بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قرآءة في "المشروع السياسي الوطني" للعراق

شبكة البصرة

د. عماد الدين الجبوري

مقدمة

بعد سعير ولظى سنوات المقاومة العراقية الضارية ضد قوات الإحتلال الأمريكي ما بين (2003-2011)، والتي تجلت بهزيمة ميدانية مريرة للجيش الأمريكي الغازي الذي توارى بعدها بذريعة الإنسحاب الرسمي حتى قبل إنتهاء موعده المقرر بتاريخ 31-12-2011. ونتيجة لهذا الواقع الذي صنعته المقاومة العراقية الباسلة من ناحية، والمستجدات والتطورات على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية من ناحية أخرى، فقد صدرت بشكل زمني متفاوت بضعة مشاريع سياسية وطنية طرحتها جهات عراقية مناوئة للعملية السياسية المتمخضة من المحتل الأمريكي والمهيمن عليها المحتل الإيراني، منها: "مركز الرافدين للدراسات الأستراتيجية" (راسام)، وكذلك "هيئة العلماء المسلمين في العراق" مثالاً؛ فضلاً عن السيد الصرخي الحسني، وجمال الضاري إنموذجاً؛ ولقد إنعقد لبعضها المؤتمرات، وزُج فيها شخصيات غربية وعربية، لكنها لم تمتد بفاعليتها خارج نطاق القاعات واللقاءآت.

ومن خلال دراسة مستفيضة عما جرى ويجري في واقع العراق الكارثي، أصدرت قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الإشتراكي في 20 آذار/مارس 2017 مشروعاً وطنياً شاملاً يروم ويهدف إلى إعادة البناء المتكامل للعراق أرضاً وشعباً وفقاً لمباديء المواطنة المتساوية، وتوفير الأسس الواجبة لحياة حرة كريمة فيها الأمن والأمان والإستقلال الوطني والسيادة وتوظيف الثروات والطاقات لإعادة الإعمار، وبناء القوات المسلحة بمهنية وعقيدة وطنية، وإلغاء كافة القوانين الجائرة منها "قانون حظر البعث"، وتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية بين جميع القوى العراقية.

وقبل العرض والتشعب في إستنباط مستقبلية هذا المشروع السياسي أن يتمكن من تحقيق ما يدعوا إليه، أو إنه سوف يرسوا على ضفاف المشاريع الوطنية التي سبقته، سواء التي بقت حبيسة الملفات النظرية وتكرار الدعوات، أو التي لاقت فشلاً ذريعاً في إستقطاب قوى عراقية مقاوماتية رغم الدعم الخارجي لها. وهنا ينبغي علينا، قبل ذي بدء، أن نستعرض بإيجاز لبّ هذا المشروع.

 

أهم نصوص المشروع

إن المشروع المطروح، بشكل عام، يقوم على أربع ركائز رئيسة هي:

أولاً: "إنهاء الإحتلال الإيراني للعراق وهيمنته على العملية السياسية، وتصفية وجود الميليشيات المسلحة، وإزالة مخلفات الإحتلال الأمريكي ونتائجه، ورفض ومقاومة كافة أنواع الإحتلال والتدخل الخارجي في العراق". وبغية تطبيق وتحقيق هذا الأمر، يسرد المشروع أربع آليات يوجب إتباعها هي:

أ- تعبئة الشعب وتحشيد قواه الوطنية وتوحيد فصائل المقاومة، وإستخدام كافة الوسائل المشروعة في التصدي للإحتلال الإيراني وأدواته.

ب- تأييد أية إستراتيجية عربية أو دولية والمشاركة فيها، لإنهاء الإحتلال الإيراني، ومحاربة قوى الإرهاب التي تمثلها "داعش" والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران.

ت- السعي والتواصل مع الدول العربية لإستصدار قرار من "مجلس الأمن" يفرض على إيران إنهاء إحتلالها للعراق والإنسحاب منه بدون قيد أو شرط.

ث- العمل مع الجهات الدولية ذات العلاقة لوضع الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران وبأحزاب السلطة في العراق على قائمة الإرهاب.

 

ثانياً: "الدعوة لعقد مؤتمر وطني عراقي تحضره جميع القوى العراقية وبضمانات عربية ودولية ملزمة، للإتفاق على تغيير العملية السياسية والبدء بمرحلة إنتقالية جديدة لمدة زمنية محددة"؛ حيث تتضمن فيها ما يلي:

أ- تشكيل مجلس وطني مؤقت.

ب- تشكيل حكومة مؤقتة من الكفاءآت المستقلة.

كما ويحدد المشروع لهذه الحكومة المؤقتة تسعة أعمال جذرية تكون بمثابة الساف الأول لبناء العراق الجديد بطريقة وطنية صحيحة وصادقة تضمن له مستقبلاً واعداً ومستقراً.

 

ثالثاً: "يتم بناء نظام سياسي وإداري حديث" وفق الأسس التالية:

أ- يتمتع بالحيوية والمرونة والكفاءة، ويعتمد معايير عصرية في تقييم الأداء.

ب- يستفيد من تجارب الدول المتقدمة في مجال هيكلة مؤسسات الدولة.

ت- يفصل بين الدين والسياسة، ويعالج المشاكل والصراعات والإختلافات في هذا المجال والتي سبّبها الإحتلال، وفقاً للدستور والقوانين المدنية.

ث- يتعامل مع المؤسسة الدينية بطريقة متوازنة بما يضمن إحترام كافة الأديان والمذاهب والطوائف والمعتقدات.

ج- يهيء الأجواء لتحقيق أوسع وأشمل مصالحة وطنية حقيقية بين فئات الشعب وفي مختلف المناطق والمحافظات ويزيل التوترات والإصطفافات الطائفية والعداوات التي تولدت أثناء الإحتلال الأمريكي والإيراني للعراق.

 

رابعاً: "بناء وإعمار العراق"، حيث تعتبر هذه العملية "من الأعمدة الرئيسة لأي مشروع وطني للحل، وذلك بسبب ما تعرض له العراق من تدمير هائل في دولته ومؤسساته الإجتماعية والإقتصادية، وبناه التحتية ومنظومته الوطنية، لذا فإن مشاركة الدول المتقدمة في بناء العراق وبأحدث ما يمكن من التقنيات في مجال إعمار البنى التحتية والفوقية، يعتبر حجر الزاوية لنجاح وقبول أي مشروع وطني من قِبل الشعب".

والشعار الذي يتبناه المشروع في هذا الصدد هو: "النفط مقابل البناء والإعمار". أما الخطة المرسومة، فتكون وفق المنهج الآتي: "أن تقوم كل دولة من الدول المتقدمة وشركاتها المتخصصة ببناء محافظة من محافظات العراق بإشراف وقيادة حكومة العراق الوطنية، ووفق إتفاقيات تفصيلية يتم الإتفاق عليها بين العراق وهذه الدول".

 

إستنتاج

إن المشروع السياسي الوطني الذي يطرحه قيادة قطر العراق لحزب البعث، بالقدر الذي يتميز بتفاصيل محورية مهمة ومعمقة، بل ومتميزة في جوانب رؤية الطرح الوطني الشامل من جهة، والبناء السياسي والإداري والإعماري من جهة أخرى؛ فإنه يدل، في نفس الوقت، على أن فلسفة وفكر البعث تقدم رؤية جديدة تجاه الأوضاع والمُعطيات الداخلية والخارجية. بعبارة أخرى، إن هذه الدراسة المسهبة للواقع العراقي وتقديم حلاً شاملاً وناجعاً في كل أبعاده، إنما يعكس مفاهيم جديدة يتبناه الحزب بغية إرساء أرضية وطنية صلبة، خصوصاً وإن هذا المشروع يلتقي مع روافد بعض المشاريع الوطنية الأخرى، سواء مع "مشروع العراق الجامع" الذي بادرت به من عَمان "هيئة علماء المسلمين في العراق" بتاريخ 15-8-2015، أو ما جاء في هدفية المشروع الذي صاغه، سابقاً، مجموعة من الأكاديميين العراقيين عبر "مركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية" (راسام) في أسطنبول. وكذلك ما أدلى به المرجع الديني محمود الصرخي الحسني في بيانه عن "مشروع سياسي" كخارطة طريق لإنقاذ العراق من الفوضى التي يعيشها، في حزيران/يونيو 2015.

إن ما ينفرد فيه هذا المشروع لا ينحصر فقط في الرؤية السياسية الجديدة للحزب والتقارب الطبيعي مع المشاريع الوطنية المضادة للعملية السياسية التي تفتك وتدمر العراق وشعبه منذ أربعة عشر سنة، وإنما في الآلية التطبيقية أيضاً. حيث أن البعث وأنصاره ومؤيدوه يستطيعون، بحكم التجربة والممارسة، أن يتلاحموا مع بقية القوى الوطنية لإخراج هكذا مشروع من حيز التنظير إلى ميدان التطبيق على أرض الواقع.

ورُب سائل يقول: لماذا لم يتبنى الحزب أي من المشاريع الوطنية النابعة من خندق المقاومة العراقية، "مشروع العراق الجامع" مثالاً؟

الجواب يكمن في الهيكلية الوجودية لدى الحزب قطرياً وقومياً. فرغم أن جميع أطياف المقاومة العراقية مهمة وموقرة بكل ما في الكلمة من معنى، (لقد كتبت مقالة منشورة في 18-8-2015 على موقع الهيئة، تأييداً ودعماً لمشروعها الوطني)؛ بيد أن بداية الوجود المقوماتي إنبثق بعد 9 نيسان/أبريل 2003 عندما دخلت قوات الإحتلال الأمريكي إلى بغداد. لذا فإن العمق الوجودي لدى الحزب في العراق وفي عدة أقطار عربية أخرى تجعله أكثر قدرةً وخبرةً من بين مكونات المقاومة العراقية في مواجهة التحديات ومجابهة الصراعات.

لذلك تجد في مراحل تطورات المقاومة العراقية، هنالك فصائل إندمجت مع بعضها البعض تحت مسميات جديدة، وأخرى ذابت وتلاشت لأسباب ميدانية أو مالية أو عقدية؛ كما وفيه جبهات جهادية تقلصت فصائلها نتيجة المتغيرات والمستجدات، منها: "جبهة الجهاد والتغيير"، أو التي حدثت فيها إنقسامات كما في "جبهة الجهاد والإصلاح"، وعلى هذا النمط كذلك بالنسبة إلى "المجلس السياسي للمقاومة العراقية".

أما عن "جبهة الجهاد والتحرير" التي يتكون عمودها الرئيس من التشكيلات القتالية البعثية، و"جيش رجال الطريقة النقشبندية"، بقيادة المجاهد عزة إبراهيم ، الأمين العام لحزب البعث العربي الإشتراكي، ما زالت متراصة الصفوف ومتماسكة البنيان، بل وقد توسعت أكثر من غيرها جراء إنتشار التنظيم الحزبي للبعث سيما في المحافظات الوسطى والجنوبية. ناهيك بالإشارة إلى "القيادة العامة للقوات المسلحة" كطرف عسكري مقاوماتي ضمن قيادة المجاهد عزة ابراهيم. فضلاً عن سلسلة من التشكيلات المدنية والسياسية الموالية لقيادة عزة ابراهيم، منها على سبيل الذكر لا الحصر:"الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية"، "المنظمة الدولية للمغتربين العراقيين" وغيرها.

ورب سائل آخر يقول: إن التركيز على إلغاء "قانون حظر البعث" يوحي على أن المشروع يُصاغ أكثر لصالح طرف معين. الجواب: رغم أن عددية رعائل الشهداء الهائلة هي من حصة حزب البعث تحديداً، علاوة على إستمرارية الإعتقالات والتشريدات والتهجيرات التي طالت مئات الآلآف من البعثيين؛ بيد أن حسم هذا الأمر جذرياً يؤدي لرؤية واضحة على المستويين القطري والقومي من جهة، ومن جهة أخرى، لإنشاء صلة متينة مع القوى الوطنية العراقية التي قدمت بدورها الشهداء أيضاً. فالتركيز على الإلغاء، إنما هو نابع أصلاً من الحرص الوطني ضمن شروط الرؤية الناجعة لمشروع سياسي شمولي.

أما الذين يتسائلون عن سبب التوقيت في تقديم هكذا مشروع الآن، ولماذا لم يتزامن مع المشاريع الأخرى؟ فالجواب لا يعدو عن كون القيادة البعثية لها دوماً تصوراتها وأفكارها التي تختار فيها ما يناسب وواقع الحال ومستقبله المنظور، سواء في التشخيصات أو المعالجات الواجب طرحها ليس إلا. لذا تجد أن النتيجة المطروحة هي ليست أكثر من ثمرة يانعة حان وقت جنيها.

 

وبذا فإن المشروع السياسي الوطني الذي قدمته قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الإشتراكي لن يواجه الركود أو الإصطفاف الجانبي أزاء المشاريع التي تم طرحها سابقاً، ولعدة أسبابا من بينها:

1- إن الإعتماد الذاتي تكافلاً وبناءً، كان وما زال من مميزات مسيرة الحزب لسبعة عقود خلت، وسيبقى على هذا النهج المبدئي، مما يجعله دوماً مالكاً لإرادته وحراً في قراراته، دونما أن يخضع إلى ضغوطات أو شروطات أي طرف مهما كان حجمه وثقله عربياً أو دولياً.

2- إن الليونة والمرونة التي يبديها الحزب فهي بحسب الضرورات المطلوبة، أو السياسة المرحلية الواجبة، أو أي ظرف يوجب الصالح العام للجميع، بيد أنها ليست نتاج ضعف أو تراجع قط، بقدر ما هي حاجة توجبها الحكمة في إدارة وسياسة الشأن الراهن بظرفيه المكاني والزماني.

3- إن الإمتداد البعثي على الساحات العراقية والعربية والمهجرية تمكنه من عملية الإستقطاب والتواصل مع بقية القوى العراقية والعربية والأجنبية بغية تحقيق أهداف المشروع التي تخدم الشعب والوطن بالدرجة الأساس، وما يترتب عليه من أبعاد مستقبلية لصالح الإستقرار الإقليمي والدولي.

4- إن الحزب يهدف التحرير لا السلطة، وما قيادته لأثقل وأكبر حجم في المقاومة العراقية، وتقديمه الأرتال تلو الأرتال من قوافل الشهداء، إلا دالة قاطعة على صدق النيات وحسن السيرات التي ينتهجها الحزب قيادةً وأعضاءً.

ومع ذلك، فكل ما ذكرناه آنفاً من حقائق ساطعة، فإن تطبيقات المشروع تتسارع نحو الواقع كلما كانت فيه إستجابات جلية من بقية الأطراف المناؤة للعملية السياسية. خصوصاً وأن هدف جميع القوى العراقية المقاوماتية هي تحرير البلاد والعباد من براثن المحتلين، وتطهير العراق من دنس أذنابهم الإمعات. نأمل كما يأمل كل عراقي حر غيور على وطنه أن تكون الأيام القادمة فيها إيجابيات تجاه هكذا مشروع، إستناداً إلى الحديث الشريف: "تفائلوا بالخير تجدوه".

شبكة البصرة

الاثنين 14 رجب 1438 / 10 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط