بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نصائح استراتيجية أمريكية للعرب

كيف يجب ان يتعامل العرب اليوم مع ايران وادراة ترامب؟

شبكة البصرة

بقلم: السيد زهره

* العرب مطالبون بخطة موحدة وتشكيل قوة للتدخل السريع

* حديث روحاني عن الحوار بلا معنى ولا قيمة وهدفه شق الصف الخليجي

* ماذا لو جاء أوباما او بوش آخر بعد ترامب؟

* ايران لا يمكن ان تكون جزءا من أي ترتيبات أمنية

* الإيرانيون جعلوا من أوباما واستراتيجيته نكتة عالمية

 

كما تعلم عزيزي القاريء، فانني في الفترة الماضية كتبت عدة تحليلات أناقش فيها الأوضاع الجديدة في المنطقة بعد تولي الرئيس الأمريكي ترامب السلطة، والمواقف والسياسات التي تتبناها ادارته، وبالأخص فيما يتعلق بالنظام الإيراني وما يمارسه في المنطقة من عدوان وإرهاب. وقد قلت أكثر من مرة ان التطورات الجديدة تعتبر فرصة تاريخية أمام الدول العربية كي تردع هذا النظام الإيراني، وكي توقف مخطط تدمير الدول العربية، وتحقق قدرا كبيرا من الأمن والاستقرار في المنطقة. وحذرت من أن هذه الفرصة يمكن ان تضيع اذا عجزت الدول العربية عن استثمارها، وشرحت ما هو مطلوب من الدول العربية من وجهة نظري.

هذه القضية، أي قضية التطورات الجديدة في المنطقة على ضوء مواقف وسياسات إدارة ترامب واحتمالات المستقبل، كانت في الفترة الماضية موضع جدل واسع جدا في أوساط المحللين والباحثين في العالم كله، وقد طرحوا بالطبع وجهات نظر وتوقعات متباينة ومتضاربة أحيانا كثيرة.

وقد قرأت سيلا من هذه التحليلات من مختلف وجهات النظر والرؤى.

غير أنني توقفت مطولا بكثير من التأمل عند تقرير استراتيجي امريكي موسع نشر في الفترة الماضية. توقفت عند لأنه يقدم تحليلا صائبا دقيقا للوضع الراهن في المنطقة، ولمواقف مختلف الأطراف. والأهم من هذا انه يقدم نصائح للدول العربية وما يجب ان تفعله.

وما يطرحه التقرير يلتقي اجمالا مع المصلحة العربية، ويتفق مع ما سبق ان طالبنا به في تحليلاتنا.

لهذا، رأيت من الأهمية بمكان أن أعرض بشيء من التفصيل لما جاء بهذا التقرير.

***

 

الوضع الآن

قبل أن أعرض لما طرحه التقرير الاستراتيجي الأمريكي، من المهم ان نفهم ما هو الوضع الآن بالضبط؟.. ما هي بالضبط التطورات الجديدة التي نواجهها في المنطقة، والتي بناء عليها نقرر ماذا علينا كدول عربية أن نفعل؟

والوضع الآن يمكن تلخيصه في الجوانب الأربعة التالية:

أولا: هناك ادارة أمريكية جديدة، أتت الى السلطة بمواقف واضحة معلنة مسبقا على لسان ترامب، وتأكدت بعد تولى ادراته السلطة. مواقف تؤكد العزم على التصدي الحاسم للنظام الإيراني وما يمارسه من عدوان وإرهاب، وما يمثله من تهديد لأمريكا ولحلفائها في المنطقة.

ومع ذلك، فان مواقف وسياسات إدارة ترامب ما زالت في طور التشكل في هذه المرحلة الانتقالية، وسوف يستغرق الأمر بضعة اشهر قبل ان تحسم بشكل نهائي مواقفها وسياساتها عموما.

في غضون ذلك، وكما سبق ان كتبت، فان صراعا كبيرا يدور من أجل التأثير على ادراة ترامب في هذه المرحلة الانتقالية بين مختلف التوجهات والقوى. وتتعرض الإدارة الى ضغوط شديدة، حتى من داخل بعض المؤسسات الأمريكية من اجل ان تتراجع عن مواقفها المعلنة من قضايا كبرى عدة، وفي مقدمتها الموقف من النظام الإيراني.

ثانيا: أن النظام الإيراني وقد ادرك خطورة التطورات الجديدة بالنسبة له، يحاول ان يوحي بأنه يريد الحوار، ويريد التوافق مع دول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق الاستقرار في المنطقة وأنه جاد في ذلك. وحقيقة الأمر ان كل ما يقوله بهذا الشأن مجرد مناورة لا تعبر عن أي استعداد لتغيير مواقفه وسياساته.

ويترافق مع هذا، حملة يشنها اللوبي الإيراني في أمريكا لمحاولة اقناع إدارة ترامب بتشجيع الحوار بين ايران ودول مجلس التعاون.

ثالثا : أننا بشكل عام إزاء وضع إقليمي جديد في المنطقة في مرحلة انتقالية لم تتضح معالمه الكاملة بعد. نحن إزاء توازن جديد للقوى في المنطقة آخذ في التشكل، وأيضا لم تتضح معالمه النهائية بعد.

رابعا : انه في النهاية، فان طبيعة الوضع في المنطقة وما سوف يستقر عليه، وطبيعة موازين القوى الجديدة، سوف يتوقف على ما سوف تفعله مختلف القوى الفاعلة الأساسية. تحديدا سوف يتوقف على نوع السياسات النهائية التي سوف تستقر عليها ادارة ترامب، وعلى ما سوف تفعله الدول العربية، وما سوف تفعله ايران.

هذه الصورة العامة للوضع الآن في المنطقة ضرورية لفهم ما يطرحه هذا التقرير الأمريكي.

***

 

بلا أوهام

الآن، ماذا يطرح هذا التقرير الاستراتيجي الأمريكي؟

التقرير يناقش بشكل معمق الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة وطبيعة توازن القوى.

يقدم بداية رؤية واضحة للتطورات الأخيرة، ومن ثم يطرح ماذا على الدول العربية ان تفعل.

قبل كل شيء، يحذر التقرير من أوهام يمكن ان يتعلق بها بعض العرب.

يقول ان ايران تحاول ان تبلغ العرب ان ترامب ما هو الا نمر من ورق. في نفس الوقت، يعتقد المواطنون العرب العاديون ان الرئيس ترامب سوف يحقق معجزة وينهي التهديدات الايرانية لبلادهم. وبين هذا وذاك، يقول روحاني للقادة العرب ان كل الخلافات الحالية يمكن ان تحل عن طريق الحوار بين دول المنطقة.

يحذر التقرير من ان كل هذه أوهام، ويقول ان اللحظة الحالية هي بالضبط لحظة عدم التعلق بالأوهام.. لا ترامب يستطيع وحده انهاء التهديدات الإيرانية، ولا روحاني يعني ما يقول.

***

 

درس مرير

ينتقل التقرير بعد ذلك الى السنوات المريرة السابقة في عهد الرئيسين الأمريكيين جورج بوش واوباما، والدرس الذي يجب ان يتعلمه العرب.

يقول ان الحيقية هي ان الولايات المتحدة لا تسطيع الدفع بقوات كبيرة في المنطقة وخوض حروب جديدة.

بالإضافة الى هذا، فإن امن الخليج لا يمكن ان يبقى اسيرا لتغيرات سياسية مفاجئة في واشنطن. هناك درس مرير يجب ان يتعلمه العرب مما جرى اثناء حكم أوباما. هذا الدرس هو، لا تضع ابدا كل البيض في سلة واحدة.

يشير التقرير هنا الى ان العرب ظلوا حلفاء للولايات المتحدة لعقود طويلة. ومع ذلك، فان الرئيس أوباما، وبمنتهى الاستهتار، تجاهل تماما كل تحذيراتهم من تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، حتى تفاقمت أزمة الشرق الأوسط وتجاوزت كل حد، وأصبحت تمثل تهديدا للعالم كله.

أوباما وضع كل رهاناته على طاولة ايران، واكد للمحيطين به ان بمقدوره جعل ايران تتغير. لكن الإيرانيين جعلوا من استراتيجيته نكتة عالمية. بدلا من أن يتغيروا، جعلوا استراتيجيته وقودا للإندفاع قدما في نفس سياساتهم ومسارهم في المنطقة وبسرعة رهيبة.

و يشير التقرير الى ان العرب قبل ذلك كانوا قد ابلغوا جورج بوش بأنه لا يجب غزو العراق، لكنه تجاهل تحذيراتهم وارسل قواته واحتل العراق. وقد استغل الايرانيون ما فعله بوش لتحقيق مخططهم بالسيطرة على كل العراق.

السؤال الذي يجب ان يفكر فيه العرب في راي معدي التقرير هو : ماذا لو جاء بعد ترامب، أوباما آخر عاجز عن ان يرى الحقائق الا من زاوية أنانيته وذاتيته المفرطة؟. وماذا لو جاء بوش آخر عاجز عن ان يرى الحقائق الا من زاوية رؤيته الأيديولوجية؟

***

 

.. في ثوب حملان

ينتقل التقرير بعد ذلك الى مناقشة قضية في غاية الأهمية، هي، كيف يفكر الإيرانيون اليوم؟ وماذا وراء حديثهم المفاجيء عن الحوار مع دول مجلس التعاون ونوايا السلام التي يزعمونها؟

يقول التقرير أنه بالنسبة للايرانيين، فانهم يفكرون بمنطق ان لكل شيء موسم معين. الآن، في الوقت الذي بدأ فيه ترامب بممارسة الضغوط عليهم بشدة، يعتقدون ان هذا وقت نفض الغبار عن " قناع السلام" الذي يحتفظون به في قبو في مكان ما في طهران.

يقول: هم الآن يرتدون ثياب الحمل، ويحملون اغصان الزيتون اليابسة، ويتوجهون الى عواصم الدول المجاورة.

يعتبر التقرير ان الإيرانيين حين يفعلون هذا، فانهم لا يخاطرون بأي شي على الاطلاق لأكثر من سبب:

1 هذا لا يتطلب منهم ان يقدموا على اتخاذ أي خطوة عملية على الاطلاق على الأرض او تقديم أي تنازلات.. الكلام الانشائي مجاني بلا ثمن

2 اذا صدق الجيران ما يقوله الإيرانيون، وانخدعوا بالقناع الذي ترتديه واغصان الزيتون، فربما يبدأون محادثات تمتد لسنوات، وسيتيح هذا لإيران ان تقول للعالم في غضون ذلك انها تعمل لتحقيق السلام مع العرب، بينما يريد ترامب، الغريب عن المنطقة، ان يدفعهم لمحاربة بعضهم.

3 ان مجرد التلويح ببعض الوعود والاشارات الفارغة، ومن دون الإقدام عل أي خطوة عملية، يمكن ان يشق صفوف جيران ايران العرب، ويضعف ارادتهم وتصميمهم.

أي ان ايران في رأي التقرير ستكون رابحة في كل الأحوال.

وعلى ضوء هذا، يعتبر ان زيارات روجاني لبعض دول مجلس التعاون الخليجي هي بلا معنى ولا قيمة طالما انها لم تقترن بأي اجراءات عملية بدلا من الكلام الانشائي الفارغ. ولا يجب ابدا اخذ كلام روحاني بأي قدر من الجدية ما لم تبدا ايران عمليا في اصلاح الخراب الذي حل بسببها لأمن المنطقة، وفي دول مثل سوريا والعراق واليمن.

***

 

ماذا يجب ان يفعل العرب؟

بعد ذلك ينتقل التقرير الى القضية الجوهرية، وهي ماذا على الدول العربية ان تفعل على ضوء هذه المقدمات والقراءة التي قدمها للوضع الحالي في المنطقة؟

يقول التقرير بداية انه بغض النظر عن سياسات ومواقف ادراة ترامب الحازمة في مواجهة ايران، وبغض النظر عما تفعله ايران وما يقوله روحاني، القضية الأساسية اليوم، ان الكرة في ملعب العرب.

ويقول مباشرة ان العرب مطالبون اليوم بأن يبنوا دفاعاتهم الأمنية، بشكل مؤسسي ومتنوع، ودائم على غرار حلف الناتو مثلا.

يوضح ذلك بالقول ان من الواضح أن الترتيبات الأمنية الحالية تسير من أزمة الى أخرى، والسبب في ذلك ما سبق وفعله بوش واوباما ومفهومهما عن الأمن في المنطقة.

مفهوم بوش كان يقوم على أن تحقيق استقرار المنطقة يقوم على فرض نموذج الديمقراطية الأمريكية على دولها حتى ولو بالدبابات والقوة.

ومفهوم أوباما كان يقوم على تقليل دور الجيش الأمريكي، والاعتماد على مخطط لاعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، وإعادة تشكيل خريطة المنطقة نفسها.

وكلا المفهومين، قادا المنطقة الى الحال الذي وصلت اليه اليوم من اضطراب.

ويضيف التقرير: لقد ثبت أن بناء الدول، وفرض الديمقراطية عبر الاحتجاجات العنيفة والحروب وتغيير النظم، واستخدام الإسلام السياسي، والثورات الملونة وغير هذا من تلك الترسانة سيئة السمعة.. ثبت ان كل هذا كان مجرد اضغاث أحلام كارثية.

اليوم، من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة، فان على العرب في راي معدو التقرير ان يقدموا للمجتمع الدولي، خطة واضحة المعالم لما يجب عمله من أجل إعادة الاستقرار النسبي في المنطقة وتطويره في نفس الوقت، ولكيف يمكن لدول المنطقة والمجتمع الدولي جعل ايران تدرك أن، كفى يعني كفى.

ويذكر ان كل ما نشاهده الآن في المنطقة هو نتيجة تحول ميزان القوى الإقليمي. وهذا التحول حدث نتيجة أسباب كثيرة. منها الاتفاق النووي الإيراني ونجاح طهران في بناء قوة عسكرية قوية نسبيا، ونجاحات ايران في المزج بين القوة التقليدية وحروب الوكالة، وغزو العراق، والعجز عن الاصلاح في العالم العربي وغير هذه من العوامل.

ما نشاهده اليوم هو تحول آخذ في التشكل وغير واضح المعالم لميزان القوى.

وفي ظل هذ الوضع، من المستحيل قبول ان تكون ايران جزءا من أي تريبات أمنية، طالما بقية العقلية الإيرانية ونمط التفكير الايراني كما هو دون تغيير.

أي ترتيبات أمنية في المنطقة يجب ان يكون هدفها في راي التقرير هو استعادة القدرة على الردع الكفيلة بمنع الإيرانيين من اختبار ميزان القوى الحالي غير المستقر.

ويقول ان اي نموذج امني جديد يجب أن يبنى على ترتيبات أمنية متعددة الأطراف في شكل اتفاقية تحدد بشكل مؤسسي التزامات ومسئوليات كل طرف من الأطراف الموقعة عليها.

و ويؤكد التقرير على ان تشكيل قوة عسكرية عربية للتدخل السريع اصبح مهمة ملحة.

يقول التقرير ان طبيعة التهديدات للأمن العربي أصبحت جسيمة ومعقدة. ايران تحاول استخدام الأقليات الشيعية في عديد من الدول العربية من أجل اثارة الاضطرابات في بلادهم. ليست الحروب التقليدية هي التي تشكل جوهر التهديدات التي تواجه العرب اليوم. هناك تهديدات متعددة ومن مصادر متعددة، بعضها من الداخل وبعضها من الخارج.

لهذا، فان آليات الرد ومواجهة هذه التهديدات يجب ان تكون متعددة ومتنوعة. و عبر مثل هذا النموذج المقترح لحلف أمني إقليمي، يمكن لتوازن القوى ان يبقى في الحدود الآمنة.

ويخلص التقرير الى القول : آن الأوان للعرب ان يتحدوا معا، وان يقوموا بصياغة رؤيتهم للبناء الأمني الإقليمي. من شأن هذا أن يمثل اسهاما كبيرا مهما في الجدل الدائر حاليا في العواصم العالمية حول كيفية تحقيق استقرار المنطقة بعد خطايا الأعوام ال16 الماضية.

***

 

نصائح ذهبية

كما نرى، هذا التقرير الاستراتيجي الأمريكي يقدم نصائح، أعتبرها نصائح ذهبية للعرب في هذه المرحلة المهمة في تاريخ المنطقة. وهذه النصائح تتلخص في:

1- اياكم ان تثقوا في حديث الإيرانيين عن الحوار والرغبة في حل المشاكل.. الخ. كل هذه أكاذيب وخداع، واحد أهدافها الكبرى شق صف دول مجلس التعاون.

2- لا تنتظروا من ترامب ان يحل مشاكل المنطقة وحده، او ان يتصدى للخطر الإرهابي الإيراني وحده، وما سوف يفعله سيعتمد في جانب أساسي على ما ستفعلونه انتم.

3- وحدوا صفوفكم، واتفقوا على خطة استراتيجية لمواجهة الخطر الإيراني ولحفظ امن واستقرار المنطقة، واطرحوها على أمريكا والعالم.

4- في القلب من أي خطة عربية، يجب ان يتم تشكيل قوة عسكرية عربية موحدة، كقوة تدخل سريع للدفاع عن امن الدول العربية.

السؤال هو: هل تتنبه الدول العربية الى هذه النصائح، التي سبق ان قدمناها قبل ذلك، وتتصرف على هذا الأساس؟

نرجو هذا

شبكة البصرة

السبت 13 جماد الثاني 1438 / 11 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط