بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

"إسرائيل" دولة "أبارتايد" تقرير الاسكوا إثباتاً

شبكة البصرة

بقلم المحامي حسن بيان

مقدمة:

بتاريخ 15آذار/2017، أصدرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) تقريراً عن طبيعة الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في داخل الأراضي المحتلة، وقاربت مدى انطباق مفهوم نظام الفصل العنصري (الابارتايد) المنصوص عنه في القانون الجنائي الدولي على السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني.

التقرير أعدته لجنة مؤلفة من الأستاذة فرجينيا تلي()، والدكتور ريشتارد فولك() بناء على تكليف وطلب من الاسكوا قبل ستة شهر من صدور التقرير.

وقبل أن يصدر التقرير بصيغته النهائية أحيلت مسودته إلى ثلاثة اختصاصيين قانونيين دوليين قدموا من دون الكشف عن هويتهم، تقويمات إيجابية فضلاً عن اقتراحات لتنقيح بعض النقاط. وقد تم إدراجها قبل إصدار التقرير بنصه النهائي().

في غضون ساعات من صدور التقرير، واجه ردود فعل متباينة، بعضها نظر إليه بإيجابية، وبعض آخر واجهه برد فعل غاضب ليس فقط من قبل "إسرائيل" المعينة مباشرة به وما توصل إليه من خلاصات بل أيضاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية. حيث أبدى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة استهجانه لمضمونه وطالب الأمم المتحدة برفضه والتنصل منه.

إثر ذلك، طلب الأمين العام للأمم المتحدة من المديرة التنفيذية "للاسكوا" سحب التقرير عن الموقع الالكتروني. وقد رفضت المديرة التنفيذية للاسكوا طلب الأمين العام. وأمام إصراره قدمت ريما خلف وهي أردنية استقالتها، وسرعان ما جرى سحب التقرير عن موقع "الاسكوا".

هذا الموقف الأميركي في التعامل مع تقرير "الاسكوا" حول ممارسات "إسرائيل" تجاه شعب فلسطين، يشبه الموقف الذي اتخذته بالنسبة للتقرير المعروف بتقرير غولدستون/تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول الحرب على غزة (2008-2009).

 

ما هو نظام "الابارتايد"

إن نظام "الابارتايد"، هو نظام يقوم على الفصل العنصري بين المجموعات البشرية بسبب العرق واللون. وهو نظام الحكم والسياسية العنصرية التي اتبعتها "الأقلية البيضاء" في جنوب افريقيا من عام 1948 حتى عام 1990. واستندت هذه السياسةعلى مبادئ الفصل العنصري بين المستوطنين البيض الحاكمين وبين السكان السود، أصحاب وسكان البلاد الأصليين().

إن السياسة العنصرية التي تقوم على أساس تفضيل الإنسان الأبيض على الإنسان الأسود في جميع المجالات والتي جرى تطبيقها في جنوب افريقيا هدفت إلى خلق إطار قانوني يحافظ على الهيمنة الاقتصادية والسياسية للأقلية ذات الأصول الأوروبية. فعندما حل الاستيطان الأوروبي في جنوب افريقيا، كان غالبية المستوطنون من أصول هولندية والمانية وفرنسية، وعرفوا باسم "البوير" ولاحقاً افريكان. وخلال القرن التاسع عشر احتلت بريطانيا جنوب القارة، وبقيت جنوب افريقيا مستعمرة بريطانية حتى عام/1911 عندما حصلت على استقلالها لكن بقيت ضمن دول الكومنوولث.

واستعمال كلمة "الابارتايد "أو "الابارتهايد" بدأ عام/1917 خلال خطاب القاه جان كريستان سميس والذي أصبح رئيساً لوزراء جنوب افريقيا عام/1919().

إن نظام الابارتايد إذن هو نتاج الاستعمار الاستيطاني وهو في ظل السيطرة البريطانية على كثير من المناطق من العالم، حصل مثيله للنظام الذي ساد في جنوب افريقيا، في استراليا وكاليدونيا الجديدة. وأنه من ضمن القوانين والأنظمة التي فرضها نظام الفصل العنصري بين المستوطنين وسكان البلاد الأصليين، تقييد حركة السكان السود ومنع تنقلهم من منطقة إلى أخرى دون تصاريح مرور، وعدم التواجد في الشوارع في مدن مستمعرة الكاب وناتال بعد حلول الظلام، وحظر المشي على الأرصفة في بعض الأحياء.

وإذا كان نظام الابارتايد عمل به كنظام أمر واقع مفروض من قبل المستوطنين من عام/1917 وحتى 1948، إلا أنه بعد هذا التاريخ أصبحت السياسة العنصرية التي اعتمدها النظام في جنوب افريقيا، نظاماً رسمياً صريحاً يستند إلى نصوص قانونية خاصة بعد وصول "الحزب الوطني" اليميني بطبيعته والذي اتخذ من سياسة "الابارتايد" سياسة رسمية معلنة له إلى حين سقوطه عام/1990.

 

أسس نظام الابارتايد

يقوم نظام الابارتايد على الأساس التالية:

1- إنه يعبر عن حالة استيطان استعماري منفصل عن الدولة الاستعمارية الأم.

2- تمارس الكتلة البشرية الاستيطانية وعادة ما تكون أقلية في البداية سياسة التمييز العرقي انطلاقاً من اعتبار نفسها الأرقى بالقياس إلى سكان البلاد الأصليين.

3- تصوغ الكتلة الاستيطانية منظومة حقوقية قانونية على قاعدة الفصل العنصري بحيث يبقى الأدنى (وهم سكان البلاد الأصليين) في نطاق الدولة لكن يحرمون من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية كحق التنقل.. وحق الاقتراع.. الخ.

4- تسيطر الكتلة المستوطنة على مقدرات البلاد الاقتصادية وتضع يدها على ثرواتها، بما فيها الأرض، وتشرع هذه السيطرة بالاستناد إلى منظومة قانونية وتتولى أجهزة الدولة تنفيذ ذلك في الحقول السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

5- تتولى الدولة التي تديرها أقلية "العرق الأرقى"، نشر ثقافة سياسية ودينية تستند على نظرية التمييز العرقي الذي تتبناه الدولة والكنيسة، وتشكل تبريراً نظرياً وأخلاقياً لنظام الفصل العنصري.

 

في ضوء تعريف الابارتايد وأسسه، أين تقع الممارسات الإسرائيلية؟

في أوجه التشابه

1- إن الابارتايد، قام عندما أقدمت الكتلة البشرية الأوروبية على استيطان مناطق في جنوب القارة الافريقية. إذن، أن هذا النظام يفترض وجود كتلة بشرية غادرت بلادها الأصلية وقدمت إلى بلاد أخرى تستوطن فيها. وهذا الذي قام بها المستوطنون الأوروبيون في جنوب القارة الافريقية، قام به اليهود عندما بدأت الحركة الصهيونية بإدارة مشروع الهجرة اليهودية من كل بقاع العالم إلى فلسطين وأن اليهود الذين استقدموا إلى فلسطين اعتمدوا أسلوب الاستيطان في المناطق التي حلوا بها وهنا يتشابه طابع الوجود الأوروبي في جنوب افريقيا مع طابع الوجود اليهودي المستقدم إلى فلسطين باعتبار أن الاثنين اتخذا طابع الوجود الاستيطاني وبالتعبير السياسي (الاستعمار الاستيطاني).

2- إن نظام" الابارتايد" في جنوب افريقيا، مارس تمييزاً واضحاً في الحقوق المدنية والسياسية تجاه سكان البلاد الأصليين، والأمر نفسه انطبق وينطبق على الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. حيث أن النظام العنصري في جنوب افريقيا كان يخصص طرقاً خاصة لسكان لبلاد الأصليين، وهذا تعتمده "إسرائيل" بتخصيص طرق خاصة للمستوطنين لا يعبرها الفلسطنييون.

كما يبرز التمييز في ما يتعرض له الفلسطينيون الخاضعون للإدارة العسكرية بالمقارنة مع المستوطنين اليهود الذين يتمتعون بالمنافع الكاملة لسيادة القانون المطبقة في حالة المواطنين اليهود في "إسرائيل".

3- يرتكز" نظام الابارتايد" على التمييز على أساس العرق، حيث المستوطنون الأوروبيون الذين استوطنوا جنوب افريقيا اعتبروا أنفسهم من العرق الأرقى فيما سكان البلاد الأصليين ينتمون بنظرهم إلى عرق أدنى. وهذا التصنيف العرقي في نظام الفصل العنصري، اساسه التركيب الجيني للإنسان. وبالتالي فإن التمييز العنصري مرده انتماء الكتلتين البشريتين إلى عرقين متمايزين.

لكن السؤال هل اليهود وسكان فلسطين الأصليين ينتمون إلى عرقين بشريين متمايزين؟

إن هذا التساؤل أجاب عليه تقرير "الاسكوا" بكفاءة عالية وبابتكار منهجي للتعامل مع "العرق" بمعزل عن التركيب البيوجيني للإنسان.فالتقرير وفي سياق هذا التساؤل، وعما إذا كان ملائماً اعتبار اليهود والفلسطينيين عرقين متمايزين، وجد أن هناك أسباباً وافية للقيام بذلك. بحيث يجري التعامل مع "العرق" ليس استناداً إلى التركيب الجيني بل باعتباره فئة مبنية اجتماعياً وسياسياً وتحدد شعباً متمايزاً، وليست له علاقة بالضرورة بالوقائع البيوجينية التي تظهر في هذه الحالة تداخلاً بين اليهود والفلسطينيين().

استناداً إلى هذا التشخيص بإطفاء طابع العرق على السلوكية الإنسانية، خلص التقرير إلى اسناد توصيفه بمنظومة سلوكية متعددة الأوجه وهي مندرجة في أربعة نطاقات وقد انطلق التقرير من الافتراض بأن وجود الابارتايد أو عدمه يتوقف على معاملة الشعب الفلسطيني في المجمل.

النطاق الأول: التمييز في المعاملة في المناطق الخاضعة للإدارة العسكرية

ويتجلى هذا التمييز،

أ- بالنظام القانوني المزدوج، بحيث يخضع اليهود المستوطنون لنظام قانوني محددـ فيما يخضع الفلسطينيون تحت الاحتلال لنظام قانوني آخر.

ب- تخصص طرق للمستوطنين غير الطرق التي يعبرها الفلسطينيون.

ج- الفصل الصارخ بين "الشعبين" في مناطق مختلفة على أساس العرق وهذه من العلامات الدامغة "للابارتايد".

د- بالممارسات القمعية التي حولت حياة الفلسطينيين العاديين إلى محنة يومية دائمة.

هـ- بمعاقبة من يقاوم نظام الفصل العنصري. والقانون الدولي يعتبر أن فرض عقاب على من مقاومة الابارتايد جريمة بحد ذاته.

 

النطاق الثاني: وضع الفلسطينيين المقيمين في القدس

إن الحكومة الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين المقيمين في القدس، تقوّض أمنهم، وتتلاعب بحقوهم في الإقامة، وتمارس تمييزاً واضحاً في المعاملات المالية، وفي إصدار تصاريح البناء. وهذا كله من أشكال الفصل العنصري.

 

النطاق الثالث: في معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة عام/1948:

إن الكتلة البشرية في فلسطين المحتلة وان سمح لها بتشكيل أحزاب سياسية والاشتراك في الانتخابات، وهي التي تشكل 20% من مجموع السكان إلا أنه ممنوع عليها بحكم القانون تحدي الطابع اليهودي المعلن للدولة. إضافة إلى خضوعها إلى مجموعة من قوانين الجنسية التمييزية فضلاً عن ممارسات إدارية تفرض قيوداً شديدة على حقوقها، كحيازة الأراضي والتملك والهجرة وجمع شمل العائلات والحرية الزوجية. وهذه كلها من أشكال التمييز القائم على أساس الفصل العنصري.

 

النطاق الرابع: التعامل مع الفلسطينيين المسجلين بصفة لاجئ

إن قرار الأمم المتحدة 194/1948 أكد على حق العودة للفلسطينيين الذين طردتهم وهجرتهم "إسرائيل" من فلسطين عام/1948، وإن قرار الأمم المتحدة (3236) أكد على أن حق العودة هو حق ثابت وغير قابل للتصرف وأنه حتى تاريخه لم يسمح لأي فلسطيني شرد من أرضه أن يعود إلى بلده ويقيم فيه من جديد، وأن امتناع "إسرائيل" ورفضها لتطبيق القرار 194 هو "حرمان الفلسطينيين من حقهم الطبيعي بالعودة إلى البلاد التي شردوا منها، وهذه جريمة من جرائم" الابارتايد".

هذه النطاقات الأربعة التي تنتهك فيها حقوق الإنسان الفلسطيني في فلسطين، تشكل منظومة متكاملة من الممارسات التي تقوم بها "إسرائيل" وتقع تحت أحكام نظام الابارتايد والذي تطورت مفاهيمه بحكم التطور العام الذي طرأ على مجرى الحياة الإنسانية، بحيث لم يعد توصيفه يقتصر على التمييز العرقي بتعريفه البيوجيني وحسب بل بات يشمل كل الممارسات التي تنتهك من خلالها حقوق الإنسان وتقع تحت مساءلة القانون الدولي الإنساني.

 

إذا كانت أوجه التشابه بين نظام "الابارتايد" في جنوب افريقيا "وإسرائيل" عديدة فهل هناك أوجه اختلاف؟

في أوجه الاختلاف بين نظامي "الابارتايد "في جنوب افريقيا و"إسرائيل":

إن أوجه الاختلاف بين نظام الابارتايد الذي كان معمولاً في جنوب افريقيا ونظام "الابارتايد" الذي حدد مضمونه تقرير الاسكوا عن ممارسات "إسرائيل"، هو أن الأول كان انعكاساً لمعتقد أيديولوجي بوجوب الفصل بين الأعراق واستناداً إلى التركيب البيوجيني، فيما الثاني، هو انعكاس للممارسات الإسرائيلية في فلسطين والتي شكلت بمجملها منظومة متكاملة من الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية والإدارية والقانونية، جعلت الفصل العنصري قائماً بين اليهود والفلسطينيين من كل الأطياف وأن "إسرائيل" التي لا تجاهر باعتماد سياسية التمييز على أساس العرق سقطت في اختبار تقديم نفسها "واحة للديموقراطية" وقدمت نفسها بانها دولة عنصرية وأن قرار الأمم المتحدة عام/1974 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية كان انعكاساً لطبيعة "إسرائيل" كدولة رعت الحركة الصهيونية قيامها بإسناد دولي استعماري واضح.

 

"الابارتايد" والقانون الدولي الإنساني:

إذا كان نظام الفصل العنصري، قد تجسد من خلال نظام متكامل شمل كل مناحي الحياة، حيث وجدت أرضية لتطبيقاته فأين موقعه من أحكام القانون الدولي الإنساني؟

إن التطور الذي طرأ على مسيرة القانون الدولي الإنساني جعل أحكامه تشمل كل الجرائم التي تشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.

إن جريمة "الابارتايد "التي فصلت عن أصولها التاريخية في جنوب افريقيا. باتت اليوم جريمة ضد الإنسانية وهي جريمة قائمة بذاتها إذا ما توفرت أركانها المادية والقانونية وهذا ما جعل "الاسكوا" في تقريرها تعتبر ما تقوم به "إسرائيل" إنما هو جريمة "ابارتايد،" وهي جريمة ضد الإنسانية وهذا ما جعل المحكمة الجنائية الدولية تحفظ اختصاصها للنظر بها.

لقد عرف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، "جريمة الفصل العنصري" في المادة السابعة/بند ح من الفقرة 2 بأنها أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار ليها في الفقرة (1) وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء جماعة، أو جماعات عرقية أخرى وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام. إن الأفعال المشار إليها في الفقرة (1) من المادة (7) والتي يؤدي ارتكابها إلى وقوع جريمة ضد الإنسانية، ويحصل ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم تشمل:

أ- القتل عمداً.

ب- الإبادة

ج- الاسترقاق

د- أبعاد السكان أو النقل القسري للسكان

هـ- السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية. مما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي()

وعندما اعتبر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن جريمة الفصل العنصري تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية، فلأنه استند بذلك ايضاً إلى قرارات الأمم المتحدة واتفاقياتها حول حقوق الإنسان والتمييز العنصري.

لقد نصت المادة (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948 على أنه لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر.

وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الأقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء كان مستقلاً أم موضوعاً تحت الوصاية أم غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعاً لأي قيد آخر على سياقاته().

كما عرفت المادة الأولى من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الصادرة عن الأمم المتحدة في 21/12/1963 وبدأ نفاذها في 4/1/1969:

يقصد بتعبير "التمييز العنصري"، أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارساتها، على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في ميدان آخر من ميادين الحياة العامة().

استناداً إلى تحديد الأمم المتحدة "للتميز العنصري"، وما أكد عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يكون تقرير "الاسكوا" حول اعتبار "إسرائيل" دولة"ابارتايد" واقعاً في محله القانوني وبالتالي فإن سحبه من الموقع الالكتروني "للاسكوا" نتيجة الضغط وخاصة من أميركا، لم يكن لأسباب عدم توفر معطياته المادية والواقعية وثبوت الانتهاكات الصريحة للاتفاقيات الدولية حول حماية حقوق الإنسان، بل لأسباب سياسية.

إن التقرير اتهم "إسرائيل" بتأسيس نظام فصل عنصري يهدف إلى تسلط جماعة عرقية على أخرى واستناد إلى التعريف للفصل العنصري. وهو بما قدمه من أدلة ومعطيات لم يترك مجالاً للشك بأن "إسرائيل" ارتكبت جريمة فرض نظام "الابارتايد" على الشعب الفلسطيني لأنها مارست سياسة التمييز العنصري في التعامل مع الفلسطينيين وبذلك تكون قد ارتكبت جريمة ضد الإنسانية، باعتبار أن جريمة الفصل العنصري هي واحدة من أشكال الجريمة ضد الإنسانية، التي نص عليه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وحفظت لنفسها الاختصاص للنظر بها متى توفرت اركانها وهي متوفرة بالاستناد إلى الممارسات الإسرائيلية.

وإذا كانت أميركا قد مارست ضغطاً على الأمين العام للأمم المتحدة لسحب التقرير، فأولاً لأنها سبق ومارست سياسة "الابارتايد" ضد البلاد الأصليين وأقصتهم عن الحياة العامة بعد تهميشهم وحرمانهم من ممارسة حقوقهم المدنية وثانياً، لأن اعتماد هذا التقرير من قبل الأمم المتحدة، يشكل اساساً قانونياً وواقعياً لمقاضاة "إسرائيل" أمام المحكمة الجنائية الدولية لثبوت ارتكابها جريمة ضد الإنسانية.

إن هذا الموقف الأميركي ليس مستغرباً لأن أميركا لم تتوان لحظة عن تعطيل أي قرار يدين التصرفات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. لكن رغم ذلك فإن التقرير الذي سحب بضغط أميركي، ولم يتم وضعه قيد التداول في مؤسسات لأمم المتحدة كي يبنى على الشيء مقتضاة، لم يسحب من التداول الواقعي والسياسي والاعلامي بل سيبقى قائماً كحالة واقعية وبالتالي يمكن الرجوع إليه في كل مرة تلوح فيها إمكانية مقاضاة "إسرائيل" بإقدامها على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأن تقدم المديرة التنفيذية "للاسكوا" استقالتها رفضاً للاستجابة لطلب الأمين العام للأمم المتحدة التقرير عن الموقع الالكتروني للمنظمة ــ وقد سحب لاحقاً ــ فهذه خطوة جريئة يمكن التأسيس عليها مستقبلاَ ودليل على السقوط الأخلاقي عن من مارس الضغط وقدم المصالح الاقتصادية والسياسية على المبادئ الأخلاقية والقانونية.

إن التقرير أكد على وقائع دامغة في اثبات أن " اسرائيل" دولة "أبارتيد"وأهميته أنه قارب تعريف الفصل العنصري من منظار أحكام القانون الدولي الإنساني وليس فقط من منظار التعريف القائم على اساس التمييز العرقي بالاستناد إلى الوقائع البيوجنية، بل الاستناد إلى الوقائع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمنظومات القانونية التي تسعى الدول التي اعتمدت عليها لتشريع سلوكها القائم على قواعد الفصل العنصري.

إن التقرير اضاف وثيقة للوثائق التي تثبت إقدام "إسرائيل" انتهاكها لأحكام القانون الدولي الإنساني وهذا مهم ولكن الأهم هو أن تتحول هذه التقارير إلى قضية رأي عام دولي نظراً للأهمية التي تنطوي عليها وما توصلت من خلاصات واستنتاجات. وهذه تشكل فاتحة جديدة في تعريف جريمة "الابارتايد".

وإذا كان نظام الابارتايد الذي كان معمولاً له كنظام رسمي جنوب افريقيا قد انتهت مفاعليه عام 1990، فإن مفاعليه التي لم تنته بالنسبة "إسرائيل"، وعليه يجب أن تبقى موضع مقاومة على كافة المستويات.

وأن تتلاقي طبيعة "اسرائيل" مع نظام جنوب افريقيا العنصري قبل سقطوه وتستمر كدولة تعمل بنظام الابارتايد تجاه شعب فلسطين في الداخل وعالم الشتات، فهذا يشكل دافعاً قوياً لفرض مقاطعة عالمية عليها كالتي كان ينوء تحت وطأتها النظام العنصري في جنوب افريقيا ونامبيا، أنه التحدي المطروح أمام المجتمع الدولي وهيئاته ذات الصلة بحقوق الإنسان.

إن"اسرائيل دولة "أبارتايد"

وتقرير الأسكوا اثباتاً...

بيروت في 5/4/2017

شبكة البصرة

الاربعاء 9 رجب 1438 / 5 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط