.

ونحن أهلُ سفينةٍ واحدةٍ، ومجتمعٍ واحدٍ، نُواجه مخاطرَ مشتركة تُهدِّدُنا فى حياتنا ومجتمعاتنا ودولنا وأدياننا كافَّة، ونريد بالإرادة المشتركة، وبالانتماء المشترك، وبالمصير المشترك، أن نُسهِمَ معًا عن طريق العمل الجادِّ فى إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم، حتى نوفر لأبنائنا وبناتنا فُرَصًا فى مستقبلٍ واعدٍ، وحياةٍ أفضل.

كما نرى، هذه البنود التي تضمنها " اعلان الأزهر" لها أهمية استثنائية، اذ تؤكد على مفهوم المواطنة، والدولة المدنية، والتعايش المشترك على أسس المساواة بين أبناء جميع الأديان في الدول العربية والإسلامية.

وبالطبع، يستمد الإعلان اهميته مما للأزهر الشريف من مكانة كبيرة في العالم الإسلامي كله، وعلى ضوء الأخطار والتحديات التي تواجهها دولنا.

وهذه المباديء التي أكدها الاعلان من المفروض في الحقيقة ان تكون مرشدا للخطاب السياسي والإعلامي في دولنا على كل المستويات، ولكل الأجهزة الرسمية وأجهزة الاعلام والقوى السياسية.

لكن الأمر الذي يجب ان نؤكده هو ان رجال الدين والقوى الدينية في العالم العربي والاسلامي بكافة مذاهبهم، هم اول من يجب ان يطبق هذه المباديء التي تضمنها الإعلان في خطابهم. ولعل هذا الاعلان يكون حافزا على تطوير وتجديد الخطاب الديني في دولنا.

شبكة البصرة

الثلاثاء 9 جماد الثاني 1438 / 7 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط