بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سمّاعة الأذن!!؛

شبكة البصرة

سعد الرشيد

العراق، صاحب أول قانون مدني على الأرض، ذلك القانون الذي جاءت به شريعة حمورابي، والذي أسّس أول مدرسة في التاريخ الإنساني.. العراق قبلة طالبي العلم في عصره الذهبي أيام الرشيد وابنه المأمون الذي شيّد دار الحكمة ليحتوي آلاف الكتب والتراجم.. العراق الذي تم منحه جائزة اليونسكو عام 1982 لقضائه على الأميّة بشكل نهائي.. هذا العراق قد تحوّل اليوم إلى بلدٍ تتفشّى فيه الأميّة وينتشر به الجهل، أمّا النجاح والتفوّق، إلاّ من رحم ربي، فصار الفضل فيهما لسمّاعة الأذن!!

لقد أُعلنت قبل مدة وجيزة نتائج امتحانات السادس الثانوي (البكالوريا)، ولكن لم يتحدّث أحد عمّا جرى في تلك الامتحانات من غش، وكيف أن الكثير من الطلاب كانوا يدخلون قاعة الامتحانات وهم يزرعون سماعةً في أذنهم ليتلقّوا الأجوبة من خارج القاعة، وذلك مقابل مليون دينار عن كلّ طالب!! وفي مناطق أخرى حيث تسيطر الميليشيات فقد كان بعض أفراد تلك الميليشيات يدخلون المراكز الامتحانية التي يمتحن بها أقاربهم، ليقوموا علناً وفي وضح النهار بتغشيشهم، من خلال السماح لهم بفتح الكتب الدراسية لنقل الأجوبة أثناء الامتحان!!

نحن هنا لا نبحث النتائج الآنية المترتّبة عن هذا الغش، ولكننا ندرس تبعاته على مستقبل بلادنا، فهؤلاء الطلبة الذين نجحوا بهذه الطريقة، سيحصلون على أعلى المعدلات، وبذلك سيتم قبولهم في كليات الطب والهندسة والقانون، وغيرها من الكليات ذات المعدلات العالية، وبما أنّهم اعتادوا الغش كوسيلة للنجاح، فإنّهم سيكررون الأساليب ذاتها في دراستهم الجامعية حتى يتخرّجوا مهندسين وأطباء ومحامين!! هؤلاء الذين نشير إليهم سيمرُّ تحت أيديهم أناسّ مرضى يحتاجون العلاج والعمليات الجراحية في المستشفيات!! هؤلاء سيهندسون طرقاً وجسوراً ومبانياً قد تنهار في أية لحظة على رؤوس قاطنيها!! هؤلاء سيكونون يوماً رجال قضاء يحكمون بين الناس، ومحامين يترافعون في المحاكم!! هل تفكّرتم قليلاً معي بمدى خطورة الأمر على مجتمعنا ومستقبل بلادنا!!

بعيداً عن السياسة وملفات الفساد، أوجّه كلامي هذه المرّة لأولياء أمور الطلبة، للآباء الذين يدفعون هذه المبالغ من أجل نجاح أبنائهم بهذه الطريقة.. لن أتكلم بمثالية وأقول لكم حكّموا ضمائركم فيما تفعلونه، ولن أخاطب فيكم القيم والمبادئ، بل أقول لكم فكّروا بأنفسكم أنتم حينما تضطرون يوماً، لا سمح الله، لمراجعة طبيب في شيخوختكم، فقد يكون هذا الطبيب الذي تضعون أنفسكم بين يديه، قد نجح بنفس الطريقة التي نجح بها أبناؤكم، الغش بواسطة سماعة الأذن!!

صدقاً، لابدّ من وقفة جادة، يقوم بها المجتمع قبل الحكومة، لأن البقاء على هذا الحال من هبوط للمستوى التعليمي حد الحضيض، ستكون نتائجه كارثية على البلد مستقبلاً، لأننا سنخرّج جيلاً كاملاً ممن اعتادوا الغش والخديعة وسيلةً لتحقيق مبتغاهم.. جيلاً غير مؤهلٍ لحمل المسؤولية في أي جانب من جوانب الحياة.. وهذا لعَمري ضياعٌ ما بعده ضياع!!

شبكة البصرة

السبت 20 ذي القعدة 1438 / 12 آب 2017

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط