بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأحتلال الغاشم للعراق... يوم العار!!؛

شبكة البصرة

د. سامي سعدون

(1) دمى خزافية

شلّت القدرة وجفت القريحة وتبخرت ملكة الكتابة، من هول الصدمة، الاّ من خواطر وهلوسات وتساؤلات آنية، انفلتت مع الزفرات والآهات والحشرجات التي ضاقت بها الضلوع وأكتوت بحرارتها الاحشاء، فأمتزجت الدموع مع مداد القلم.. لتحكي عن (العراق الذبيح؟) الذي صار مقالاً اخذ طريقه الى النشر في وقتها في احدى الصحف الاردنية من خلال احد الاصدقاء في عمان، كان ذلك في نيسان ـ ابريل يوم وطأت قدم المحتل ارض الوطن، حينها نضب المداد تماماً وشرد الذهن واصاب الروح الجدب لاكثر من عام، فانقطعت الكتابة التي كانت عشقاً وسلوة ومتنفساً أبث من خلاله ما في الاعماق من حب وتعلق بهذا العراق العظيم الذي تناهشته خناجر الغدر والحقد والعداء بقيادة الولايات المتحدة زعيمة قوى الشر؟.. فتراقص الاعداء على جسده المسجى وتعالت زغاريدهم بـ "عراق جديد" سيكون الانموذج الديمقراطي الامثل في المنطقة! وقادوا قطيع "الدمى الخزافية" من شوارع التسكع ومن على أبواب الماخورات والمقاصف الليلية ليسلطوهم على الرقاب بعد تنصيبهم حكاماً للعراق الديمقراطي؟! ومع ان الصورة الكارثية لما ينتظر العراق واضحة في وجوه هولاء المتسلطين، وجوه لا تحمل الا..الاجرام والحقد واللصوصية والفساد، انهم الكارثة والبلاء على البلاد!! وقيل: اصبروا فثمرات الديمقراطية في الطريق؟ وتعدى صبرنا" صبر ايوب" والصبر نفسه! علنا نرى العراق الديمقراطي الموعود؟!

 

(2) اين الثرى من الثريا!

وتمر السنون والعراق في تدهور وناسه الاصلاء بين قتلى ومعتقلين ومطاردين ومشردين ومهجرين، عراق ممزق طائفياً واتنياً وثرواثه نهب بين المحتل والمتسلط، والتأخر والتخلف والامية والفقر في تسارع مذهل نحو الانحدار لتبلغ نسباً مخيفة جعلت العراق يتصدر قائمة الدول المتأخرة والأنظمة الأكثر فساداً!؟ انه ليس عراقنا الذي نعرف والذي عشناه ووضعنا لبناته لبنة لبنة خلال 35 سنة ليبز في نهضته الدول المتقدمة بسرعة قياسية، انه العراق الذي سنظل له اوفياء مخلصين، والذي كنا وما نزال نتغنى، جذلين بعزّه، ونتباهى، شامخين بمجده، ونفاخر، وهاماتنا في الذرى بعظمته، ونزهو، مبتهجين، بطيبة وغيرة ناسه، ونتحدى، واثقين، بقوته وعزم وشجاعة رجاله الميامين، فماذا يقول عملاء المحتل في السلطة بعد 14عاماً والتي لم يتوقف فيها الدم والنهب والظلم والتهجير والخراب والدمار، ولم يعرف فيها العراق لا أمن ولا امان ولا استقرار، شعبه يضام ويفقر ويجوّع وانسانيته تسحق وحقوقه تمتهن وكرامته تهان، وثرواته تنهب، وسيادته تنتهك وارادته تسلب.. و..؟ أن عراق ماقبل الاحتلال وتجربة الحكم الوطني المظفرة لم تكن خالية من الاخطاء، ولكن ماحصل للعراق وشعبه في ظل ديمقراطية الاوباش و سلطة العمالة في بغداد.. لايمكن ان يشّبه الا بالفترات المظلمة في تأريخ العراق؟ فعراقنا، رغم العدوان والتآمر المتواصل، ومع كل أساليب شيطنة النظام الوطني وقيادته المخلصة، يبقى الوجه الناصع وتجربة حكمه التجربة الامثل ليس للعراقيين حسب وانما لكل العرب الشرفاء والوطنيين المخلصين ولكل احرار العالم، ولايمكن مقارنته بعراق اليوم فأين الثرى.. من الثريا؟

 

(3) المجنون لن يسلى ليلاه!

لقد اتعبتنا الغربة واضنانا الوجد والبعاد عن العراق الحبيب الذي طالت كبوته لهول ما تعرض له من عدوان بشع ولقسوة وحقارة وبذاءة عذّاله، وشماتة ودناءة ووحشية اعدائه، وتساؤل ذلك المستفز اللئيم "اين انت من العراق ومعشوقتك المدلله بغداد! وهل سلى المجنون ليلاه؟!" فارعد ما في القلب المكلوم، زوابع عن الروح (العراق)، وهل نحيا بدونه "غرة الاوطان" انه قدرنا المشّرف، وملىء احداقنا، واستذكارعظمته وعراقته واصالته وسنى نوره المشع على الجميع.. سلوتنا في محنتنا اينما كنا، فعراق ما قبل 2003، عراق الوطنية والشرف والرجولة والقوة والمنعة والمهابة، فكان العراقي اينما حلّ معززاً مكرماً، بشعبه وتأريخه وقيادته الوطنية الشجاعة، فهل يجرؤ أي وزير خارجية ان يرفض، كما رفض الأستاذ طارق عزيز استلام رسالة الرئيس الاميركي جورج بوش الاب الى الرئيس صدام حسين الذي قدمها له نظيره جيمس بيكر في محادثات جنيف الشهيرة التي سبقت، بأيام قليلة، العدوان الثلاثيني الغاشم على العراق عام 1991 لـ "لغتها غير المؤدبة" هكذا هو العراقي مهاب مهيب، له قدره واحترامه ومكانته الرفيعة، اما اليوم في العراق الديمقراطي(؟) فالكرامة وعزة النفس وكل الخصال الحميدة صارت من مخلفات الماضي، ومسؤولوه غير محترمين ويتجاهلهم اقرانهم أينما حلوا وبشكل خاص عند اسيادهم الامريكان والفرس الإيرانيين وامثلة ذلك كثيرة؟! فالايرانيون، مثلاً، يتعمدون عدم رفع العلم العراقي والاكتفاء بالعلم الايراني في اللقاءات الرسمية [وكأن العراق ضيعة ايرانية؟] وملالي ايران لا يخفون اطماعهم على حساب العرب، زاعمين ان اكثر من قطر عربي تابع لإيران الفارسية؟!!

 

(4) هذا عراقنا، فأتونا بمثله؟!

عراق ما قبل الاحتلال (1968 ـ 2003) اضحى في غضون سنوات قليلة رغم استهدافة والتآمر عليه.. احد اهم بلدان المنطقة تقدماً ونهضة عمرانية وتطوراً وعلى مختلف الاصعدة، وامتلك اوائل ثمانينات القرن الماضي.. ناصية العلم والتكنلوجيا والاستقلال الفعلي بعد تأميم النفط الخالد عام 1972، ليبني عراقاً قوياً، ببنى تحتية متينة و شهدت جميع القطاعات طفرات عملاقة ومستويات تطور متقدمة، ولعل ابرز ما نفخر به بناء الانسان العراقي وتحسين المستوى المعاشي والاجتماعي بعد القضاء على الامية وألزامية ومجانية التعليم والصحة وعموم الخدمات وفتح باب الدراسة والتعلم في الخارج في بعثات وزمالات برواتب مجزية تتحملها جميعها الدولة؟ وفاق العراق، انذاك، بلدان المنطقة بما فيها مصر بعدد العلماء والاساتذة الحاصلين على الشهادات العليا وبمختلف الاختصاصات، واصبح العراق قبلة الاشقاء وابناء المنطقة للدراسة والتعليم الجامعي والتخصص العالي المجاني في افضل الجامعات واكثرها علمية ورصانة، والتطبب والاستشفاء في افضل المستشفيات المتطورة و بادارة خيرة الاساتذة والأطباء، وحتى في ظل الحصار الجائر بعد العدوان الثلاثيني عام 1991.. اعادت السواعد والعقول العراقية بناء اغلب ما دمّر فالكهرباء اعيدت بعد الترميم والاصلاح من الادوات الاحتياطية القديمة والمنتشلة من بقايا المحطات والشبكات المقصوفة وبالاستعانة بما ابتكرته ورش "الشيخ عمر" من مواد حظر تصديرها للعراق؟ واضافوا الى جانب اعادة بناء الجسورة المدمرة بناء اكثر من جسر جديد ابرزها جسر 17 تموز ذو الطابقين في وسط بغداد الحبيبة، وكان كل شيء، بما فيه الامن العام، يسير بأنتظام وتحت رقابة الدولة؟

 

(5) الرعاة.. وشقاء الرعية؟!!

فما الذي تحقق في العراق الديمقراطي خلال السنوات الماضية غيرالقتل والفساد والخراب والدماروالنهب ومشاركة المحتلين عدوانيتهم واحقادهم في استهداف الانسان العراقي وارادته و القضاء على كل شيء وعلى جميع الاصعدة بما في ذلك الرموز والمعالم التأريخية و التراثية لأعرق الحضارات في تأريخ الانسانية فأضحى العراق في مقدمة الدول المتأخرة رغم ثرائه، و حسب تقارير الامم المتحدة لحقوق الانسان والوكالات المتخصصة فقد بلغت نسب الفقروالجهل والبطالة مستويات مخيفة وحقائق مفزعة في عراق يطفو على بحيرة من النفط، وتجاوزت اعداد اللاجئين والمهجرين في داخل العراق والخارج الملايين؟ واصبح الفساد سمة عامة فانتشرت الرشوة والمحسوبية في ظل سياسة محاصصة طائفية واتنية مقيتة سفح فيها الدم العراقي البريء وعم الخراب كل شيء بما في ذلك الانسان العراقي وهنا مكمن الخطورة؟ فلا ذمم ولا أخلاق ولا صدق فالكل مرتشون والفساد عم الجميع بما في ذلك القضاء والتعليم؟ لان الراعي جاهل وفاسد وعدو حاقد وهم مما ينطبق عليهم قول الامام علي عليه السلام.. (اشقى الرعاة من شقيت به رعيته) فالوزراء وكبار المسؤولين جهلة اميون بشهادات مزورة من "بسطات شارع مريدي" في بغداد ومن "بازار عراقيان" في طهران، وصار الغش والتزوير وتسريب الأسئلة بعد تغيير شامل للمناهج الدراسية باشراف إيراني حيث تطبع بمطابع إيرانية! واصبح النجاح "بالجملة" وبأعلى المعدلات لفئات من الطلبة بدوافع طائفية؟؟ وصارت للشهادات تسعيرة معروفة وحتى بالنسبة لاختصاصات خطيرة تتعلق بحياة الناس كالطب؟ وغدا الاعتماد على النفط، فلا زراعة ولاصناعة ولا كهرباء حيث ذهبت عشرات المليارات المرصودة لها الى (جيوب الفاسدين) وحتى جيش العراق العريق حلّوه وقتلوا خيرة القادة والضباط والطياريين والمنتسبين، واقاموا بدلاً عنه جيشاً من مرتزقة وعملاء، وبدمج ميليشيات الاحزاب العميلة المرتبطة بايران أمثال (فيلق بدر وميليشيا حزب الله.. جيش المهدي وسرايا السلام وعصائب اهل الحق!) وغيرها، وهي اليوم اكثر من 105 ميليشيا، أدمجت مؤخراً بـ(الحشد الشعبي) وهو على غرار الحرس الثوري الايراني.

 

(6) هذي المسوخ وهؤلاء الدون والسفل!

ورغم التآمروالعدوان وتشديد الحصار والذي انتهى بالاحتلال.. الا ان العراق المبدئي تمسك طيلة 35 عاماً بما يؤمن به من ثوابت، تجاه القضية الفلسطينية وكل القضايا العربية الى جانب بناء عراق حر متقدم ذي أرادة وطنية مستقلة وتسخير ثروات البلد في خدمة شعبه والشعب العربي.. والتي كانت السبب في أستهداف النظام الوطني حيث تم تدمير واحتلال العراق، فتنفس كل اعداء العراق وفي مقدمتهم اسرائيل وايران.. الصعداء، وبسطت ايران، بالتواطؤء مع المحتل وعملائها في سلطة بغداد، النفوذ على الساحة العراقية، فاصبحت منطقة الشرق الاوسط الغنية بالنفط والغاز العربي، بعد تدمير العراق واضعافه وخنوع حكامه وعمالتهم بشكل خاص، وغياب وتمزق وضعف الطرف العربي بشكل عام.. مسرحاً لصراع اقليمي بين المتنافسين والطامعين وهم: تركيا وايران واسرائيل في لعب دور "الدولة المركز" للهيمنة على هذه المنطقة الغنية بالنفط وذات الموقع الاستراتيجي الهام، فضلاً عن ازدياد عدد القواعد العسكرية الاميركية والغربية في اغلب بلدان المنطقة وبالذات قرب ابار النفط، فاسقاط النظام الوطني في العراق بعد تدميره واحتلاله واقامة نظام مسخ بدلاً عنه.. نقطة الشروع في تنفيذ مخطط استهداف الامة العربية بتمزيق بلدانها الى كيانات هامشية صغيرة وضعيفة يسهل معها نهب المزيد من ثرواتها، أذ يحاول الحكام العملاء انكار عروبة العراق والتنكر لهويته القومية واخراجه من محيطه العربي بنهجهم وسياستهم الطائفية والعنصرية المقيتة واشغال المجتمع بترويج ما يصّدره اسيادهم الفرس من بدع واباطيل وخرافات لاصلة لها بالمذهب الجعفري ولا بالشريعة الاسلامية السمحاء.. فأين هؤلاء ومرجعياتهم، واين اسيادهم ملالي ايران و"الولي الفقيه " ومقلديه من الاساءات المتكررة والمقصودة للاسلام والى شخص الرسول العظيم محمد (ص)؟! ان السكوت والجبن يفضح ويعري حقيقة مواقف هؤلاء المعادية للعرب والمسلمين، هذه المواقف التي ما عادت مخفية و لم ينفع التسترعليها ب"اطالة اللحى وحرق الجباه ولبس المحابس واعتمار العمائم السوداء والبيضاء؟؟" فهل اتضحت الصورة لمن مازال يتساءل عن "الطلاق بالثلاثة" والقطيعة بيننا وعراق اليوم الذي نحن وكل الشرفاء والوطنيين براء منه؟! فما يجري على الساحة وخلال اكثر من 14 عاماً من عملية سياسية فاشلة ومن (هذي المسوخ وهؤلاء الدون والسفل).. يدمي القلوب وهو مما لايسكت عليه وان طال الامر وعيل الصبر ولكن لادوام لهذه الحال المائلة؟!

شبكة البصرة

الاحد 13 رجب 1438 / 9 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط