بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

شموع تبدد الظلام

شبكة البصرة

السيد زهره

مهما كان الظلام دامسا، فإن شمعة واحدة تبدده.

وفي حياة الدول والشعوب المتحضرة، في أوقات المحن والأزمات، مهما بدت التحديات صعبة، ومهما بدت دواعى القلق والخوف على الوطن كبيرة، عادة ما تتجلى صور ومظاهر القوة والصمود والإصرار، وعادة ما تظهر دواع كثيرة للأمل والثقة والقدرة على تجاوز التحديات.

ان كان هناك ارهابيون مستعدون لتنفيذ أعمال انتحارية من اجل اهداف شيطانية تدميرية للوطن، هناك وطنيون شرفاء مستعدون للتضحية بأنفسهم والاستشهاد في سبيل أهداف نبيلة دفاعا عن الوطن والشعب.

ان كانت هناك أقلية إرهابية مجرمة تسعى الى خراب الوطن واثارة الفتنة وشق الصف الوطني، فهناك شعب بأسره يحمي الوطن ويدافع عن وحدته وتماسكه الوطني.

مثل هذه المعاني لا بد ان ترد الى الذهن عند متابعة ما جرى في مصر بمجرد وقوع الجريمة الإرهابية الأخيرة.

الشعب المصري فجع لهول الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيستي طنطا والإسكندرية. وبقدر ما فجرت الجريمة غضبا وحزنا وألما وقلقا، بقدر ما فجرت وطنية واصرارا، وكشفت قوة وحدة الشعب في مواجهة قوى الشر الإرهابية السوداء.

بقدر ما كشفت الجريمة عن مخططات تريد النيل من الوطن ووحدة الشعب، بقدر ما كشفت مصادر هائلة للقوة والإصرار على هزيمة هذه المخططات.

ولنتأمل فقط بعضا من ردود الفعل الشعبية في اعقاب الجريمة.

بمجرد وقوع جريمة طنطا، خرج آلاف المصريين المسلمين والأقباط في حشد شعبي تلقائي، يهتفون ضد الإرهاب، ويرددون شعارات الوحدة بين المسلمين والأقباط. ونفس المشهد تكرر في الاسكندرية.

بمجرد ان انطلقت دعوات للتبرع بالدم، سارع المسلمون قبل الأقباط للتبرع بدمائهم لإنقاذ الجرحى.

شهيدات وشهداء الشرطة قدموا صورا من التضحية والفداء من اجل الوطن، واستطاعوا بدمائهم الحيلولة دون كارثة اكبر كان الارهابيون يعتزمون تنفيذها.

الكنيسة المصرية بكل رجالها، والأقباط في مصر عموما، وبالذات أمهات وآباء الشهداء الذين سقطوا، سجلوا منذ اللحظة الأولى موقفا وطنيا مشهودا، ولقنوا الإرهابيين ومن وراءهم درسا قاسيا.

منذ اللحظة الأولى للجريمة، حرص أقباط مصر على ان يعلنوا للعالم كله ان الإرهاب الأسود لا يمكن ان ينال من وطنيتهم ووقوفهم بجانب الدولة والتضحية من اجل الوطن، ولا يمكن ابدا ان ينال من وحدتهم الوطنية مع المسلمين.

تلميذات وتلاميذ المدارس المسلمون والأقباط رسموا معا بأجسادهم في طوابير الصباح صورة الهلال والصليب الشهيرة التي تجسد معاني التلاحم الوطني بين أبناء الوطن.

نستطيع ان نقدم عشرات من مثل هذه المشاهد والصور الرائعة التي شهدتها مصر في الأيام الماضية.

هي صور ومشاهد لشعب لا يمكن ان يقهره إرهاب او يخيفه او يضعف اراداته، ولوطن أكبر واعظم وأقوى من أي مخططات إرهابية للتدمير والخراب والفتنة.

بطبيعة الحال، لايعني هذا أبدا التقليل من شأن المخططات الإجرامية التي تستهدف مصر. لا يعني ابدا التقليل من خطورة هذا الإرهاب الأسود، وضرورة حشد كل الإمكانيات لمحاربته والقضاء عليه.

لكن ابراز هذه الصور والمشاهد الوطنية امر له أهمية كبرى.

في الأوقات الصعبة التي تمر بها مصر وأي دولة، تكون الشعوب بحاجة الى كل ما يعزز الثقة بالنفس، ويبعث الأمل، ويقوي إرادة المقاومة والدفاع عن الوطن. وليس هناك اكبر من مثل هذه الصور والمشاهد والمواقف يمكن ان يحقق هذا الهدف اكبر بكثير جدا من أي كلام انشائي عن الوطنية.

ولهذا، في مصر والدول العربية، الاعلام يتحمل مسئولية كبرى في هذا الشأن.

في الوقت الذي يجب فيه على الاعلام ان يحذر من خطورة المخططات والمؤامرات التي تستهدف الوطن ومن عدم الاستهانة بها، فانه مطالب في نفس الوقت ببث الأمل وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة التحديات. والتركيز على مثل هذه النماذج والصور والمشاهد الوطنية احد السبل الكبرى لأداء الاعلام لدوره على هذا النحو.

لا يجوز ابدا تجاهل الظلام الذي يهددنا، لكن في نفس الوقت، لا بد من التنبيه الى شموع كثيرة بأيدينا تبدد هذا الظلام.

شبكة البصرة

الاربعاء 16 رجب 1438 / 12 نيسان 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط