بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في الذكرى الثانية والأربعين لـ 13 نيسان المشؤوم

سريالية المشهد السياسي اللبناني المرتبك والمأزوم

شبكة البصرة

نبيل الزعبي

ماذا كانت هذه الحكومة والمجلس النيابي الممدد له، لينتظراه وقد أنزلا على اللبنانيين قانوناً جائراً للإيجارات لا يقل ضحاياه عن المليون مواطن ومواطنة لن يجدوا غير الشارع مسكناً لهم ولو بعد تسعة من الستين ستتراكم خلالها كل هموم الدنيا عليهم والتي لم تعد محصورة بالسكن، وإنما أضيف إليها سلسلة طويلة من الضرائب الجائرة وكل واحدة منها كفيلة بإصدار حكم الإعدام على المواطن في صموده ومناعته وهو يلهث وراء لقمة عيشه ولا مفر أمامه سوى التآخي مع الجوع والفقر البطيء المحتم وكل ما يفقده الإحساس بالانتماء لهذا الوطن.

ماذا كانت هذه الحكومة والمجلس النيابي الممدد له، لينتظراه، وقد سرَّب من سرَّب على الناس القائمة الموعودة للضرائب الجائرة عليهم، فما كان من نتائج فورية سوى الاستفزاز العارم الذي الهب مشاعر الناس فنزلوا إلى الشوارع والساحات بكثافة غير معهودة ليفرضوا على هذه الحكومة التنصل من القائمة والتبرؤ منها وهي التي لم تكن لتدري أن وجع الناس قد فاق كل طاقة من التحمل فتراهم في الخامس عشر من شهر آذار المنصرم قد توحدت كلمتهم في مواجهة هذه السلطة ومن تمثل من حيتان المال وميليشيا الطوائف والمذاهب وامرائها.

أضف إلى هذا وذاك، ماذا ستنتظر هذه الحكومة والمجلس النيابي الممدد له أيضاً وأيضاً، من ارتدادات سلبية على رد المجلس الدستوري للطعن الصادر عن عدد من نواب الأمة عقب قانون الإيجارات الجائر، ليتسبب هذه الرد بوضع ما يقارب المليون لبناني على قائمة التشرد المحتمل ليعيشوا ما ينتظرهم من قلق "مطاطي" يتراوح بين التسعة والاثني عشر عاماً وليس غير الخالق بعدها يعلم، أية شوارع ستستوعب أطفال الحقوق المغيبة للمستأجرين القدامى، وأية موبقات سترمي بهم في مجهول التفكير بالخروج من هذا الواقع اليائس، وكم من أفكار جهنمية ستتلقفهم وتبني على مآسيهم تيارات متطرفة لا تجد سبيلاً لها للتطور والانتشار سوى في البؤس الذي يعيش داخل الجدران المتهاوية وسقوف التنك والصقيع شتاء، وحرارة القيظ صيفاً فلا يعود من جلجلة أمام الضحايا سوى المزيد من الانفكاك المعنوي والمادي أمام كل ما يربطهم بالوطن وبالمواطنية وحتى في تبادل المودة وحسن المعشر بين أبناء وطن يعيش أبناؤه صيفاً وشتاءاً على سطح واجد.

ماذا تراها الطبقة السياسية الحاكمة فاعلة بعد اليوم، وقد أغلقت كل أبواب الأمل بالتغيير السياسي أمام الشعب الذي تتحكم به، فلم تترك له حتى أقل الثغرات لينفذ منها بعض من يحلمون باعتماد النسبية في قانون الانتخابات النيابية الموعود، وهم يحلمون بإيصال صوتهم إلى داخل الندوة البرلمانية علهم يحققون اختراقاً متواضعاً في بنية هذا النظام ومؤسساته التشريعية والتنفيذية التي ما عادت تعبر سوى عن مصالح "الاوليغارشية الجديدة" المتمثلة بتحالف هذه السلطة وما تضم من ميليشيات طائفية ومذهبية مستندة إلى طبقة الرأسمالية الجديدة (النيوليبرالية) الوافدة على البلد منذ ما بعد اتفاق الطائف ولم تزل تتمدد ويتشبث نفوذها في المجتمع اللبناني على حساب اندثار الرأسمالية الوطنية وما تبقى من طبقة وسطى لطالما كانتا صمام الأمان للبنان في مختلف الأزمات والمحن.

ماذا ينتظر اللبنانيون بعد هذا ذاك والأمور إلى مزيد من التأزيم في الأشهر القادمة ولا شيء صار يدعو إلى التفاؤل بعدما نجحت السلطة في إخماد جذوة التحرك النقابي المطالب باعتماد سلسلة عادلة للرتب والرواتب غير مرتبطة بالضرائب الجائرة التي تطال الفقراء والمعدمين ومتوسطي الحال بشكل أساسي، لتعمد بعدها إلى ترك الناس يضيعون وسط معمعة المشاريع المتبدلة والمعدلة لقوانين الانتخابات النيابية، وتمادي التضليل الإعلامي في ممارسة سطوته على العقول مستخفاً بذكاء البشر ولو اقتضت مصالح الأطراف مجتمعة إلى التحكم بأقليات مأزومة باتت تعيش عملاً بمقولة المتنبي "وتعظم في عين الصغير صغارها، فترى كل مجموعة تفتعل حروبها الذاتية الصغيرة داخل بيئتها وكانتونها الخاص، فتعلن عن انتصارات وهمية في معارك "دون كيشوتية" تتجسد تارة في صراعات الخط الواحد بين الموالي والأكثر موالاة للخط، أو الانقلاب على من عاش وتربى وترعرع في البيئة التي يرفع لواءها، ثم وجد من يكشف له تجاوزاته وتعدياته على أبناء هذه البيئة دون أن يصرح، لِمَ كل هذا السكوت عن هؤلاء "المارقين" طوال العقود المنصرمة من السنين، تارة أخرى، في الوقت الذي لم يجد الموقع الأول في هيئة التشريع اللبناني حرجاً من التصريح بأنه "لولا الطائفة والمذهب "لما بقي أحد منا في مواقعه حتى اليوم".

إنها سوريالية المشهد السياسي اللبناني المرتبك والمأزوم، بعد أن أفقدت هذه السلطة مواطنيها كل ما يربطهم بالوطن والمواطنية على حساب الولاء للطائفة والمذهب، فتراه العامل اليوم يضيع في مواجهته لرب العمل خاصة إذا كان هذا الأخير أميراً للبيئة التي ينتمي إليها العامل في نفس الوقت، وبات الإتباع في هذا المقلب وذاك، لا يميزون بين من يستغلهم طبقياً ومن يستعبدهم مذهبياً مستبدلاً قوانين العمل والعقد الاجتماعي، بخطاب داخلي فيه من السياسة والتخويف من الآخر والحقن المذهبي ما يجعل من هذا الخطاب دستوراً للمرحلة حيث بات التمسك به من المقدسات فوق أي مقدس آخر.

هذا المشهد الذي زاد في التقزر والاشمئزاز عشية الذكرى الثانية والأربعين للثالث عشر من نيسان المشؤوم بعد تهديدات سياسية حادة أحيت في نفوس اللبنانيين أيام تلك الذكرى اللعينة وهم يتوجسون شراً من التمديد الثالث الذي كاد أن يحصل للمجلس النيابي الممدد له لمرتين، لولا إشهار سلاح المادة 59 من قبل الرئاسة الأولى، لتعود الأمور إلى المراوحة حتى الخامس عشر من أيار المقبل، على أمل أن لا يحفر هذا الموعد (15 أيار) في ذاكره اللبنانيين اليوم ما حفره في ذاكرة الفلسطينيين العرب عام 1948 يوم سُلبت منا فلسطين واُغتصبت ونحن لم نزل "نتناتش" وطناً نمعن فيه شرذمة وتقسيماً وأبقيناه مصلوباً على كف عفريت!

14/4/2017

شبكة البصرة

الجمعة 18 رجب 1438 / 14 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط