بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هوامش جارحة في ذكرى تأسيس البعث!؛

شبكة البصرة

اسماعيل أبو البندورة

تعرض حزب البعث العربي الاشتراكي منذ تأسيسه وحتى اللحظة الراهنة للعديد من الافتراءات وفساد التحليلات والتقولات والأحكام الجائرة والنقد المتحيز، ونادرا ما نعثر في الأدبيات السياسية العربية والأجنبية على نقد عميق يتوخى المعرفة والحقيقة الموضوعية ويضع الحزب في مكانه التاريخي الصحيح ويشير إلى دوره الكبير والواقعي في صياغة الحياة السياسية العربية في أكثر من قطر عربي وتأثيره في فشو الفكر القومي الوحدوي في الوطن العربي، أو يتوقف أمام مشهد استمرار رسالته القومية وحضورة المؤثر حتى يومنا الراهن وتحوله إلى هدف مباشر للحملة الاستعمارية الصهيونية الايرانية من خلال الغزو المباشر وإسقاط النظام عام 2003 ولاحقاً في قانون الاجتثاث الفاشي الجائر. وكنا نحار سياسياً ومعرفياً من هذا النقض المقصود الذي حل مكان النقد المحتمل والمطلوب والمشروع، وكنا نأمل أن تتحول عملية النقض إلى عملية نقد سياسي معرفي يساعد في تصحيح المسارات والأفكار ويدفع مسيرة النضال العربي إلى الأمام بدلا من الهدم والتفكيك وطمس الحقائق ولذلك لم يتوان الحزب في استظهار الصورة الحقيقية لنضالاته وتقديم دوره بصورته الواقعية غير الافتخارية وبالحجم المطلوب الذي يخدم الحقيقة وطابعه النضالي والاشكاليات والتعرجات التي لازمت هذا الدور والعقبات والعثرات التي حالت دون النهوض بمهمته التاريخية والسياسية بصورتها المرتجاة والمكتملة.

وعلى ضوء ذلك بقي الحزب ودوره وفكرة (تحديداً على صعيد الأدبيات السياسية التي كانت تظهر هنا وهناك بين فينة وأخرى) قيد تجاذبات واتهامات باطله وافتراءات أخذت على عاتقها تشويه دوره ودور قادته وأدى ذلك فعلا إلى تكوين صورة سلبية عنه وإلى استمرار هذا السياق النقضي العقيم الذي تقدم على كل محاولات النقد والمراجعة وأجهض ذلك انبناء عملية وضوح فكري ضروري وتقييم نقدي للحزب وفكره ودوره بصورة سياسية - معرفية موضوعية.

السياقات الخاطئة للنقض (الذي اخذ صيغة النقد الديماغوجي المختلف عن النقد الموضوعي) التي اعتمدها في مسار الافتراء والتشوية بدأت بعدم الاعتراف بالشرعية الحزبية التي عبر عنها واستمر بها الحزب في العراق في ثورة 17 30 تموز عام 1968 والتغاضي عن الانقلاب العسكري المبرمج الذي قوض سلطة الحزب وأبعد قيادته التاريخية الشرعية في سوريا في شباط عام 1966 وحكم على مؤسس البعث بالاعدام،  حيث دأبت التحليلات السطحية غير الموضوعية على وضعه على نفس الصعيد مع السلطة البعثية الشرعية التي حكمت العراق منذ عام 1968  والإصرار على الحديث عن بعثين ومركزين سوري وعراقي مع معرفة الجميع وإطلاعهم على تفاصيل ووقائع بزوغ السلطة الانقلابية في سوريا التي كان في مقدمة اهدافها تشويه صورة الحزب وتحويله إلى قناع ولافتة ووسيلة لاستمداد الشرعية. ومارست على أرض الواقع عملية اقتلاع الحزب وفكره من سوريا منذ تلك اللحظة المفصلية وبذرت بذور الانقسام فيه وبين منظماته.

أما المنحى الآخر للنقد المتقصد للنقض والتشويه فقد عمد إلى ربط الحزب ودورة التاريخي وفكره بالسلطة أو السلط التي قادها وتفاصيل عملها واستمداد أفكار سلبية عنه من بعض ممارسات السلطة وبعض الأخطاء التي ارتكبت من خلالها دون الاهتمام بالفكرة القومية المرجعية التي نادى بها الحزب وناضل من اجلها ولا بالنطاق القومي الذي يتمدد فيه الحزب وله فيه نضالات وسياقات أخرى خارج السلط، كما لم يتوقف هذا المنحى الفاسد في الانتقاد عند صورة العراق بعد الغزو وزوال السلطة وعودة الحزب إلى سياقه التاريخي النضالي الأصيل بأن يكون حزب مقاومة وحزب يقود ثورة تحرير وتوليد مشروع وطني لإنقاذ العراق والمحافظة على عروبته.

لم يتحدث أحد (من النقاد!) عن المقاومة العراقية ودور الحزب فيها ولا عن السياقات الجبهوية الجديدة لنضال الحزب والنقد الذاتي الذي يمارسه في أتون مواجهته للاحتلال، وبقيت الاتهامات ذاتها تترى وتتكرر وتتنمط عن السلطة الوطنية دون الأخذ في الاعتبار لظروف النضال الصعبة والهجمة الفاشية التي تقصدت اجتثاث الحزب ولا عن التضحيات وعدد شهداء الحزب الذين سقطوا دفاعاً عن عروبة العراق وكرامته الوطنية منذ الغزو وحتى يومنا هذا.

كما حذفت وطمست هذه الافتراءات الانجاز الكبير الذي حققته سلطة الحزب في العراق طوال خمسة وثلاثين عاماً واختزلتها بالحديث عن الدكتاتورية وعن بعض الأخطاء التي حدثت هنا وهناك دون التطرق إلى النهضة الشاملة التي اضطلع فيها الحزب ونظامه الوطني طوال الفترات الماضية.

وعلى الرغم من كل ما قيل وما يقال من افتراءات وأزعومات فإن الحزب في مسيرته الظافرة بقي في الميدان داعياً للعروبة وتحرير فلسطين وكل الأراضي العربية المحتلة، ومؤسساً لتطلعات تاريخية جديدة ومولداً لمبادرات عديدة للنهوض بالأمة، وهو وعلى الرغم من قساوة المكان والزمان الذي يتحرك فيه إلا أنه بقي الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه وبقي مرتكزا جاذبا لكل القوى الوطنية والقومية في الوطن العربي وفي العراق تحديداً، وهو في لحظته الراهنة يعزز مسيرته التحريرية الظافرة بالمزيد من الوقفات والمراجعات التي تؤكد صحة وشجاعة الموقف ورباطة الجأش والقدرة على الانبثاق والتجدد وتلك سمة البعث الأساس التي لم تتبدل وتتغير منذ تأسيسه وحتى اللحظة الراهنة وذلك هو المعنى التاريخي للبعث الذي نستذكره في السابع من نيسان كل عام ونرى فيه لحظة دائمة لاستئناف البدء (وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

شبكة البصرة

الخميس 10 رجب 1438 / 6 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط