بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لقطات من اوبيدو عن النصر العراقي (2)؛

شبكة البصرة

صلاح المختار

لقطات لالوان لزهور التي حضرت

بعد ان قدمنا نماذج لعظمة العراقي وقدرته الخارقة للقواعد الكلاسيكية في التحمل نقدم الان نماذج لمن حضر من العالم والوطن العربي:

1- عندما كنت انقل بصري باحثا عن هويات الوجوه التي حضرت الى اوبيدو اكراما للعراق ودعما لنضال شعبه من اجل الاستقلال وطرد الغزاة وجدت امامي الناصري القومي العربي ويجلس جنبه الشيوعي الوطني الرافض لنهج قيادة الخيانة الوطنية، ومقابلهما ارى لحية تسابق نظري منبثقة من وجه متحفز تشير الى ايمان واضح بالله، وتلمح عيني البعثي الذي ترك التنظيم لكنه بقي متمسكا بوطنيته وقوميته العربية، ويتنقل بين كل هؤلاء البعثي المناضل الان يسلم على هذا ويعانق ذاك ويحك خده من لسعات شعيرات اللحية، وحول هؤلاء كلهم وجدت المستقل العراقي يشكل الاغلبية الساحقة كالدبلوماسي والمهندس والطبيب والطيار والعسكري الوطني والطالب وعطر لايمكن الا شمه وهو للماجدة العراقية والعربية والعالمية، هؤلاء كلهم يبدون اعضاء في حزب واحد يعلو فوق كافة الاحزاب وهو حزب العراق الناهض مغمسا بحزن دم انداح من القلب الجريح ووصل الى العيون بعد ان ملء القلب ولم يعد هذا النابض الصغير قادرا على تحمل كثرة الدماء التي دخلته وخرجت منه فجاء الفضاء الروحي للعراقي ليكون مخزنا للالام الملايينية.

حزب العراق هذا هو رئيس مؤتمر اوبيدو وهو مهندسه وهو بطله وهو عقله وهو قلبه العاطفي لذلك كنت ترى الدموع تتهاطل كلما تعانق عراقي مع عراقي لم يره من زمن بدى كقرن وكلما وردت كلمة بابل او اشور او سومر او بغداد العباسية او اسم دجلة او النخيل، اما حينما عزف النشيد الوطني العراقي الاصيل نشيد العراق المتحرر فقد صارت الدموع تقدم مجانا ليس من ماجدات العراق فقط بل اماجد العراق الذين تربوا على اعتقال الدموع واسرها في الماّقي. وحينما قدم حكمت ناهي الفنان العراقي بعد انتهاء المؤتمر اناشيدا وطنية واغان كلاسيكية صار الدمع كافيا لغسل عرق الوجوه وافراغ الالم من القلب. كان نشيد (ياكاع ترابج كافوري) هي القدحة التي اوقدت في ان واحد الشعور بدفق بطولي لانهاية له وحزن عميق اجتاح كل سدود التحمل: قلت وانا ارى واسمع: هذا هو العراق الناهض من مقابر ملايين الشهداء واضعاف العدد من المهجرين.

التنوع السياسي في المؤتمر كان كتنوع تمر البصرة وكالوان حديقة وجوه ابناء العراق، لم يكن حاجزا بل جامعا للصلاة في محراب العراق العظيم الخالد، وكان البعثي بين هؤلاء اقلية عدديا لكنه كان الداينمو الذي يجمع الناس ويحثهم على ابداء الرأي في تفاصيل المؤتمر، وهذا هو دور الطليعة. تمنيت لو ان العراق تمتع قبل عقود بهذه الروح الاندماجية التي حافظت كل وردة على عطرها الخاص دون مزاحمة عدائية، فانا ارى العراق الواحد هنا في اوبيدو متلاحما عضويا.

وحينما اعترض احد الحضور على وصف المسيحيين بالاقلية وهو اعتراض صحيح تماما - وقال انهم (سكان العراق الاصليون) ولا يجوز وصفهم بالاقلية وكان المعترض مسلما وليس مسيحيا وقفت واعترضت على تعبير (المسيحيون هم سكان العراق الاصليين) وقلت موضحا ليس صحيحا ان المسيحي هو ساكن العراق الاصلي بل العربي فالعربي سكن العراق قبل اكثر من عشرة الاف عام وهو موثق في الاثار ونظم الري وبما ان سكان العراق لم يتم تغييرهم عبر تلك الفترة رغم كوارث الاحتلالات المتعددة والمتعاقبة فان الهوية العربية سابقة للهوية الدينية تاريخيا، فالعراقي كان يهوديا ومسيحيا وصابئيا قبل ظهور الاسلام، وعندما جاء الاسلام صار اغلبهم مسلمين بينما بقي اخرون على دينهم وهذا يعني ان الذي تبدل هو الدين وليس السكان.

وتعبير (المسيحي هو الساكن الاصلي للعراق) خاطئ ونحتته مصادر استشراقية استعمارية لتشويه تاريخ العرب بترويج نظرية ان العرب قدموا للعراق من الجزيرة العربية اثناء الفتح الاسلامي له وهذا خطأ تاريخي فادح فقد وصل العرب الى العراق وسوريا والمغرب العربي اثناء موجات هجرات متعاقبة من الجزيرة العربية بدأت قبل فترة تتراوح بين عشرة الاف عام و12 الف عام ـ وهذا هو التفسير العملي الوحيد لوقوف الغساسنة والمناذرة العرب وهم مسيحيين مع الفاتحين العرب القادمين من الجزيرة العربية ضد الفرس نظرا لصلة العروبة التي تربط بينهم كما انه التفسير الوحيد لوقوف اهل المغرب العربي بقوة مع الفتح الاسلامي، وكذلك فعل مسيحيوا سوريا وهذا احد الادلة القاطعة على ان الهوية العربية هي الجامع الرئيس بين اغلب العراقيين.

الحقيقة المحورية هنا هي ان سكان العراق القدماء هم انفسهم حاليا ولم يتغيروا مادام التاريخ يؤكد بان هجرات ملايينية لم تحدث في العراق الا بعد لغزو الامريكي والايراني له والذي تغير هو الدين فقط فاليهودي او المسيحي اختار الاسلام لكنه بقي عربيا فالمسيحي العراقي عربي بالاصل والاصالة وهو ساكن اصلي للعراق. صفق الحضور بما في ذلك من اعترض على تسمية المسيحيين بالاقلية لانه اكتشف الجذر الاستعماري لهذا التعبير وان العربي سواء كان مسيحيا او مسلما هو عربي اصيل.

 

2- حضرت الامة العربية كلها فقد جاء الليبي والمغربي والجزائري والتونسي والموريتاني مثلما جاء السوري وابناء المشرق العربي، واختلطت اللهجات العربية في تنويعة ثقافية مزهرة حتى انك تتخيل ان الوحدة العربية قائمة. لقد جسد المؤتمر حقيقة اننا امة عربية واحدة مهما حاول الاعداء تقسيمها.

 

3- من دعمنا من الاجانب؟ المؤتمر عبر اولا واخيرا عن قناعة عالمية بانه لا حل لقضية العراق بدون القوة السياسية الرئيسة فيه وهي البعث وهذه الحقيقة فرضت نفسها على من خطط لتدمير وتقسيم العراق وفرض اجتثاث البعث وحاول اكثر من عشرة اعوام بعد الاحتلال عزل البعث بالقتل والحرمان المادي والحصار الاعلامي ففشل وبقي البعث قادرا على افشال اي حل للقضية العراقية لا يكون طرفا رئيسا فيه ليس لانه يريد السلطة بل لان الحلول بغيابه كانت لاتشترط اولا وقبل كل شيء استقلال العراق الفعلي والناجز، وهذه الحقيقة ادركتها مؤتمرات كثيرة عقدت تحت واجهات المصالحة وانقاذ العراق خصوصا منذ عام 2005 وحتى هذا العام حيث عقد اخر مؤتمر في تركيا.

ولكن كل هذه المؤتمرات ورغم الدعم المالي الكبير لها من دول عربية واجنبية فشلت في تحقيق خطوة واحدة الى امام لسبب اصبح الان واضحا وهو ان الانسان لا يسير بدون قدمين ولا يقف بقوة الا على قدمين اما من يسير على عكازة المال وهو غالبا حرام وليس في وجهه ومضات وطنية بل حملقات عيون شيطانية بينما تحرير العراق والتفاوض والتحاور مع الكبار من اجل ذلك يتطلب ان يتوفر في الطرف العراقي شرط حاسم لايمكن بدونه التفاوض مع المحتل او اي طرف وهو شرط الاستناد على جماهير منظمة توجد في كل العراق وتمثل كل العراقيين وليس بعضهم كي يوفر اهم شروط التفاوض الناجح وهو توازن القوى بين طرفي التفاوض لمنع ابتزاز الطرف القوي للطرف الضعيف ومنع جعل التفاوض وسيلة لاستعمار العراق، بينما العناصر التي تصدرت مشهد المبادرات كان غالبيتها تبحث عن المال او السلطة ولا تملك جماهيرا منظمة وتراهن على هبات مؤقتة يعرف من غزا العراق انها سوف تهمد بعد قليل، ولهذا فهي غير قادرة على الاستقرار فوق الارض ولا ان تجد من يساندها وفي وجوهها علائم شيطانية يفضحها المال الحرام، خصوصا عندما يجد الجد ويأتي وقت مسك الارض وتطهيرها من حثالات الغزاة.

اوربا تراجعت قبل امريكا عن موقفها واسبانيا بلد فيه مناضلين يساريين لم يتوقفوا عن دعم العراق منذ فرض الحصار عليه وهؤلاء بالذات يحكمون ولاية اوسترياس بقوتهم السياسية ولذلك كانوا دائما يدعمون العراق قبل الغزو وبعده ووقفوا علنا مع المقاومة العراقية ضد الغزو. فداعمنا في عقد مؤتمر اوفيدو هو نفسه داعمنا في مؤتمر ملقا في الاندلس في العام الماضي: يساريون تقدميون قدموا قاعة المؤتمر وتسهيلات اخرى معروفة ورسمية وليس فيها اسرار وقبلنا الدعم منهم لانهم اولا يمثلون الجماهير الاسبانية المناضلة من اجل الحرية ولاننا لا نملك المال الذي يغطي كل تكاليف مؤتمر ضخم مثل مؤتمرنا حيث ان مصادرنا هي اعتماد كل مشارك على نفسه في شراء بطاقة السفر ودفع اجور الفندق وتبرع من وفقه الله ماليا لمن لا يملك الا القليل.

التقدميون الاسبان لم يكونوا معنا فقط بل حضر وشاركنا نضالنا ضد الغزاة اوربيون اخرون من السويد ومن المانيا والدنمارك والنرويج وفنلندا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهؤلاء اما من منظمات داعمة للعراق قبل الغزو اثناء الحصار او اعضاء برلمانات سابقين يرفضون الغزو او سفراء سابقين، وكان من ابرز الكلمات التي القيت كلمة الشخصية المناضلة والمعروفة السيد كارلوس رئيس الحملة الاسبانية ضد الحصار والتي كانت تقدم الدعم السياسي والمساعدات الطبية للعراق اثناء الحصار والذي طالب بضرورة تقديم الدعم الدولي لنضال الشعب العراقي من اجل التحرر والاستقلال. هذه هي باقة الزهور التي حضرت مؤتمر المغتربين العراقيين وهي زهور لا تباع ولا تشترى بل تمنح عطرها للمؤمنين بالحرية والاستقلال والتقدم الانساني، وتلك الشروط غابت عن داعمي المؤتمرات السابقة

يتبع.

14-15-2017

Almukhtar44@gmail.com

شبكة البصرة

السبت 19 رجب 1438 / 15 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط