بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تحديث الاستبداد.. تأملات في طبائع الاستبداد!؛

شبكة البصرة

اسماعيل أبو البندورة

كان الاستبداد منذ الأزل ولم يزل ظاهرة كارثية مذمومة وغير انسانية ومعرقلة لنمو الأفراد والمجتمعات، أنتج في دوائره ومجالاته حالة الانسان المقهور والمهدور والمجتمع الفارغ المدمر ووضع العراقيل أمام حرية البشر لا بل كان عدواً أزلياً لحريتهم وحائطاً يحول دون تطورهم الانساني والاجتماعي وقيداً على عقلهم وحراكهم.

انطلق الاستبداد في تجلياته من منطق القوة والجبر والقسر وإشاعة الخوف والتخويف (من تكلم قتلناه ومن سكت مات بدائه غماً) وكرس الاستباحة والغلو والمغالاة والتعسف والعنف الرمزي والواقعي، وكانت أداته أجهزة ومؤسسات غاشمة دربت على أن ترى المواطن عدواً وشراً مطلقاً وتراه مداناً في مطلق الأحوال حتى تثبت براءته وكتمت أنفاسه تحت شعارات ترويضية إخضاعية "وعلى أن السكوت المديد من ذهب!" وأخرس الاستبداد الألسنه والعقول وأشاع الابتذال والهوان وعطل خطاب الأفراد والمجتمعات وطارد الايماءات والكنايات والمبني للمجهول والغيظ الكامن في الصدور حتى، وكاد في لحظة أن يدخل إلى السرائر ليرى ما فيها من هجس وهمس.

هذه صورة مختزلة عن الاستبداد وتجلياته لا تغطي سوى النذر اليسير من مفرداته وسيروراته ولكنها تعطي بعضاً من السمات واللمع واللمحات، وهي من الصور التقليدية النمطية للاستبداد تكاد تكون متشابهة في معظم دول الاستبداد ويكاد لم يسلم أحد من آثارها وأوضارها وكادت أن تكون في لحظة ما جزءا من التكوين المزمن لمزاج الخوف والامتثال والطاعة.

والبديع والمستحدث في طبائع الاستبداد ورموزه أنه كلما توجع الناس وثاروا عليه سارع إلى تبديل ثيابه وبعض كلامه (الآن فهمتكم!) (من أنتم!) أو تراجع قليلا ليرى مخرجاً بعد هدوء العاصفة (سأتخلى.. لن أترشح ثانية ولم يتطرق إلى ولده الذي سيترشح) وهكذا تبقى تجري الأمور إلى أن تهب الرياح مع السفن أو ضدها ويكون ما يجب يكون من مفاجئات وتغيرات.

وعندما تزول الغمّة يطرح الاستبداد مشروعه الاستبدادي بطرائق حداثية يغازل فيها الناس ويروضهم بالتعددية الموجهة، والانتخابات المسيطر عليها، وتوسيع مساحة القفص (على طريقة القفص الصيني الذي يتيح للعصفور الطيران أكثر لكن ذلك يبقيه ضمن القفص ولا يحق له الطيران خارجه) ويبقى للاستبداد ودولته التسلطية الاستئثار بالسلطة والإعلام والثروة والقمع الناعم المنتقى غير المدان.

وهكذا يتحول الاستبداد الغاشم المحدّث أو الحداثي إلى انفراج وراحة (بالمعنى التسلطي) تلغي الاحتجاج والأسئلة وتدين المندسين (الاسم الحركي للمعارضة) وكل منادٍ باقتلاع وزوال ذهنية الاستبداد وأدواتها، وكل من يطمح إلى دولة المواطنة المدنية، والمشاركة في صنع القرار وتبادل السلطة، وكل من يطالب بالحرية التوافقية المسؤولة التي لا تغلو وتتطاول على حريات الآخرين.

وهلى هذه الشاكلة (الغرائبية) نكون أمام مشهد واطوار جديد من تجليات الاستبداد وطبائعه وحداثويته، ونجد أنفسنا كشعوب أمام باب الحرية المغلق، ونرانا في حالة صفرية ومربعاً أولاً أكثر شؤماً وكآبة وكارثية مما كان قبلاً ولكنه كما في حالة "القفص الصيني" التي اشرت اليها يبقي الناس داخل قفص الاستبداد ولا يسعف في الطيران الحرّ الطليق في فضاءات مفتوحة خارج الأقفاص!

شبكة البصرة

السبت 20 ذي القعدة 1438 / 12 آب 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط