بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحولات مفصلية نحو بلورة نظام دولي جديد

(أي قطبية تصلح لهذا النظام؟) (ح- 33)؛

شبكة البصرة

د. أبا الحكم

المقدمة:

- روسيا (الأمبراطورية القومية) هل تعمل بالآيديولوجيا؟:

- الآيديولوجيا الروسية الجديدة، تجمع بين (القومي والديني):

- تحولات تدريجية للأستراتيجية الأمريكية الراهنة.. من الشرق الأوسط إلى العمق الآسيوي.. مع تغيرات نوعية في أسلحة التهديد بإستخدام القوة:

 

1- روسيا (الأمبراطورية القومية) هل تعمل بالأيديولوجيا؟:

- بدلاً من أن تعمل روسيا الأتحادية على أساس(الأستقطاب) الدولي كما فعل الأتحاد السوفياتي لكي تستعيد مكانتها في إرث الأتحاد السوفياتي.. أخذت تسلك منحى آخر يختلف تمامًا.. فلا هي إشتراكية ولا هي رأسمالية ولا هي إمبريالية بالمفهوم الذي يفصح عن أعلى مرحلة من مراحل الأستعمار.. إذ باتت تعمل على بناء علاقات مع (أحزاب اليمين المتطرف) في أوربا.. وهو بمثابة نهج جديد تستند إليه روسيا في سياستها الخارجية كـ(آيديولوجيا).

- وتتمثل سياسة (الأختراق) الروسية هذه لأحزاب اليمين الأوربي المتطرف، وبناء علاقات معها في بعدين، الأول: البعد المسيحي، والثاني: البعد الأوراسي الذي يتشكل في صيغة مشروع للأختراق.

- فقد كان الأتحاد السوفياتي يستخدم الأحزاب الشيوعية (أداة) للضغط على الحكومات، ويدعم هذه الأحزاب ويساندها للوصول إلى السلطة السياسية في بلدانها أو المشاركة فيها على أقل تقدير.. وإذا أرادت هذه الأحزاب دعم الأتحاد السوفياتي وحمايته لها يبدي الأتحاد السوفياتي إستعداده لذلك، مثلما حصل لحكومة كابل حين طلبت الحماية تدخل الاتحاد السوفياتي عسكريًا لحمايتها.

- الآن.. ليس لدى روسيا الأتحادية أحزاب شيوعية، إنما أمامها مجموعة من الأحزاب الأوربية ذات التوجهات (القومية- الدولية)، التي يسمونها باليمين المتطرف، حيث باتت موسكو تعمل على بناء علاقات وثيقة معها لتجعل منها (أداة) ضغط على الحكومات الأوربية من أجل كبح جماح توجهها صوب الشرق ومنعها من الأقتراب من المجال الحيوي الروسي.. وعلى هذا الأساس فأن النخبة القيادية الأمريكية المتمثلة بـ(الخارجية والكونغرس والبنتاغون ومجلس الأمن القومي الأمريكي والخزانة ومراكز الأبحاث)، تتوجس خيفة من توجه إدارة ترامب نحو موسكو في إطار سياسة خلط الأوراق التي أتبعت خلال الحملة الأنتخابية الرئاسية، والتي تساقطت الكثير من الهواجس وفي مقدمتها (العلاقة مع روسيا - والعلاقة مع الصين - والعلاقة مع الأتحاد الأوربي و(الناتو) - والعلاقة مع دول المنطقة العربية - والعلاقة مع إيران ومسألة رعاية الأخيرة للأرهاب في العالم).. فيما تثير سياسة واشنطن (ترامب) المتفهمة لليمين المتطرف حفيظة الحكومات الأوربية (ألمانيا وفرنسا) مثلاً : وهي سياسة (تقترب) من موسكو في مسألة تفهم (تطرف أحزاب اليمين الأوربي القومي المسيحي).. هذه النقطة تثير قلقًا لدى دول الأتحاد الأوربي، وكذا الأمر لدى (الناتو)، الأمر الذي جعل ألمانيا تقبل على مضض دفع ما ترتب عليها من نفقات تعادل 2% من الناتج القومي الأجمالي الألماني.

 

2- الأيديولوجيا الروسية الجديدة، تجمع بين (القومي والديني):

- لقد حول (الكرملين) عمقه الأستراتيجي من الأحزاب الشيوعية العالمية إلى عمقه الأستراتيجي أحزاب اليمين المتطرف (المسيحية والقومية) في أوربا، لكي تعيد تشكيل منطلقها (الأيديولوجي) في خطه الجيو- سياسي في إطار مشروعها الـ(أوراسي) القاري.

- تخلط موسكو في سياستها هذه بين نزعتين:

1- النزعة القومية المتشددة.

2- والنهج الديني المسيحي (الأرثودوكسي) المتزمت، الذي بات له تأثيره كبعد ديني على خط السياسة الخارجية الروسية.. ليصنع منها الكرملين قاعدة تجابه الليبرالية الأوربية.. والمعنى في ذلك: أن موسكو تعزز فكرتها القومية الروسية بالبعد الديني المسيحي (الأرثودوكسي).

وعلى أساس هذا الفهم، فأن الدول الأوربية تواجه سياستين ضاغطتين، الأولى: داخلية تتمثل بالأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة المكفولة بالدعم الروسي، والثانية: خارجية تتمثل بالسياسات الروسية، التي تعمل من أجل تكييف السياسات الأوربية لجعلها تتفهم وتقبل بدور روسيا على الساحة الدولية، عند صناعة القرارات كمكافئ دولي على مستوى من القدرة والقوة والحنكة.

ولكن.. المطب الذي تقع فيه السياسة الروسية الراهنة هو إستخدام الدين في السياسة، بمعنى إستخدام الدين أداة من أدوات السياسة الخارجية الروسية.. على حساب الواقع الأمبراطوري- القومي الروسي، الذي تسعى إليه موسكو في الوقت الذي تقطن في جنوبه أكثر من (50) مليون مسلم، وهو الأمر الذي يخلق تصادمًا دينيًا وإثنيًا، على الرغم من تكفل الكنيسة الروسية وتكفل الكرملين.. ولا أحد ينكر ما حدث بين عام 2012 2013 من صدامات اخذت طابع العنف القومي الديني.. فيما اصطدم الكرملين مع القوى اليمينية الليبرالية الروسية المعارضة ممثلة بالأحزاب الروسية.

 

المتغير الأستراتيجي الروسي:

يعتمد هذا المتغير على قاعدته الأيديولوجية الجديدة التي بدأت منذ عام 2012، وهو العام الذي أحتلت الكنيسة الأرثودوكسية الروسية ركنًا أساسيًا في السياسة الروسية نحو أوربا المسيحية على وجه الخصوص.. إذ تعتقد هذه السياسة أن التأثير على أوربا والأتحاد الأوربي يبدأ من داخل الدول الأوربية وليس عن طريق التهديد الجيو- سياسي، الذي يدفع بأوربا إلى طلب الحماية أو المظلة الأوربية.. والداخل الأوربي يشكل في هذا المرمى العمق الأستراتيجي للتأثير على مجريات السياسة الأوربية.. بمعنى، التعامل مع قوى الضغط الأوربية الداخلية بالضد من الحكومات الأوربية ومن ثم الأتحاد الأوربي، لتكييف سياساتها بما يتناسب والمصلحة الأستراتيجية الروسية.. فالنزعة (القومية) الروسية تتساوق مع النهج (الديني) الأرثودوكسي، لتشكل قاعدة العمل الأيديولوجية الروسية حيال أوربا على وجه التحديد.. وهي قالب أُعِدَ للتصدير الخارجي.. وكإجراء دائم لهذه الأيديولوجيا جرى العمل على تحجيم المعارضة الروسية ممثلة بـ(الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي- والحزب الروسي اليميني - والحزب الشيوعي الروسي - وحزب روسيا العادلة اليساري الوسط)، وإبقاء الدولة الروسية الأتحادية على الحزب الواحد وهو (حزب الوحدة الروسية)، حزب السلطة.!!

- ماذا ترمي إليه الأحزاب الأوربية اليمينية المتطرفة؟:

1- تعزيزتوجهاتها وخطابها القومي المتطرف.

2- معادات الأقليات والمهاجرين.

3- التمسك بالنزعة المسيحية المحافظة.

4- معادات الأتحاد الأوربي.

5- العمل على تفكيك كيان الأتحاد الأوربي.

 

- روسيا ترى في الأحزاب الأوربية عمقها الأيديولوجي، كما أسلفنا، تتعامل معه وتدعمه بكل وسائل الدعم، ومن هذا الدعم من خلال (الأعلام الموجه) من جانب، و(تمويل هذه الأحزاب والحركات الأوربية المتطرفة ماليًا) من جانب آخر.. والخطورة التي تكمن في هذا النهج، عمل موسكو على ما يسمى الدفاع عن المسيحية ضد الأسلام في الداخل الأوربي.

- وتكرس روسيا في نهجها هذا جهودًا ضخمة لشبكة إعلامها الألكتروني الموجه للتأثير على الأنتخابات الأوربية في بلدانها، ومنها كما حصل في الأنتخابات الرئاسية الأمريكية، وبطريقة تسمى (القرصنة) لغرض الحصول على المعلومات ولتحويل إتجاه الأنتخابات إلى مسار يخدم مصالح (الكرملين). إذن.. إسلوبان أساسيان يعتمدهما الكرملين في آيديوليجيته الجديدة وهما : القرصنة الألكترونية للتأثير على الرأي العام الأوربي وإثارة حركة التواصل الأجتماعي من جهة، وتمويل الأحزاب والحركات اليمينية الأوربية المتطرفة من جهة ثانية.

- بالضبط.. كما كان عليه الحال في السياسة الآيديولوجية للأتحاد السوفياتي حين كانت ماكنة إعلامه الأيديولوجية تضخ الأفكار، فيما تعمل من جهة أخرى على رفد الأحزاب الشيوعية المحلية بمقومات الضغط الداخلية، ومنها التمويل المالي.. فقد حصل مثلاً : حزب " ماريا لوبان " عام 2014 على قرض من بنك تدعمه موسكو في فرنسا بقيمة (9) ملايين يورو.. كما أن هذا الحزب قد حصل ايضا على دعم مالي غير مباشر من خلال موقع روسي ناطق بالفرنسية عام 2011.

- ألمانيا وفرنسا تشكلان قلب الحركة الآيديولوجية الروسية الجديدة للتحريض ضد حكومتيهما والدول الأوربية وبالضد من الأتحاد الأوربي.. وإن مادة الأثارة هي (الكراهية ضد الأقليات والهجرة والمهاجرين والمهجرين) و(إثارة الخوف من الأسلام)..حيث لخص الرئيس الفرنسي التوجه الأيديولوجي الروسي تجاه العمق الأوربي بقوله (إن الوسائل التي تستخدمها موسكو هي: إستراتيجية التأثير وبناء الشبكات، مع نشر أطروحات محافظة جدًا على صعيد السلوك الأجتماعي، وكذلك إدعاء الدفاع عن المسيحية في وجه الأسلام).

- وهذا فعلاً ما حصل حين كرست روسيا في منهجها هذا جهودًا ضخمة لشبكة إعلامها الألكتروني وقرصنتها للتأثير في سير الأنتخابات الرئاسية الأمريكية!!

- تحولات تدريجية للأستراتيجية الأمريكية الراهنة.. من الشرق الأوسط إلى العمق الآسيوي.. مع تغيرات نوعية في أسلحة التهديد بإستخدام القوة:

يتبع...

16/04/2017

شبكة البصرة

الاثنين 21 رجب 1438 / 17 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط