بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المجتمع المدني اللبناني: الماهية والدور

(إضاءة على تجربة حملة "بدنا نحاسب")؛

شبكة البصرة

نبيل الزعبي

كذبة كبيرة اسمها "الاستقلالية" أطلقها المجتمع المدني على نفسه وظل يصدقها لسنوات وسنوات دون أن يبادر بأية مراجعة نقدية لمسيرته الاجتماعية والنضالية المطلبية فيتوقف على أهم أسباب التراجع والتقوقع على الذات والتدقيق في مفهوم (الاستقلالية) وعن من يكون هذا الاستقلال! عن الأحزاب العاملة على الساحة، أم عن الزعامات التقليدية! وأين الخلل في مسيرة الأحزاب! وهل كلها أحزاب طائفية ومذهبية يقودها التقليديون! أم أن الأحزاب العابرة للمناطق والطوائف والمذاهب في هذا البلد ما زالت تجد لنفسها حيزاً من العمل السياسي والنضالي العام، ليتشكل بين عملها وعمل المجتمع المدني، قواسم مشتركة عدة من شأنها أن تجمع وتوحد وتؤطر الجهود إلى تحقيق الرؤية الواحدة نحو مواجهة ما يتعرض له المجتمع اللبناني، المدني والسياسي والحزبي من تحديات ومسؤوليات.

كذبة أخرى أكبر من الأولى، يرتكبها المجتمع المدني لسنوات وسنوات أيضاً فيصدقها مدعياً أنه يمثل الشرائح الاجتماعية الأوسع في البلد، ولدى كل اجتماع نخبوي لممثلي هذا المجتمع، يجدون أنفسهم أمام طريق مسدود من العمل المنتج، فتراهم يقترحون من ضمن ما يضعونه من أوليات، النزول إلى المناطق الشعبية والاطلاع على أوضاعها ومشاكلها، وبذلك يمارسون على أنفسهم أسطع أشكال الانفصام الذاتي سخرية، إذ كيف يوفقون بين تمثيلهم "الجامع" وبين افتقارهم لمعرفة ما يدور في المناطق الشعبية وكيف يعيش أهاليها المطلوب من نخب هذا المجتمع النزول إليهم والاطلاع على أوضاعهم! في حين أن أبسط أوليات التمثيل الواسع، أن تكون هذه المناطق ممثلة وفي أوسع درجات التراتبية داخل أطر هذا المجتمع ويكون لها، قبل غيرها، القول الفصل في كل ما يصدر من مقترحات وتوصيات وتحركات على الأرض.

 

انطلاقاً من هاتين الكذبتين، نجد لزاماً علينا أن نضع أمام المجتمع المدني اللبناني الحقائق التالية:

1- أن أكذوبة الاستقلالية عن الأحزاب لا توازيها سوى أكذوبة أن هذه الأحزاب قد تقلص دورها وانتهى لصالح المجتمع المدني الذي يجب أن يكون قد سد هذا الفراغ والغياب نظرياً على الأقل، فيما الواقع يثبت عكس ذلك ليؤكد أن ما يجمع المجتمع المدني والأحزاب العابرة للطوائف بشكل خاص، من قواسم نضالية هو أكبر مما يفرق بينهما، الأمر الذي يفرض ردم أية ثغرات خلافية بين المكونين حيث أن كلاهما بحاجة للآخر.

 

2- ثمة من استغل المجتمع المدني فخدعه بمعزوفة الاستقلالية، وفي نهاية المطاف، تبين أن قاطرة هذا المجتمع وجدت نفسها في خانة سياسيين لم يختلف نهجهم عن غيرهم من ساسة هذا البلد وخطابهم الشعبوي المذهبي الطائفي المناطقي ولنا في تجارب الانتخابات البلدية الأخيرة أمثلة ونماذج عدة عما تقدم حيث وجد بعض من يدعي تمثيل المجتمع المدني نفسه في حفرة أكثر عمقاً من الحفرة التي حذر من الوقوع فيها، سواء عن دراية منه مسبقة بخبث مقطوع النظير، أم عن جهل وغباء مستحكم لم يعد ليعطيه أي عذر في الاعتراض أو عدم تحميله المسؤولية كاملة وهو المشارك في مصادرة المجتمع المدني وتحويله إلى مجتمعات لكل منها مرجعياته السياسية مستغلاً فرصة النجاح غير المسبوق التي حظي بها على طبق من الخطاب الشعبوي والتحريضي في بعض البلديات وما زال يتغنى بهذا النجاح وتلك الانتصارات التي تحولت بغطرسته وغبائه إلى آمال محطمة دفع ثمنها من أخذته الشعارات فصدق وعود من لم يمكن بمستوى الوعد.

 

3- وحتى لا تختلط الأمور فنضيع في متاهة "الاستقلالية" إذا وُجدت، وفي "الزواريب" التي تقود إلى أي مجتمع مدني نريد،

لا بد من التنويه إلى الماهية التي يتشكل منها المجتمع المدني أساساً، وهي بحسب ما نملك من معلومات متواضعة أنه يعني مختلف شرائح المجتمع بشكل عام، إذا ما استثنينا المنتسبين للأجهزة الأمنية والعسكرية، وبالتالي فإن نخب المنضوين تحت عباءة هذا المجتمع، هي النقابات العمالية والمهن الحرة التي تضم الأطباء والمهندسين والمحامين والإعلاميين والمحاسبيين ورجال المال والأعمال والهيئات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية وأساتذة الجامعات والثانويات والمدارس المهنية والأساسية إلى غيرها من المؤسسات والجمعيات التي تتعاطى بأمور الفرد والمجموع والحي والدسكرة والبلد وصولاً إلى رحاب كل الوطن،

وجل المنتسبين لما تقدم، هم كوادر أو ناشطين ومؤيدين ومتفاعلين مع أحزاب عاملة على الساحة، ولها تجاربها وتاريخها ومواقفها الناصعة الانتماء إلى قضايا الناس، وبالتالي فإن مجرد الحديث عن استقلالية ما، تجاه هؤلاء فإنما تندرج ضمن نطاق وضع الأسافين بين مكونات المجتمع المدني بشكل أساسي وشرذمته واستعداء المواطنين السذج منهم والطيبين: خاصة، على من هم في خانة الاستهداف معهم من قبل كل القوى المتخلفة والمستفيدة من الأوضاع الراهنة وما يفرزه هذا النظام الطائفي الميليشياوي الفاسد.

 

4- من هنا، لا بد من التوقف أمام إحدى أهم تجارب العمل الجبهوي التي شهدتها الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة حيث شكلت حملة "بدنا نحاسب" أنموذجاً متقدماً للعمل المطلبي بجمعها ناشطين من مشارب سياسية متعددة، ومستقلين وفاعلين في مختلف هيئات المجتمع اللبناني، حيث تلاقوا حول محاربة الفساد في لبنان فشكلوا حالة وطنية متقدمة من الإجماع الوطني الذي يضم كل الناس ومن كل المناطق.

فما الذي يمنع ظاهرة نضالية مطلبية رائدة كحملة "بدنا نحاسب" أن تتمدد وتتوسع لتشمل كل لبنان، وليضع كل منتم إلى حزب أو تنظيم أو كيان سياسي، عصبويته جانباً، ولينخرط في سبيل كل ما يجمع بين الناس دون أن يفرق، ولا نعتقد أن المعركة في سبيل الخبز والحرية والدواء والاستشفاء والمقعد الدراسي والجامعي، هي معركة قد يختلف عليها اثنان في هذا البلد، اللهم إلا إذا كان أحدهما وطني مخلص لبلده وشعبه حتى النخاع، والآخر مختلف حقود سارق لا يعيش إلا على آلام الناس ومعاناتهم وشقائهم، وهذا الصنف الأخير من البشر يشار إليه بالبنان فتراه منبوذاً مرفوضاً من الجميع وغير مؤهل للوثوق به.

في 11/3/2017

شبكة البصرة

الاحد 14 جماد الثاني 1438 / 12 آذار 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط