بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في ذكرى رحيل عزيزة على قلبي

شبكة البصرة

الدكتور غالب الفريجات

في مثل هذا اليوم السابع من نيسان قبل عامين، فقدت أعز الناس على قلبي، فقدت من صنعت مني إنساناً بتضحيتها وتفانيها في تربية صغارها، فكانت نموذج الأم المكافحة المناضلة، فالنضال ليس في حزب سياسي ولا في خندق المقاومة فحسب، بل النضال هو كل نوع من أنواع التضحية، فالأم التي تكافح في سبيل تربية أطفالها مناضلة، فهي تصنع للوطن رجالاً، وتجعل من أبنائه قامات تتفوق في الكثير من المواقف والمواقع على من يتسربل باثواب العز، الذين لا تسمح لهم ظروف الحياة ولا ضنك العيش أن يعيشوا كاقرانهم لضيق ذات اليد، ولأن الحياة بقسوتها وشدة وطأتها، فهم يحفرون باياديهم في صخرة المعاناة، و ضحوا بالكثير حتى يتمكنوا من تحقيق ذاتهم، وإن كانت بسيطة كبساطة العيش مع قلة ذات اليد التي تسود المجتمع.

كل الصحة أن الأم مدرسة رغم عدم توفر معطيات الحياة فيها، ولكنه الإنسان المكافح الذي يرسم بين عينيه هدفه، رغم كل الظروف الصعبة والقاسية، فما بالك بصبية في العشرينات من عمرها تلم الحياة على ذاتها، فتصر على مواجهة الحياة رغم قسوة الظروف، وقسوة المجتمع وبمن فيه من هروب عن أداء الدور المنوط به اتجاه اخيه الإنسان الذي يكابد ويكافح، ليصل بلقمة العيش لافواه تصرخ من وطأة الجوع، في مجتمع الفقر والحرمان.

صبية في ريعان الصبا أبت إلا أن يكون لها الدور والموقف في انتزاع الحياة من صوان الحياة وقسوة العيش، لتقول لكل من اراد أن يجعل منها عابرة طريق لا ما خلقت الا ليكون لي الدور في المواجهة مواجهة الفقر وحرمان صغاري من حياتهم في أن ينالوا حقهم في هذه الدنيا، حتى لو كان ذلك على حساب حياتي، فما خلقت الا للتضحية، فصنعت بتضحيتها ثلاثة رجال يشهد الله أن كل واحد فيهم ما حاد عن طريق الصواب، لا بل وانتخوا ليكونوا في خندق الامة، وتركوا بصمتهم على سطح الحياة، كما تركت والدتهم بصمتها على سطح المجتمع، الذي جعل منها نموذجاً للأم المكافحة المناضلة المضحية فوق طاقة اصحاب التضحية الاعتيادية.

أم ليس كمثلها أم حفرت لها اسماً في وسط المجتمع ما زال طعم رنينه يطن في أذني، فهي التي وإن كانت أمية، ولكنها كانت تعي أن عليها دور يتجاوز دور الامومة وتربية الابناء، فهؤلاء الابناء كانوا قد تشربوا النضال، وكانت الام على وعي بدور أبنائها، فكانت السند لهم رغم أنها كانت لا تقرأ ولا تكتب، وهي التي تخفي المنشورات الحزبية السرية خوفاً من اعتقال كبير ابنائها، فهي النموذج لكل الابناء الذين يسيرون في طريق العمل لاصلاح المجتمع، والتطلع نحو أن يأخذ الوطن والأمة دورها في الحياة الحرة الكريمة، وهي ككل ام لمناضلين وجدوا في صدور امهاتهم الصدر الحنون الممزوج بالارادة القوية، ساعدهم في ذلك على مواصلة النضال، فما وهنوا ولا ضعفوا بسبب تربية أم تعي دورها ودور كل واحد من ابنائها، فجاءت مسيراتهن كمسيرات وطن ينشد الحرية، ويتطلع إلى العز والكرامة، فبتن ماجدات عن حق وحقيقة، يشهد لهن هذا الدور النضالي في تربية أبنائهن، وفي الصراع مع الحياة بكل ما فيها من قسوة وضنك العيش.

أم رغم أن الدولة ارادت تكريمها كأم مثالية، فكانت تعاف هذا التكريم، فعافته على أن أجبرت عليه، فكانت الام المثالية قبل اكثر من اربعين عاماً، وفي وقت أن الدور المثالي للأم لم يتم تداوله لا في ادبيات السلطة ولا في ادبيات المجتمع، فنالت التقدير في الصفحتين صفحة المجتمع اولاً وصفحة السلطة ثانياً، فباتت نموذجاً لكل من أرادت أن تحفر اسمها في تاريخ الحياة، وبات أبناؤها يعتزون بها وبكل ثانية من حياتها قضتها في التربية الوطنية والحياتية لهم.

من حق كل إنسان أن يفخر بأمه كيف لا والام لها دور متميز في حياة الإنسان، ومع حجم التضحية والمعاناة، ومع سطوة قسوة الحياة، ومع الاسم الذي تحفره هذه الام كنموذج لتضحياتها، فالمرأة المكافحة المناضلة هي من يصنع الحياة على الارض، والام التي تصنع المجد وتبني بنيانه في نموذج الاسرة التي تقوم هي على لملمة أطرافها، ولمسة حنانها على كل عضو من أعضاء الاسرة التي هي نواة المجتمع، الذي إن صلحت فيه الاسرة صلح المجتمع، وإن فسدت ضاع المجتمع وتهدم بنيانه.

رحمك الله يا امي ورحم كل الأمهات اللواتي صنعنا المجد، وارضعنا طهارت الحيات لابنائهن حتى يتمكنوا أن يكونوا الابناء الصالحين الخيرين لوطنهم ومجتمعهم، وغرسن ارادة العمل، وصلابة الموقف، أمي ما زلت تعيشين في قلبي وعقلي، ولولا أن وهبك الله لي ولاخواني لما وصلنا ما نفخر به من ثبات في الرأي، وعزيمة لا تضعف، رغم القسوة والظلم الذي لن يحرف مناضلاً عن موقف، ولا يحبط انسانا عرف معالم الطريق.

الى جنات الخلد يا أمي، واسأل الله أن يحشرك مع عباده الصالحين، ولك يا والدي دعاء المغفرة من رب العباد على عطائك وتربيتك، فقد رحلت مبكراً وتركت وراءك زوجة وإنسانة قل مثيلها في التضحية فقد أدت الرسالة على أكمل صورها.

dr_fraijat45@yahoo.com

شبكة البصرة

الجمعة 11 رجب 1438 / 7 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط