بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القرارات التربوية في وزارة التربية

شبكة البصرة

الدكتور غالب الفريجات

عملت خبيراً لوزارة التربية لاربع سنوات مع ستة وزراء، لاحظوا بمعدل فصل دراسي لكل وزير، و أغلب هؤلاء قد سقط على الوزارة من عل، دون أن يكون له علاقة بالمكون التربوي، ولا دراية له بالتربية، ومع عدم دراية هؤلاء، فإن المصيبة الكبرى أن القائمين على ادارة العملية التربوية، الذين يوكل لهم صناعة القرار التربوي في لجنة التخطيط التربوية المركزية، لا يملكون الارضية التي يستندون عليها لصناعة القرار، وهم في توصيفهم موظفون يقومون على العمل الاداري اليومي، بعيدون كل البعد عن سمة القادة التربويين، الذين يقودون العملية التربوية، ويشكلون سنداً قوياً لوزير التربية.

في مثل هذه الحالة التي تئن فيها الوزارة، تصدر القرارات التربوية دون أن نفهم ما هو البعد التربوي من وراء هذا القرار أو ذاك، وأين الهدف الذي يسعى القرار لتحقيقه، فالتربية ليست مزاجية هذا المسؤول أو ذاك، هي مسؤولية الوطن، لأن إنعكاس قراراتها على مجمل أبناء الوطن، والاصلاح الذي ينشده أي مجتمع لابد وأن يمر من البوابة التربوية، فالاصلاح التربوي يملك القدرة على الاسهام الأكبر في اصلاح المجتمع، وكثيرة هي الدول التي نجحت في تحقيق الاصلاح الشامل من خلال البوابة التربوية، لا بل أن الدول التي تتعثر تنميتها وتقدمها تلجأ إلى التربية، وتقوم بعملية الاصلاح والتطوير التربوي.

القرار التربوي يمر بمراحل عديدة تبدأ بتشخيص الحالة المنوي اصدار قرار فيها، ثم يتم اجراء اختبار على عينة من هذه الحالة، ويتم تبيان النتائج، وتحديد السلبي منها والايجابي، ثم تطبيق جزئي حتى نصل إلى قناعة صلاحية التطبيق الشامل لهذا القرار التربوي، وبشكل خاص ذاك القرار الذي له إنعكاسات كبيرة على المسيرة التربوية، وعلى تطور الحياة الاجتماعية بسبب حجم الذين يتأثرون من هذا القرار.

الملاحظ في قرارات المكون التربوي أن مزاجية الوزير، وعدم كفاءة الطاقم الاداري في الوزارة هي من تتحمل مسؤولية إصدار القرارات التربوية، وكل وزير في ظل المدة الزمنية التي يتولى فيها المسؤولية لا يعمل ضمن خطة تربوية، فهو لا يملك هذه الخطة، ووزارة التربية بلا تخطيط، وكل البرامج التي تعمل عليها ليست في ضوء خطة تربوية وزارية، بل هي مشاريع تم التوافق عليها مع الدول المانحة في برنامج التطوير التربوي (ارفكي).

التخطيط التربوي هو أساسي للتخطيط الوطني، فغياب التخطيط التربوي يؤشر على غياب التخطيط الوطني، وهو ما يعني أن تسود المزاجية والاجتهادات الفردية، فكيف ذلك بوزير قد لا يملك وقتاً حتى لفهم المكون التربوي يفاجأ و قد خرج بتعديل أو تغيير وزاري، بمعنى عدم الاستقرار في موقع الرجل الأول في التربية، يؤدي إلى ضياع التربية، والاحتكام لقرارات فردية مزاجية، لاتخدم تربية ولا وطن ولا مجتمع.

وزير يركب الوزارة دون خلفية تربوية، وطاقم اداري لم يتسلم مسؤولياته في ضوء الكفاءة، وعاجز بل جبان في اتخاذ القرار، ووزارة بلا تخطيط، لا بل أن أحد الوزراء الفهلويين قد أجهز على ادارة التخطيط، هذا الواقع المرير في النظام التربوي يؤشر أن التربية ليست ذات أهمية لدى صانعي القرار في الوطن، على الرغم أن وزارة التربية هي أهم من الوزارات السيادية التي نعلي من دورها، ونعطيها أهميتنا، وأقول دائماً أن النظام السياسي الذكي هو من يهتم بالتربية أكثر من اهتمامه بوزارة الدفاع، فقد قال الفيلسوف نتشه عندما احتلت فرنسا مقاطعتي الالزاس واللورين من المانيا أعطوني التربية لأحررهما، والامريكان عندما تدنت مستويات طلابهم في الامتحانات الدولية في الرياضيات والعلوم شكلوا لجنة برئاسة بوش الاب الذي كان نائباً للرئيس ريجان، وأصدروا وثيقة أسموها أمة في خطر، ونحن تدنت مستويات طلابنا في هذه الامتحانات الدولية لثلاث مرات متتالية ولم يحرك أي وزير ساكناً، لا بل كتبت دراسة لواحد من هؤلاء الوزراء في حدود العشرين صفحة لمعالجة هذه الحالة، وعند الحديث عن نتائج هذه الامتحانات سألت الوزير عن ذلك، فماذا كان جوابه؟، أنا آسف لم أقرأها، فهل وزراؤنا يقرأون، فاذا كانوا لا يملكون لا الخلفية عن التربية، ولا يقرأون ما يكتب لهم، فمن أين سيكون بامكانهم اصدار قرارات تربوية صحيحة؟.

جملة القول أن الوزير الذي يكلف بوزارة التربية ولا يملك خبرة تربوية، ووزارة لا تملك خطة تربوية، وليس لدى ادارييها ثقافة تربوية، والمكلفون بصناعة القرار في مركزها غير مؤهلين، ولم تأت بهم الكفاءة بل المحسوبية، ويعملون بنظام تنفيذ التعليمات، فإن مخرجات الوزارة من قرارات يتخذها الوزير لا تمتلك السمة التربوية، فهي قرارات فردية مزاجية، وهي قرارات مدمرة، ونحن إن نتوق لعملية الاصلاح ووضعنا التربوي على هذه الحالة، فلن نراوح مكاننا.

ـ نحن بأمس الحاجة إلى وزير تربوي يملك خبرة تربوية له القدرة على صناعة القرار، والجرأة في تنفيذه في ضوء نهج علمي.

ـ نحن بحاجة ماسة أن تعتمد التربية اسلوب التخطيط التربوي في ضوء خطط تربوية قصيرة ومتوسطة وطويلة.

ـ نحن بحاجة إلى أن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في ضوء الكفاءة عوضاً عن المحسوبية والواسطة.

ـ نحن بحاجة لعقد مؤتمر تطوير تربوي يعتمد الدراسات العلمية لجميع مفاصل العملية التربوي على غرار مؤتمر التطوير التربوي 1987، لوضع التربية على الطريق، في ضوء فهم أن النظام التربوي هو بوابة الاصلاح، وليس كمؤتمر يقوم الوزير على لملمة قراراته المزاجية.

ـ نحن بحاجة لاعادة هيكلية وزارة التربية ليكون دورها صناعة قرارات ورسم سياسات، ويعطى الدور الأكبر للميدان للتنفيذ مع رقابة فاعلة.

ـ نحن بحاجة لاعادة النظر في تشكيل مجلس التربية من ذوي الخبرة والكفاءة التربوية.

ـ نحن بحاجة للخلاص من الفوضى التربوية في الميدان التربوي، ليكون الميدان التربوي محكوم بالتقسيات الادارية/على مستوى المحافظة إلا عند الضرورة يكون في المحافظات الكبيرة أكثر من ادارة تربوية.

ـ نحن بحاجة لرفع سوية المعلم وتعزيز دوره وتوفير احتياجاته المادية والمعنوية، والاخذ بعين الاعتبار أن يكون لنقابة المعلمين دورها في المشاركة.

ـ نحن نفهم أن الطالب محور العملية التعليمية، ما يعني خلق المواطن الصالح الذي يكون لبنة صالحة في المجتمع، لا خريج فارغ ليس لديه حد أدنى من فهم كيفية التعامل مع الحياة.

ـ نحن بحاجة للتركيز على المناهج التربوية والتركيز على المرحلة الأساسية، بحيث يتعدى دور المنهاج الجانب التعليمي التلقيني، ويركز على الدور في غرس القيم.

نحن بأمس الحاجة لمعالجة امتحان الثانوية العامة دون البعد عن الفهم أن عملية التقويم في نهاية المرحلة الثانوية ضرورية جداً، ولا يجوز الإنتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى دون عملية تقييم، حتى نستطيع الوقوف على مدى نجاح المرحلة والذين عبروا منها.

ـ نحن بأمس الحاجة أن ندفع بالتعليم المهني إلى دور أكبر، وتشجيع الالتحاق به مع توفير البنية التحتية الضرورية والقوى البشرية اللازمة، والاعلاء من شأن المهنة والمهنيين على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

في الختام أرى لزاماً على وزير التربية من باب اخلاصه في العمل ورغبته في التطوير أن لا يترك نفسه أسيراً لطاقم الموظفين الذين يحيطون به، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهم من أكثر الموظفين عداءاً لبعضهم البعض، ويقومون على محاربة من يعمل.

dr_fraijat45@yahoo.com

شبكة البصرة

الجمعة 18 رجب 1438 / 14 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط